Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) (البقرة) mp3
قِيلَ : الْمَعْنَى هَذَا الْكِتَاب . وَ " ذَلِكَ " قَدْ تُسْتَعْمَل فِي الْإِشَارَة إِلَى حَاضِر , وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى غَائِب ; كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْإِخْبَار عَنْ نَفْسه جَلَّ وَعَزَّ : " ذَلِكَ عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الرَّحِيم " [ السَّجْدَة : 6 ] ; وَمِنْهُ قَوْل خُفَاف بْن نُدْبَة : أَقُول لَهُ وَالرُّمْح يَأْطِر مَتْنه تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا أَيْ أَنَا هَذَا . فَـ " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى الْقُرْآن , مَوْضُوع مَوْضِع هَذَا , تَلْخِيصه : الم هَذَا الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ . وَهَذَا قَوْل أَبِي عُبَيْدَة وَعِكْرِمَة وَغَيْرهمَا ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَتِلْكَ حُجَّتنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم " [ الْأَنْعَام : 83 ] " تِلْكَ آيَات اللَّه نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ " [ الْبَقَرَة : 252 ] أَيْ هَذِهِ ; لَكِنَّهَا لَمَّا اِنْقَضَتْ صَارَتْ كَأَنَّهَا بَعُدَتْ فَقِيلَ تِلْكَ . وَفِي الْبُخَارِيّ " وَقَالَ مَعْمَر ذَلِكَ الْكِتَاب هَذَا الْقُرْآن " . " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " بَيَان وَدَلَالَة ; كَقَوْلِهِ : " ذَلِكُمْ حُكْم اللَّه يَحْكُم بَيْنكُمْ " [ الْمُمْتَحَنَة : 10 ] هَذَا حُكْم اللَّه . قُلْت : وَقَدْ جَاءَ " هَذَا " بِمَعْنَى " ذَلِكَ " ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث أُمّ حَرَام : ( يَرْكَبُونَ ثَبَج هَذَا الْبَحْر ) أَيْ ذَلِكَ الْبَحْر ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى بَابه إِشَارَة إِلَى غَائِب . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْغَائِب عَلَى أَقْوَال عَشَرَة ; فَقِيلَ : " ذَلِكَ الْكِتَاب " أَيْ الْكِتَاب الَّذِي كَتَبْت عَلَى الْخَلَائِق بِالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَة وَالْأَجَل وَالرِّزْق لَا رَيْب فِيهِ ; أَيْ لَا مُبَدِّل لَهُ . وَقِيلَ : ذَلِكَ الْكِتَاب ; أَيْ الَّذِي كَتَبْت عَلَى نَفْسِي فِي الْأَزَل ( أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق كَتَبَ فِي كِتَابه عَلَى نَفْسه فَهُوَ مَوْضُوع عِنْده أَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِب غَضَبِي ) فِي رِوَايَة : ( سَبَقَتْ ) . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ كَانَ وَعَدَ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِ كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاء ; فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْوَعْد كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عِيَاض بْن حِمَار الْمُجَاشِعِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُك لِأَبْتَلِيَك وَأَبْتَلِي بِك وَأَنْزَلْت عَلَيْك كِتَابًا لَا يَغْسِلهُ الْمَاء تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَان ) الْحَدِيث . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى مَا قَدْ نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن بِمَكَّة . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة : " إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلًا ثَقِيلًا " [ الْمُزَّمِّل : 5 ] لَمْ يَزَلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَشْرِفًا لِإِنْجَازِ هَذَا الْوَعْد مِنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ ; فَلَمَّا أَنْزَلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ : " الم . ذَلِكَ الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ " [ الْبَقَرَة : 1 - 2 ] كَانَ فِيهِ مَعْنَى هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلْته عَلَيْك بِالْمَدِينَةِ , ذَلِكَ الْكِتَاب الَّذِي وَعَدْتُك أَنْ أُوحِيه إِلَيْك بِمَكَّة . وَقِيلَ : إِنَّ " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى مَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَ " الم " اِسْم لِلْقُرْآنِ ; وَالتَّقْدِير هَذَا الْقُرْآن ذَلِكَ الْكِتَاب الْمُفَسَّر فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ; يَعْنِي أَنَّ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَشْهَدَانِ بِصِحَّتِهِ وَيَسْتَغْرِق مَا فِيهِمَا وَيَزِيد عَلَيْهِمَا مَا لَيْسَ فِيهِمَا . وَقِيلَ : إِنَّ " ذَلِكَ الْكِتَاب " إِشَارَة إِلَى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل كِلَيْهِمَا ; وَالْمَعْنَى : الم ذَانِك الْكِتَابَانِ أَوْ مِثْل ذَيْنِك الْكِتَابَيْنِ ; أَيْ هَذَا الْقُرْآن جَامِع لِمَا فِي ذَيْنِك الْكِتَابَيْنِ ; فَعَبَّرَ بِـ " ذَلِكَ " عَنْ الِاثْنَيْنِ بِشَاهِدٍ مِنْ الْقُرْآن ; قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " إِنَّهَا بَقَرَة لَا فَارِض وَلَا بِكْر عَوَان بَيْن ذَلِكَ " [ الْبَقَرَة : 68 ] أَيْ عَوَان بَيْن تَيْنِك : الْفَارِض وَالْبِكْر ; وَسَيَأْتِي . وَقِيلَ : إِنَّ " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى الْقُرْآن الَّذِي فِي السَّمَاء لَمْ يَنْزِل بَعْد . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ كَانَ وَعَدَ أَهْل الْكِتَاب أَنْ يُنَزِّل عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا ; فَالْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ الْوَعْد . قَالَ الْمُبَرِّد : الْمَعْنَى هَذَا الْقُرْآن ذَلِكَ الْكِتَاب الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا . وَقِيلَ : إِلَى حُرُوف الْمُعْجَم فِي قَوْل مَنْ قَالَ : " الم " الْحُرُوف الَّتِي تَحَدَّيْتُكُمْ بِالنَّظْمِ مِنْهَا . وَالْكِتَاب مَصْدَر مِنْ كَتَبَ يَكْتُب إِذَا جَمَعَ ; وَمِنْهُ قِيلَ : كَتِيبَة ; لِاجْتِمَاعِهَا . وَتَكَتَّبَتْ الْخَيْل صَارَتْ كَتَائِبِ . وَكَتَبْت الْبَغْلَة : إِذَا جَمَعْتَ بَيْن شُفْرَيْ رَحِمَهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْر ; قَالَ : لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًا حَلَلْت بِهِ عَلَى قَلُوصك وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ وَالْكُتْبَة ( بِضَمِّ الْكَاف ) : الْخُرْزَة , وَالْجَمْع كُتَبٌ . وَالْكَتْب : الْخَرْز . قَالَ ذُو الرُّمَّة : وَفْرَاء غَرْفِيَّة أَثَأَى خَوَارِزهَا مُشَلْشِل ضَيَّعْته بَيْنهَا الْكُتَبُ وَالْكِتَاب : هُوَ خَطّ الْكَاتِب حُرُوف الْمُعْجَم مَجْمُوعَة أَوْ مُتَفَرِّقَة ; وَسُمِّيَ كِتَابًا وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تُؤَمِّل رَجْعَة مِنِّي وَفِيهَا كِتَاب مِثْل مَا لَصِقَ الْغِرَاء وَالْكِتَاب : الْفَرْض وَالْحُكْم وَالْقَدَر ; قَالَ الْجَعْدِيّ : يَا بْنَة عَمِّي كِتَاب اللَّه أَخْرَجَنِي عَنْكُمْ وَهَلْ أَمْنَعَن اللَّه مَا فَعَلَا

نَفْي عَامّ ; وَلِذَلِكَ نُصِبَ الرَّيْب بِهِ . وَفِي الرَّيْب ثَلَاثَة مَعَانٍ : أَحَدهَا : الشَّكّ ; قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزِّبَعْرَى : لَيْسَ فِي الْحَقّ يَا أُمَيْمَة رَيْب إِنَّمَا الرَّيْب مَا يَقُول الْجَهُول وَثَانِيهَا : التُّهْمَة ; قَالَ جَمِيل : بُثَيْنَة قَالَتْ يَا جَمِيل أَرَبْتنِي فَقُلْت كِلَانَا يَا بُثَيْن مُرِيب وَثَالِثهَا : الْحَاجَة ; قَالَ : قَضَيْنَا مِنْ تَهَامَة كُلّ رَيْب وَخَيْبَر ثُمَّ أَجْمَعنَا السُّيُوفَا فَكِتَاب اللَّه تَعَالَى لَا شَكّ فِيهِ وَلَا اِرْتِيَاب ; وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ فِي ذَاته حَقّ وَأَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ عِنْد اللَّه , وَصِفَة مِنْ صِفَاته , غَيْر مَخْلُوق وَلَا مُحْدَث , وَإِنْ وَقَعَ رَيْب لِلْكُفَّارِ . وَقِيلَ : هُوَ خَبَر وَمَعْنَاهُ النَّهْي ; أَيْ لَا تَرْتَابُوا , وَتَمَّ الْكَلَام كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ الْكِتَاب حَقًّا . وَتَقُول : رَابَنِي هَذَا الْأَمْر إِذَا أَدْخَلَ عَلَيْك شَكًّا وَخَوْفًا . وَأَرَابَ : صَارَ ذَا رِيبَة ; فَهُوَ مُرِيب . وَرَابَنِي أَمْره . وَرِيَب الدَّهْر : صُرُوفه .


فِيهِ سِتّ مَسَائِل : الْأُولَى - قَوْله تَعَالَى : " فِيهِ " الْهَاء فِي " فِيهِ " فِي مَوْضِع خَفْض بِفِي , وَفِيهِ خَمْسَة أَوْجُه ; أَجْوَدهَا : فِيهِ هُدًى وَيَلِيه فِيهُ هُدًى ( بِضَمِّ الْهَاء بِغَيْرِ وَاو ) وَهِيَ قِرَاءَة الزُّهْرِيّ وَسَلَّام أَبِي الْمُنْذِر . وَيَلِيه فِيهِي هُدًى ( بِإِثْبَاتِ الْيَاء ) وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن كَثِير . وَيَجُوز فِيهُو هُدًى ( بِالْوَاوِ ) . وَيَجُوز فِيهِ هُدًى ( مُدْغَمًا ) وَارْتَفَعَ " هُدًى " عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر " فِيهِ " . وَالْهُدَى فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ الرُّشْد وَالْبَيَان ; أَيْ فِيهِ كَشْف لِأَهْلِ الْمَعْرِفَة وَرُشْد وَزِيَادَة بَيَان وَهُدًى . الثَّانِيَة : الْهُدَى هُدَيَانِ : هُدَى دَلَالَة , وَهُوَ الَّذِي تَقْدِر عَلَيْهِ الرُّسُل وَأَتْبَاعهمْ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ " [ الرَّعْد : 7 ] . وَقَالَ : " وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " [ الشُّورَى : 52 ] فَأَثْبَتَ لَهُمْ الْهُدَى الَّذِي مَعْنَاهُ الدَّلَالَة وَالدَّعْوَة وَالتَّنْبِيه ; وَتَفَرَّدَ هُوَ سُبْحَانه بِالْهُدَى الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْيِيد وَالتَّوْفِيق , فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت " [ الْقَصَص : 56 ] فَالْهُدَى عَلَى هَذَا يَجِيء بِمَعْنَى خَلْق الْإِيمَان فِي الْقَلْب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ " [ الْبَقَرَة : 5 ] وَقَوْله : " وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء " [ فَاطِر : 8 ] وَالْهُدَى : الِاهْتِدَاء , وَمَعْنَاهُ رَاجِع إِلَى مَعْنَى الْإِرْشَاد كَيْفَمَا تَصَرَّفْت . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : وَقَدْ تَرِد الْهِدَايَة وَالْمُرَاد بِهَا إِرْشَاد الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَسَالِك الْجِنَان وَالطُّرُق الْمُفْضِيَة إِلَيْهَا ; مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي صِفَة الْمُجَاهِدِينَ : " فَلَنْ يُضِلّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ " [ مُحَمَّد : 4 - 5 ] وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاط الْجَحِيم " [ الصَّافَّات : 23 ] مَعْنَاهُ فَاسْلُكُوهُمْ إِلَيْهَا . الثَّالِثَة : الْهُدَى لَفْظ مُؤَنَّث قَالَ الْفَرَّاء : بَعْض بَنِي أَسَد تُؤَنِّث الْهُدَى فَتَقُول : هَذِهِ هُدًى حَسَنَة . وَقَالَ اللِّحْيَانِيّ : هُوَ مُذَكَّر ; وَلَمْ يُعْرَب لِأَنَّهُ مَقْصُور وَالْأَلِف لَا تَتَحَرَّك , وَيَتَعَدَّى بِحَرْفٍ وَبِغَيْرِ حَرْف وَقَدْ مَضَى فِي " الْفَاتِحَة " , تَقُول : هَدَيْته الطَّرِيق وَإِلَى الطَّرِيق وَالدَّار وَإِلَى الدَّار ; أَيْ عَرَّفْته . الْأُولَى لُغَة أَهْل الْحِجَاز , وَالثَّانِيَة حَكَاهَا الْأَخْفَش . وَفِي التَّنْزِيل : " اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم " وَ " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا " [ الْأَعْرَاف : 43 ] وَقِيلَ : إِنَّ الْهُدَى اِسْم مِنْ أَسْمَاء النَّهَار , لِأَنَّ النَّاس يَهْتَدُونَ فِيهِ لِمَعَايِشِهِمْ وَجَمِيع مَآرِبهمْ ; وَمِنْهُ قَوْل اِبْن مُقْبِل : حَتَّى اِسْتَبَنْت الْهُدَى وَالْبِيد هَاجِمَة وَ يَخْشَعْنَ فِي الْآل غُلْفًا أَوْ يُصَلِّينَا الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " لِلْمُتَّقِينَ " خَصَّ اللَّه تَعَالَى الْمُتَّقِينَ بِهِدَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ هُدًى لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ تَشْرِيفًا لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا بِمَا فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَوْق أَنَّهُ قَالَ : " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " أَيْ كَرَامَة لَهُمْ ; يَعْنِي إِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِمْ إِجْلَالًا لَهُمْ وَكَرَامَة لَهُمْ وَبَيَانًا لِفَضْلِهِمْ . وَأَصْل " لِلْمُتَّقِينَ " : لِلْمُوتَقِيِينَ بِيَاءَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ , حُذِفَتْ الْكَسْرَة مِنْ الْيَاء الْأُولَى لِثِقَلِهَا ثُمَّ حُذِفَتْ الْيَاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَأُبْدِلَتْ الْوَاو تَاء عَلَى أَصْلهمْ فِي اِجْتِمَاع الْوَاو وَالتَّاء وَأُدْغِمَتْ التَّاء فِي التَّاء فَصَارَ لِلْمُتَّقِينَ . الْخَامِسَة : التَّقْوَى يُقَال أَصْلهَا فِي اللُّغَة قِلَّة الْكَلَام ; حَكَاهُ اِبْن فَارِس . قُلْت وَمِنْهُ الْحَدِيث ( التَّقِيّ مُلْجَم وَالْمُتَّقِي فَوْق الْمُؤْمِن وَالطَّائِع ) وَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحِ عَمَله وَخَالِص دُعَائِهِ عَذَاب اللَّه تَعَالَى , مَأْخُوذ مِنْ اِتِّقَاء الْمَكْرُوه بِمَا تَجْعَلهُ حَاجِزًا بَيْنك وَبَيْنه ; كَمَا قَالَ النَّابِغَة : سَقَطَ النَّصِيف وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطه فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ وَقَالَ آخَر : فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونه الشَّمْس وَاتَّقَتْ بِأَحْسَن مَوْصُولَيْنِ كَفّ وَمِعْصَم وَخَرَّجَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ الْحَافِظ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن زَرْبِي أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ يَوْمًا لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا تَائِب أَوْ تَقِيّ ثُمَّ قَالَ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ ؟ قُلْت : بَلَى ; قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا عَالِم أَوْ مُتَعَلِّم . وَقَالَ أَبُو يَزِيد الْبَسْطَامِيّ : الْمُتَّقِي مَنْ إِذَا قَالَ قَالَ لِلَّهِ , وَمَنْ إِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ نَزَعَ اللَّه عَنْ قُلُوبهمْ حُبّ الشَّهَوَات . وَقِيلَ : الْمُتَّقِي الَّذِي اِتَّقَى الشِّرْك وَبَرِئَ مِنْ النِّفَاق . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ فَاسِق . وَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أُبَيًّا عَنْ التَّقْوَى ; فَقَالَ : هَلْ أَخَذْت طَرِيقًا ذَا شَوْك ؟ قَالَ : نَعَمْ : قَالَ فَمَا عَمِلْت فِيهِ ؟ قَالَ : تَشَمَّرْت وَحَذِرْت ; قَالَ : فَذَاكَ التَّقْوَى . وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى اِبْن الْمُعْتَزّ فَنَظَمَهُ : خَلِّ الذُّنُوب صَغِيرهَا وَكَبِيرهَا ذَاكَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق أَرْ ضِ الشَّوْك يَحْذَر مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَة إِنَّ الْجِبَال مِنْ الْحَصَى السَّادِسَة : التَّقْوَى فِيهَا جِمَاع الْخَيْر كُلّه , وَهِيَ وَصِيَّة اللَّه فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَهِيَ خَيْر مَا يَسْتَفِيدهُ الْإِنْسَان ; كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقُولُونَ الشِّعْرَ وَأَنْتَ مَا حُفِظَ عَنْكَ شَيْءٌ ; فَقَالَ : يُرِيد الْمَرْء أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا مَا أَرَادَا يَقُول الْمَرْء فَائِدَتِي وَمَالِي وَتَقْوَى اللَّه أَفْضَل مَا اِسْتَفَادَا وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن بَعْد تَقْوَى اللَّه خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَة صَالِحَة إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ , وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسهَا وَمَالِهِ ) . وَالْأَصْل فِي التَّقْوَى : وَقْوَى عَلَى وَزْن فَعْلَى فَقُلِبَتْ الْوَاو تَاء مِنْ وَقَيْته أَقِيه أَيْ مَنَعْته ; وَرَجُل تَقِيّ أَيْ خَائِف ; أَصْله وَقِيّ ; وَكَذَلِكَ تُقَاة كَانَتْ فِي الْأَصْل وُقَاة ; كَمَا قَالُوا : تُجَاه وَتُرَاث , وَالْأَصْل وُجَاه وَوُرَاث .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • العذاب الأدنى حقيقته ، أنواعه ، أسبابه

    هذا البحث يتناول بيان حقيقة العذاب الأدنى الوارد ذكره في قوله تعالى:(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .كما يوضح أنواعه وأسبابه. وتضمن هذا البحث بيان أن هذا العذاب الأدنى ، وأنه واقع في الأمم السابقة، ومتوعد به العصاة من هذه الأمة، وأن أنواع هذا العذاب كثيرة منها ما يكون في الحياة الدنيا، ومنها ما يكون في القبر، وأن هذا النكال متنوع، فتارة يكون زلزالا مدمرا، وتارة يأتي على هيئة ريح عاتية، وتارة ثالثة يكون مرضا عضالا، وتارة رابعة يكون خسفا ومسخا... إلى آخر صور هذا العذاب . كما تبين في هذا البحث أن أسبابه متعددة يأتي على رأسها الكفر بالله، والشرك، وترك الصلاة، ثم اللواط، والزنى، والإحداث في الدين، والنميمة ...إلى آخر هذه الأسباب المذكورة في ثنايا البحث . ومن خلال هذا البحث اتضح أنه كلما كان السبب خاصا كان العذاب والنكال خاصا، وكلما كان السبب عاما كانت العقوبة عامة، وما ربك بظلام للعبيد. وظهر في هذا البحث أن هذا العذاب المتوعد به ليس خبرا ماضيا، بل هو حق على حقيقة، وهو وعيد متحتم الوقوع أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض صوره أنها ستقع قبل يوم القامة إذا توافرت أسبابها، وبين في صور أخرى أنها مقبلة لا محالة، فويل لمن أدركها!.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/256037

    التحميل:

  • شـرح رسالة الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك

    شـرح رسالة الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك للشيخ الإمام سليمان بن عبد الله بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314830

    التحميل:

  • خطبة الجمعة في الكتاب والسنة

    خطبة الجمعة في الكتاب والسنة : هذا البحث يتكون من تمهيد وخمسة فصول وخاتمة وذلك على النحو التالي: - تمهيد: حول مكانة الجمعة في الإسلام. الفصل الأول: الخطبة في الإسلام ويشتمل على مبحثين: - الفصل الثاني: خطبة الجمعة في القرآن الكريم. الفصل الثالث: خطبة الجمعة في السنة الشريفة المطهرة ويشتمل على عدة مباحث: - الفصل الرابع. مسائل فقهية تتعلق بالخطبة. الفصل الخامس: همسات في أذن خطيب الجمعة وتنبيهات ومقترحات. هذا وقد تمت كتابة هذا البحث المتواضع بناء على تكليف من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمشاركة في الملتقى الأول للأئمة والخطباء في المملكة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142655

    التحميل:

  • الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان

    الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان : فإن نازلة الدعوة إلى الخلط بين دين الإسلام وبين غيره من الأديان الباطلة كاليهودية، والنصرانية، التي تعقد لها أمم الكفر المؤتمرات المتتابعة باسم "التقريب بين الأديان" و"وحدة الأديان" و"التآخي بين الأديان "و"حوار الحضارات" هي أبشع دعائم "الكهفين المظلمين": "النظام العالمي الجديد" و"العولمة"، الذين يهدفان إلى بث الكفر والإلحاد، ونشر الإباحية وطمس معالم الإسلام وتغيير الفطرة. وفي هذا الكتاب كشف مخاطر هذه النازلة بالمسلمين وبيان بطلانها، وتحذير المسلمين منها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79736

    التحميل:

  • الإمام محمد بن سعود دولة الدعوة والدعاة

    الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - هو أحد الرواد الكبار، والبناة العظام في تاريخ أمتنا الخاص والعام. فقد قيضه الله تعالى لكي ينهي - بتوفيق الله - حقبة عصيبة تراكمت فيها البدع والمظالم والجهالة، وانحرفت عقائد كثير من المسلمين، ولكي يبدأ عهدا جديدا قوامه عقيدة التوحيد الصافية، وشريعة الإسلام الخالدة العادلة، لقد نصر الإمام دعوة الإسلام، وسخر سلطانه ووسائل ملكه لتجديد دعوة التوحيد، وتطبيق أحكام الشريعة، وفي هذا الكتاب صفحات من حياته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110566

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة