Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 202

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) (البقرة) mp3
هَذَا يَرْجِع إِلَى الْفَرِيق الثَّانِي فَرِيق الْإِسْلَام , أَيْ لَهُمْ ثَوَاب الْحَجّ أَوْ ثَوَاب الدُّعَاء , فَإِنَّ دُعَاء الْمُؤْمِن عِبَادَة , وَقِيلَ : يَرْجِع " أُولَئِكَ " إِلَى الْفَرِيقَيْنِ , فَلِلْمُؤْمِنِ ثَوَاب عَمَله وَدُعَائِهِ , وَلِلْكَافِرِ عِقَاب شِرْكه وَقِصَر نَظَره عَلَى الدُّنْيَا , وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " وَلِكُلٍّ دَرَجَات مِمَّا عَمِلُوا " [ الْأَنْعَام : 132 ] .

قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا " هُوَ الرَّجُل يَأْخُذ مَالًا يَحُجّ بِهِ عَنْ غَيْره , فَيَكُون لَهُ ثَوَاب , وَرُوِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , مَاتَ أَبِي وَلَمْ يَحُجّ , أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْن فَقَضَيْته أَمَا كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي ) . قَالَ نَعَمْ . قَالَ : ( فَدَيْن اللَّه أَحَقّ أَنْ يُقْضَى ) . قَالَ : فَهَلْ لِي مِنْ أَجْر ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا " يَعْنِي مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّت كَانَ الْأَجْر بَيْنه وَبَيْن الْمَيِّت . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن خُوَيْز مَنْدَاد فِي أَحْكَامه : قَوْل اِبْن عَبَّاس نَحْو قَوْل مَالِك ; لِأَنَّ تَحْصِيل مَذْهَب مَالِك أَنَّ الْمَحْجُوج عَنْهُ يَحْصُل لَهُ ثَوَاب النَّفَقَة , وَالْحَجَّة لِلْحَاجِّ , فَكَأَنَّهُ يَكُون لَهُ ثَوَاب بَدَنه وَأَعْمَاله , وَلِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ ثَوَاب مَاله وَإِنْفَاقه ; وَلِهَذَا قُلْنَا : لَا يَخْتَلِف فِي هَذَا حُكْم مَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسه حَجَّة الْإِسْلَام أَوْ لَمْ يَحُجّ ; لِأَنَّ الْأَعْمَال الَّتِي تَدْخُلهَا النِّيَابَة لَا يَخْتَلِف حُكْم الْمُسْتَنَاب فِيهَا بَيْن أَنْ يَكُون قَدْ أَدَّى عَنْ نَفْسه أَوْ لَمْ يُؤَدِّ , اِعْتِبَارًا بِأَعْمَالِ الدِّين وَالدُّنْيَا . أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ زَكَاة أَوْ كَفَّارَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ يَجُوز أَنْ يُؤَدِّي عَنْ غَيْره وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ عَنْ نَفْسه , وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرَاعِ مَصَالِحه فِي الدُّنْيَا يَصِحّ أَنْ يَنُوب عَنْ غَيْره مِنْ مِثْلهَا فَتَتِمّ لِغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ تَتِمّ لِنَفْسِهِ , وَيُزَوِّج غَيْره وَإِنْ لَمْ يُزَوِّج نَفْسه .

مِنْ سَرُعَ يَسْرُع - مِثْل عَظُمَ يَعْظُم - سِرْعًا وَسُرْعَة , فَهُوَ سَرِيع . " الْحِسَاب " : مَصْدَر كَالْمُحَاسَبَةِ , وَقَدْ يُسَمَّى الْمَحْسُوب حِسَابًا , وَالْحِسَاب الْعَدّ , يُقَال : حَسَبَ يَحْسُب حِسَابًا وَحِسَابَة وَحُسْبَانًا وَحِسْبَانًا وَحَسْبًا , أَيْ عَدَّ , وَأَنْشَدَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يَا جُمْل أُسْقَاك بِلَا حِسَابه سُقْيَا مَلِيك حَسَن الرِّبَابَهْ قَتَلْتنِي بِالدَّلِّ وَالْخِلَابَهْ وَالْحَسَب : مَا عُدَّ مِنْ مَفَاخِر الْمَرْء , وَيُقَال : حَسْبه دِينه , وَيُقَال : مَاله , وَمِنْهُ الْحَدِيث : الْحَسَب الْمَال وَالْكَرَم التَّقْوَى ) رَوَاهُ سَمُرَة بْن جُنْدُب , أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَهُوَ فِي الشِّهَاب أَيْضًا , وَالرَّجُل حَسِيب , وَقَدْ حَسُبَ حَسَابَة ( بِالضَّمِّ ) , مِثْل خَطَبَ خَطَابَة . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه سَرِيع الْحِسَاب , لَا يَحْتَاج إِلَى عَدّ وَلَا إِلَى عَقْد وَلَا إِلَى إِعْمَال فِكْر كَمَا يَفْعَلهُ الْحَسَّاب , وَلِهَذَا قَالَ وَقَوْله الْحَقّ : " وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " [ الْأَنْبِيَاء : 47 ] , وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ مُنَزِّل الْكِتَاب سَرِيع الْحِسَاب ) الْحَدِيث , فَاَللَّه جَلَّ وَعَزَّ عَالِم بِمَا لِلْعِبَادِ وَعَلَيْهِمْ فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَذَكُّر وَتَأَمُّل , إِذْ قَدْ عَلِمَ مَا لِلْمُحَاسَبِ وَعَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفَائِدَة فِي الْحِسَاب عِلْم حَقِيقَته , وَقِيلَ : سَرِيع الْمُجَازَاة لِلْعِبَادِ بِأَعْمَالِهِمْ وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا يَشْغَلهُ شَأْن عَنْ شَأْن , فَيُحَاسِبهُمْ فِي حَالَة وَاحِدَة , كَمَا قَالَ وَقَوْله الْحَقّ : " مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " [ لُقْمَان : 28 ] . قَالَ الْحَسَن : حِسَابه أَسْرَعَ مِنْ لَمْح الْبَصَر , وَفِي الْخَبَر ( إِنَّ اللَّه يُحَاسِب فِي قَدْر حَلْب شَاة ) , وَقِيلَ : هُوَ أَنَّهُ إِذَا حَاسَبَ وَاحِدًا فَقَدْ حَاسَبَ جَمِيع الْخَلْق , وَقِيلَ لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَيْف يُحَاسِب اللَّه الْعِبَاد فِي يَوْم ؟ قَالَ : كَمَا يَرْزُقهُمْ فِي يَوْم ! , وَمَعْنَى الْحِسَاب : تَعْرِيف اللَّه عِبَاده مَقَادِير الْجَزَاء عَلَى أَعْمَالهمْ , وَتَذْكِيره إِيَّاهُمْ بِمَا قَدْ نَسَوْهُ , بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا فَيُنَبِّئهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّه وَنَسُوهُ " [ الْمُجَادَلَة : 6 ] , وَقِيلَ : مَعْنَى الْآيَة سَرِيع بِمَجِيءِ يَوْم الْحِسَاب , فَالْمَقْصِد بِالْآيَةِ الْإِنْذَار بِيَوْمِ الْقِيَامَة .

قُلْت : وَالْكُلّ مُحْتَمَل فَيَأْخُذ الْعَبْد لِنَفْسِهِ فِي تَخْفِيف الْحِسَاب عَنْهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة , وَإِنَّمَا يَخِفّ الْحِسَاب فِي الْآخِرَة عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسه فِي الدُّنْيَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الدعاء من الكتاب والسنة

    الدعاء من الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مختصر من كتابي: «الذكر والدعاء والعلاج بالرُّقى من الكتاب والسنة»، اختصرتُ فيه قسم الدعاء؛ ليسهل الانتفاع به، وزِدتُ أدعيةً، وفوائد نافعةً - إن شاء الله تعالى -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1885

    التحميل:

  • الضعف المعنوي وأثره في سقوط الأمم [ عصر ملوك الطوائف في الأندلس أنموذجًا ]

    الضعف المعنوي وأثره في سقوط الأمم [ عصر ملوك الطوائف في الأندلس أنموذجًا ] دراسة تاريخية تحليلية، تحاول هذه الدراسة الاسهام في بيان عوامل ضعف المسلمين.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205814

    التحميل:

  • الحكمة

    الحكمة: فلما للحكمة من مكانة عظيمة من الكتاب والسنة، ولحاجة الأمة حاضرًا ومستقبلاً إليها في كل شؤونها، ولخفاء معنى الحكمة على كثيرٍ من المسلمين، فقد قمتُ ببحث هذا الموضوع في ضوء القرآن الكريم، مسترشدًا بآياته، مستشهدًا بقَصَصه، متأملاً لأوامره ونواهيه، مع النهل من معين السنة في فهم معنى الحكمة، .. كما أفدتُ من كلام السلف من الصحابة ومن بعدهم، توضيحًا لمعاني الحكمة ومدلولاتها، وقد بذلتُ جهدي، وحرصتُ على ضرب بعض الأمثلة من الواقع المعاصر تقريبًا للفهم، وتحقيقًا للقصد.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337580

    التحميل:

  • العلم فضله وآدابه ووسائله

    العلم فضله وآدابه ووسائله: رسالة في بيان المراد بالعلم وذكر حكمه وأهمية العلم الذي يحتاج إلى تعلمه وكيفية التعلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1955

    التحميل:

  • جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية

    جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية : كتيب في 77 صفحة متوسطة الحجم طبع عام 1419هـ سبب التأليف أن المؤلف لم ير من أفرد الكتابة عن هذا الجبل مع ما للكتابة عنه من أهمية لما علق به في قلوب العامة من البدع والضلالات فلابد من دلالتهم على الهدى وقد وضعه المؤلف في خمسة أبحاث هي: الأول: بيان صفة الجبل وتعيين موقعه وذرعه والمعالم الباقية لما أحدث فيه. الثاني: أسمائه. الثالث: أنه لا ذكر له في الرواية بعد التتبع ولا يتعلق به نسك. الرابع: تعيين موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات وحكمه للحجاج. الخامس: أنواع ما أُحدث في الجبل والموقف من الأبنية والأقوال والأفعال وتاريخها. ثم خاتمة فيها خلاصة ما تقدم من أنه ليس له اسم إلا جبل إلال بالكسر على وزن هلال وبالفتح على وزن سَحاب. وجبل عرفات وما سواها محدث وأقدم نص وقف عليه المؤلف في تسميته بجبل الرحمة هو في رحلة ناصر خسرو ت 444هـ المسماة (سفر نامه) وأنه لا ذكر له في الرواية ولا يتعلق به نسك وما ذكر بعض العلماء من استحباب صعوده لا يعول عليه وأنه يجب رفع وسائل الإغراء بالجبل من المحدثات وهي أربعة عشر محدثاً من الأبنية. واثنان وثلاثون محدثاً من الأقوال والأفعال المبتدعة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169191

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة