Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 205

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) (البقرة) mp3
قِيلَ : " تَوَلَّى وَسَعَى " مِنْ فِعْل الْقَلْب , فَيَجِيء " تَوَلَّى " بِمَعْنَى ضَلَّ وَغَضِبَ وَأَنِفَ فِي نَفْسه . و " سَعَى " أَيْ سَعَى بِحِيلَتِهِ وَإِرَادَته الدَّوَائِر عَلَى الْإِسْلَام وَأَهْله , عَنْ اِبْن جُرَيْج وَغَيْره . وَقِيلَ : هُمَا فِعْل الشَّخْص , فَيَجِيء " تَوَلَّى " بِمَعْنَى أَدْبَرَ وَذَهَبَ عَنْك يَا مُحَمَّد . و " سَعَى " أَيْ بِقَدَمَيْهِ فَقَطَعَ الطَّرِيق وَأَفْسَدَهَا , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَكِلَا السَّعْيَيْنِ فَسَاد . يُقَال : سَعَى الرَّجُل يَسْعَى سَعْيًا , أَيْ عَدَا , وَكَذَلِكَ إِذَا عَمِلَ وَكَسَبَ . وَفُلَان يَسْعَى عَلَى عِيَاله أَيْ يَعْمَل فِي نَفْعهمْ .



عَطْف عَلَى لِيُفْسِدَ . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ " وَلِيُهْلِكَ " . وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة " وَيُهْلِكُ " بِالرَّفْعِ , وَفِي رَفْعه أَقْوَال : يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى " يُعْجِبك " . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : هُوَ مَعْطُوف عَلَى " سَعَى " لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَسْعَى وَيُهْلِك , وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَهُوَ يُهْلِك . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن كَثِير " وَيَهْلِكُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْكَاف , " الْحَرْث وَالنَّسْل " مَرْفُوعَانِ بِيَهْلِك , وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَأَبِي حَيْوَة وَابْن مُحَيْصِن , وَرَوَاهُ عَبْد الْوَارِث عَنْ أَبِي عَمْرو . وَقَرَأَ قَوْم " وَيَهْلَك " بِفَتْحِ الْيَاء وَاللَّام , وَرَفْع الْحَرْث , لُغَة هَلَكَ يَهْلَك , مِثْل رَكَنَ يَرْكَن , وَأَبَى يَأْبَى , وَسَلَى يَسْلَى , وَقَلَى يَقْلَى , وَشَبَهه . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة الْأَخْنَس فِي إِحْرَاقه الزَّرْع وَقَتْله الْحُمُر , قَالَهُ الطَّبَرِيّ . قَالَ غَيْره : وَلَكِنَّهَا صَارَتْ عَامَّة لِجَمِيعِ النَّاس , فَمَنْ عَمِلَ مِثْل عَمَله اِسْتَوْجَبَ تِلْكَ اللَّعْنَة وَالْعُقُوبَة . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ يَقْتُل حِمَارًا أَوْ يُحْرِق كُدْسًا اِسْتَوْجَبَ الْمَلَامَة , وَلَحِقَهُ الشَّيْن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمُرَاد أَنَّ الظَّالِم يُفْسِد فِي الْأَرْض فَيُمْسِك اللَّه الْمَطَر فَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل . وَقِيلَ : الْحَرْث النِّسَاء , وَالنَّسْل الْأَوْلَاد , وَهَذَا لِأَنَّ النِّفَاق يُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق الْكَلِمَة وَوُقُوع الْقِتَال , وَفِيهِ هَلَاك الْخَلْق , قَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاج . وَالسَّعْي فِي الْأَرْض الْمَشْي بِسُرْعَةٍ , وَهَذِهِ عِبَارَة عَنْ إِيقَاع الْفِتْنَة وَالتَّضْرِيب بَيْن النَّاس , وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي الْحَدِيث : ( إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الظَّالِم وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْ عِنْده ) . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


الْحَرْث فِي اللُّغَة : الشَّقّ , وَمِنْهُ الْمِحْرَاث لِمَا يُشَقّ بِهِ الْأَرْض . وَالْحَرْث : كَسْب الْمَال وَجَمْعه , وَفَى الْحَدِيث : ( اُحْرُثْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيش أَبَدًا ) . وَالْحَرْث الزَّرْع . وَالْحَرَّاث الزَّرَّاع . وَقَدْ حَرَثَ وَاحْتَرَثَ , مِثْل زَرَعَ وَازْدَرَعَ وَيُقَال : اُحْرُثْ الْقُرْآن , أَيْ اُدْرُسْهُ . وَحَرَثْت النَّاقَة وَأَحْرَثْتُهَا , أَيْ سِرْت عَلَيْهَا حَتَّى هَزَلَتْ وَحَرَثْت النَّار حَرَّكْتهَا . وَالْمِحْرَاث : مَا يُحَرَّك بِهِ نَار التَّنُّور , عَنْ الْجَوْهَرِيّ . وَالنَّسْل : مَا خَرَجَ مِنْ كُلّ أُنْثَى مِنْ وَلَد . وَأَصْله الْخُرُوج وَالسُّقُوط , وَمِنْهُ نَسْل الشَّعْر , وَرِيش الطَّائِر , وَالْمُسْتَقْبَل يَنْسِل , وَمِنْهُ " إِلَى رَبّهمْ يَنْسِلُونَ " [ يس : 51 ] , " مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 96 ] وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابك تَنْسُلِ قُلْت : وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى الْحَرْث وَزِرَاعَة الْأَرْض , وَغَرْسهَا بِالْأَشْجَارِ حَمْلًا عَلَى الزَّرْع , وَطَلَب النَّسْل , وَهُوَ نَمَاء الْحَيَوَان , وَبِذَلِكَ يَتِمّ قِوَام الْإِنْسَان . وَهُوَ يَرُدّ عَلَى مَنْ قَالَ بِتَرْكِ الْأَسْبَاب , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي هَذَا الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


قَالَ الْعَبَّاس بْن الْفَضْل : الْفَسَاد هُوَ الْخَرَاب . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : قَطْع الدَّرَاهِم مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَالَ عَطَاء : إِنَّ رَجُلًا يُقَال لَهُ عَطَاء بْن مُنَبِّه أَحْرَمَ فِي جُبَّة فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِعهَا . قَالَ قَتَادَة : قُلْت لِعَطَاءٍ : إِنَّا كُنَّا نَسْمَع أَنْ يَشُقّهَا , فَقَالَ عَطَاء : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد . قُلْت : وَالْآيَة بِعُمُومِهَا تَعُمّ كُلّ فَسَاد كَانَ فِي أَرْض أَوْ مَال أَوْ دِين , وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قِيلَ : مَعْنَى لَا يُحِبّ الْفَسَاد أَيْ لَا يُحِبّهُ مِنْ أَهْل الصَّلَاح , أَوْ لَا يُحِبّهُ دِينًا . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى لَا يَأْمُر بِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الهجرة دروس وفوائد

    الهجرة دروس وفوائد: رسالة ضمَّنها المؤلف - حفظه الله - أكثر من عشرين درسًا وفائدةً من دروس الهجرة.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355722

    التحميل:

  • كيف تربي ولدك؟

    كيف تربي ولدك : فإن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة للموضوعات التربوية لتعود إلى سابق مجدها، ومن أهمها (تربية الولد) وتكمن أهمية الموضوع في أنه محاولة لتقديم نموذج عملي قابل للتطبيق، وأنه مستمد من الوحيين وكتابات المفكرين، يعتمد الإيجاز ويتوخى سهولة العبارة ووضوح الأسلوب. ومع وفرة الكتب التربوية إلا أن وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد عملت على نشر هذه الرسالة لغايات منها: أن تكون صغيرة الحجم، سهلة الأسلوب، منبثقة من منهج الإسلام في التربية، قابلة للتطبيق، لأن الكتب التربوية قد تقدم نظريات مجرّدة، آو تجمع نصوصاً من الوحيين مع تعليقات يسيرة، وبعضها يذكر تطبيقات تربوية ولكن يعزف عنها القراء لطولها إذ يبلغ بعضها المئات.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117070

    التحميل:

  • قصة كاملة لم يؤلفها بشر

    قصة كاملة لم يؤلفها بشر : في هذه الرسالة واقعة أغرب من القصص، ما ألفها أديب قصصي، ولا عمل فيها خيال روائي، بل ألَّفَتْها الحياة، فجاءت بأحداثها ومصادفاتها، وبداياتها وخواتيمها، أبلغ مما ألف القصاص من الأدباء.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265570

    التحميل:

  • المزهر في علوم اللغة وأنواعها

    المزهر في علوم اللغة وأنواعها : اهتم العرب بتراثهم اللغوي اهتماماً كبيراً, وقد بدأ هذا واضحاً في المؤلفات التي وضعوها, ولاسيما ما يتصل بدراسة القرآن وتفسيره, وكذا الحديث النبوي الشريف, وقد ترك لنا علماؤنا تراثاً لغوياً كبيراً ما زال بعضه مفقوداً وما زال قسم منه مخطوطاً ينتظر أن يرى النور على يدي الباحثين, ولم يقف الاهتمام عند القدماء فحسب بل تواصل حتى عصرنا هذا, فلا يزال يلقى الاهتمام نفسه و من ذلك الاهتمام هذا الكتاب الذي يبحث في: معرفة الصحيح ويقال له الثابت والمحفوظ, معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت, معرفة المتواتر من الآحاد, معرفة المتواتر والآحاد, معرفة المرسل والنقطع, معرفة الأفراد, معرفة من تقبل روايته ومن ترد, معرفة طرق الأخذ والعمل, معرفة المصنوع, معرفة الفصيح, معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات, معرفة الرديء والمذموم من اللغات, معرفة المطرود والشاذ, معرفة الحواشي والغرائب والشواذ والنوادر,معرفة المستعمل والمهمل, معرفة المفاريد, معرفة مختلف اللغة, معرفة تداخل وتوافق اللغات, معرفة المعرب, معرفة الألفاظ الإسلامية, معرفة المولد, خصائص اللغة, معرفة الاشتقاق والحقيقة والمجاز والمشترك اللفظي والأضداد والمترادف والاتباع والخاص والعام والمطلق والمقيد والمشجر والإبدال والقلب والأمثال والآباء والأمهات والأبناء والأخوة وما ورد بوجهين ومعرفة الملاحن والألغاز وفيتافقية العرب.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141397

    التحميل:

  • اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث [ جملة ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري وقرره في مقالاته ]

    اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث : فقد انتسب إلى أبي الحسن الأشعري في هذا العصر كثير من المسلمين، وأطلقوا على أنفسهم الأشاعرة نسبة إليه، وادعوا أنهم ملتزمون بما هو عليه في الاعتقاد وخاصة في مسائل الصفات، والحق أنهم لم يأخذوا بالعقيدة التي اعتنقها إمامهم في نهاية حياته كما في كتاب (الإبانة) و (المقالات)، ومن العجيب أنهم زعموا أن الإمام أبا الحسن الأشعري ألف كتابه (الإبانة) مداراة للحنابلة وتقية، وخوفا منهم على نفسه. وفي هذا الكتاب تحقيق لعقيدة الأشعري - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116962

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة