Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 195

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) (البقرة) mp3
رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ حُذَيْفَة : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة , وَرَوَى يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَم أَبِي عِمْرَان قَالَ : غَزَوْنَا الْقُسْطَنْطِينِيَّة , وَعَلَى الْجَمَاعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن الْوَلِيد , وَالرُّوم مُلْصِقُو ظُهُورهمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَة , فَحَمَلَ رَجُل عَلَى الْعَدُوّ , فَقَالَ النَّاس : مَهٍ مَهْ ! لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَة ! فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : سُبْحَان اللَّه ! أَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار لَمَّا نَصَرَ اللَّه نَبِيّه وَأَظْهَرَ دِينه , قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه " الْآيَة , وَالْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة أَنْ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا وَنَدَع الْجِهَاد , فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوب مُجَاهِدًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ , فَقَبْره هُنَاكَ , فَأَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوب أَنَّ الْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة هُوَ تَرْك الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ . وَرُوِيَ مِثْله عَنْ حُذَيْفَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك .

قُلْت : وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَم أَبِي عِمْرَان هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ فَقَالَ : " كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّوم , فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّوم , فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلهمْ أَوْ أَكْثَر , وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر , وَعَلَى الْجَمَاعَة فَضَالَة بْن عُبَيْد , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , فَصَاحَ النَّاس وَقَالُوا : سُبْحَان اللَّه يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَة , فَقَامَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس , إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار لَمَّا أَعَزَّ اللَّه الْإِسْلَام وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَقَالَ بَعْضنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , وَإِنَّ اللَّه قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَام وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدّ عَلَيْهِ مَا قُلْنَا : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " . فَكَانَتْ التَّهْلُكَة الْإِقَامَة عَلَى الْأَمْوَال وَإِصْلَاحهَا وَتَرَكْنَا الْغَزْو , فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب شَاخِصًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّوم . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب صَحِيح . وَقَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَجُمْهُور النَّاس : الْمَعْنَى لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه وَتَخَافُوا الْعَيْلَة , فَيَقُول الرَّجُل : لَيْسَ عِنْدِي مَا أُنْفِقهُ , وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ الْبُخَارِيّ إِذْ لَمْ يَذْكُر غَيْره , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنْفِقْ فِي سَبِيل اللَّه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك إِلَّا سَهْم أَوْ مِشْقَص , وَلَا يَقُولَن أَحَدكُمْ : لَا أَجِد شَيْئًا , وَنَحْوه عَنْ السُّدِّيّ : أَنْفِقْ وَلَوْ عِقَالًا , وَلَا تُلْقِي بِيَدِك إِلَى التَّهْلُكَة فَتَقُول : لَيْسَ عِنْدِي شَيْء , وَقَوْل ثَالِث قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ النَّاس بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد قَامَ إِلَيْهِ أُنَاس مِنْ الْأَعْرَاب حَاضِرِينَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا : بِمَاذَا نَتَجَهَّز ! فَوَاَللَّهِ مَا لَنَا زَادَ وَلَا يُطْعِمنَا أَحَد , فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه " يَعْنِي تَصَدَّقُوا يَا أَهْل الْمَيْسَرَة فِي سَبِيل اللَّه , يَعْنِي فِي طَاعَة اللَّه . " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " يَعْنِي وَلَا تُمْسِكُوا بِأَيْدِيكُمْ عَنْ الصَّدَقَة فَتَهْلِكُوا , وَهَكَذَا قَالَ مُقَاتِل , وَمَعْنَى اِبْن عَبَّاس : وَلَا تُمْسِكُوا عَنْ الصَّدَقَة فَتَهْلِكُوا , أَيْ لَا تُمْسِكُوا عَنْ النَّفَقَة عَلَى الضُّعَفَاء , فَإِنَّهُمْ إِذَا تَخَلَّفُوا عَنْكُمْ غَلَبَكُمْ الْعَدُوّ فَتَهْلِكُوا , وَقَوْل رَابِع - قِيلَ لِلْبَرَاءِ بْن عَازِب فِي هَذِهِ الْآيَة : أَهُوَ الرَّجُل يَحْمِل عَلَى الْكَتِيبَة ؟ فَقَالَ لَا , وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ وَيَقُول : قَدْ بَالَغْت فِي الْمَعَاصِي وَلَا فَائِدَة فِي التَّوْبَة , فَيَيْأَس مِنْ اللَّه فَيَنْهَمِك بَعْد ذَلِكَ فِي الْمَعَاصِي , فَالْهَلَاك : الْيَأْس مِنْ اللَّه , وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم : الْمَعْنَى لَا تُسَافِرُوا فِي الْجِهَاد بِغَيْرِ زَاد , وَقَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْم فَأَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى الِانْقِطَاع فِي الطَّرِيق , أَوْ يَكُون عَالَة عَلَى النَّاس , فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال . " سَبِيل اللَّه " هُنَا : الْجِهَاد , وَاللَّفْظ يَتَنَاوَل بَعْد جَمِيع سُبُله , وَالْبَاء فِي " بِأَيْدِيكُمْ " زَائِدَة , التَّقْدِير تُلْقُوا أَيْدِيكُمْ , وَنَظِيره : " أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّه يَرَى " [ الْعَلَق : 14 ] . وَقَالَ الْمُبَرِّد : " بِأَيْدِيكُمْ " أَيْ بِأَنْفُسِكُمْ , فَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلّ , كَقَوْلِهِ : " فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " , [ الشُّورَى : 30 ] , " بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك " [ الْحَجّ : 10 ] , وَقِيلَ : هَذَا ضَرْب مَثَل , تَقُول : فُلَان أَلْقَى بِيَدِهِ فِي أَمْر كَذَا إِذَا اِسْتَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْمُسْتَسْلِم فِي الْقِتَال يُلْقِي سِلَاحه بِيَدَيْهِ , فَكَذَلِكَ فِعْل كُلّ عَاجِز فِي أَيّ فِعْل كَانَ , وَمِنْهُ قَوْل عَبْد الْمُطَّلِب : [ وَاَللَّه إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا لِلْمَوْتِ لَعَجْز ] وَقَالَ قَوْم : التَّقْدِير لَا تُلْقُوا أَنْفُسكُمْ بِأَيْدِيكُمْ , كَمَا تَقُول : لَا تُفْسِد حَالك بِرَأْيِك . التَّهْلُكَة بِضَمِّ اللَّام مَصْدَر مِنْ هَلَكَ يَهْلِك هَلَاكًا وَهُلْكًا وَتَهْلُكَة , أَيْ لَا تَأْخُذُوا فِيمَا يُهْلِككُمْ , قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره . أَيْ إِنْ لَمْ تُنْفِقُوا عَصَيْتُمْ اللَّه وَهَلَكْتُمْ , وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَة لَا تُمْسِكُوا أَمْوَالكُمْ فَيَرِثهَا مِنْكُمْ غَيْركُمْ , فَتَهْلِكُوا بِحِرْمَانِ مَنْفَعَة أَمْوَالكُمْ , وَمَعْنًى آخَر : وَلَا تُمْسِكُوا فَيَذْهَب عَنْكُمْ الْخُلْف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة . وَيُقَال : " لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " يَعْنِي لَا تُنْفِقُوا مِنْ حَرَام فَيُرَدّ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا , وَنَحْوه عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " قَالَ : " وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ " [ الْبَقَرَة : 267 ] وَقَالَ الطَّبَرِيّ : قَوْله " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " عَامّ فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ لِدُخُولِهِ فِيهِ , إِذْ اللَّفْظ يَحْتَمِلهُ .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِقْتِحَام الرَّجُل فِي الْحَرْب وَحَمْله عَلَى الْعَدُوّ وَحْده , فَقَالَ الْقَاسِم اِبْن مُخَيْمَرَة وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَعَبْد الْمَلِك مِنْ عُلَمَائِنَا : لَا بَأْس أَنْ يَحْمِل الرَّجُل وَحْده عَلَى الْجَيْش الْعَظِيم إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّة , وَكَانَ لِلَّهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَة , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّة فَذَلِكَ مِنْ التَّهْلُكَة , وَقِيلَ : إِذَا طَلَبَ الشَّهَادَة وَخَلَصَتْ النِّيَّة فَلْيَحْمِلْ ; لِأَنَّ مَقْصُوده وَاحِد مِنْهُمْ , وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْله تَعَالَى : " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه اِبْتِغَاء مَرْضَات اللَّه " [ الْبَقَرَة : 207 ] , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : فَأَمَّا أَنْ يَحْمِل الرَّجُل عَلَى مِائَة أَوْ عَلَى جُمْلَة الْعَسْكَر أَوْ جَمَاعَة اللُّصُوص وَالْمُحَارِبِينَ وَالْخَوَارِج فَلِذَلِكَ حَالَتَانِ : إِنْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو فَحَسَن , وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنْ يَقْتُل وَلَكِنْ سَيُنْكَى نِكَايَة أَوْ سَيُبْلَى أَوْ يُؤْثِر أَثَرًا يَنْتَفِع بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَجَائِز أَيْضًا , وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَسْكَر الْمُسْلِمِينَ لَمَّا لَقِيَ الْفُرْس نَفَرَتْ خَيْل الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْفِيَلَة , فَعَمَدَ رَجُل مِنْهُمْ فَصَنَعَ فِيلًا مِنْ طِين وَأَنَّسَ بِهِ فَرَسه حَتَّى أَلِفَهُ , فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَنْفُر فَرَسه مِنْ الْفِيل فَحَمَلَ عَلَى الْفِيل الَّذِي كَانَ يَقْدُمهَا فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ قَاتِلك , فَقَالَ : لَا ضَيْر أَنْ أُقْتَل وَيُفْتَح لِلْمُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ يَوْم الْيَمَامَة لَمَّا تَحَصَّنَتْ بَنُو حَنِيفَة بِالْحَدِيقَةِ , قَالَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ : ضَعُونِي فِي الْحَجَفَة وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ , فَفَعَلُوا وَقَاتَلَهُمْ وَحْده وَفَتَحَ الْبَاب .

قُلْت : وَمِنْ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْت إِنْ قُتِلْت فِي سَبِيل اللَّه صَابِرًا مُحْتَسِبًا ؟ قَالَ : ( فَلَك الْجَنَّة ) , فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوّ حَتَّى قُتِلَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُفْرِدَ يَوْم أُحُد فِي سَبْعَة مِنْ الْأَنْصَار وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش , فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ : ( مَنْ يَرُدّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّة ) أَوْ ( هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة ) فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ : ( مَنْ يَرُدّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّة ) أَوْ ( هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة ) , فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابنَا ) . هَكَذَا الرِّوَايَة ( أَنْصَفْنَا ) بِسُكُونِ الْفَاء ( أَصْحَابَنَا ) بِفَتْحِ الْبَاء , أَيْ لَمْ نَدُلّهُمْ لِلْقِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا . وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْفَاء وَرَفْع الْبَاء , وَوَجْههَا أَنَّهَا تَرْجِع لِمَنْ فَرَّ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابه , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَوْ حَمَلَ رَجُل وَاحِد عَلَى أَلْف رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ وَحْده , لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْس إِذَا كَانَ يَطْمَع فِي نَجَاة أَوْ نِكَايَة فِي الْعَدُوّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوه ; لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسه لِلتَّلَفِ فِي غَيْر مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ كَانَ قَصْده تَجْرِئَة الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَصْنَعُوا مِثْل صَنِيعه فَلَا يَبْعُد جَوَازه ; وَلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْض الْوُجُوه , وَإِنْ كَانَ قَصْده إِرْهَاب الْعَدُوّ وَلِيُعْلِم صَلَابَة الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّين فَلَا يَبْعُد جَوَازه , وَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْع لِلْمُسْلِمِينَ فَتَلِفَتْ نَفْسه لِإِعْزَازِ دِين اللَّه وَتَوْهِين الْكُفْر فَهُوَ الْمَقَام الشَّرِيف الَّذِي مَدَحَ اللَّه بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْله : " إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ " [ التَّوْبَة : 111 ] الْآيَة , إِلَى غَيْرهَا مِنْ آيَات الْمَدْح الَّتِي مَدَحَ اللَّه بِهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسه , وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حُكْم الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر أَنَّهُ مَتَى رَجَا نَفْعًا فِي الدِّين فَبَذَلَ نَفْسه فِيهِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَات الشُّهَدَاء , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور " [ لُقْمَان : 17 ] . وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَفْضَل الشُّهَدَاء حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَرَجُل تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقّ عِنْد سُلْطَان جَائِر فَقَتَلَهُ ) , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي هَذَا فِي [ آل عِمْرَان ] إِنْ شَاءَ تَعَالَى .


أَيْ فِي الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَة , وَأَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ فِي إِخْلَافه عَلَيْكُمْ , وَقِيلَ : " أَحْسِنُوا " فِي أَعْمَالكُمْ بِامْتِثَالِ الطَّاعَات , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فوائد من سورة يوسف عليه السلام

    رسالة مختصرة تبين بعض الفوائد من سورة يوسف عليه السلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233602

    التحميل:

  • شرح العقيدة الطحاوية [ البراك ]

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وقد تناولها عدد كبير من أهل العلم بالتوضيح والبيان، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، وفي هذه الصفحة نسخة مصورة من هذا الكتاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205049

    التحميل:

  • أعمال ثوابها كقيام الليل

    إن من رحمة الله - عز وجل - بعباده، أنه وهبهم أعمالا يسيرة يعدل ثوابها قيام الليل، فمن فاته قيام الليل أو عجز عنه فلا يُفوت عليه هذه الأعمال لتثقيل ميزانه، وهذه ليست دعوة للتقاعس عن قيام الليل، إذ لم يفهم سلفنا الصالح - رحمهم الله تعالى - ذلك، بل كانوا ينشطون في كل ميادين الخير.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291300

    التحميل:

  • الأنوار في سيرة النبي المختار بطريقة سؤال وجواب

    الأنوار في سيرة النبي المختار بطريقة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168883

    التحميل:

  • معرفة النسخ والصحف الحديثية

    معرفة النسخ والصحف الحديثية : كتاب في 299 صفحة طبع في 1412هـ جعل مؤلفه أحد علوم الحديث والمراد بها الأوراق المشتملة على حديث فأكثر ينتظمها إسناد واحد فإن تعدد السند فهو الجزء أو أحاديث فلان. أراد الشيخ جمع ما وقف عليه منها والدلالة عليها مع معرفة حكمها من صحة أو ضعف أو وضع على سبيل الإجمال وجعل بين يدي ذلك مباحث سبعة مهمة: 1- تاريخ تدوينها. 2- غاية هذا النوع وثمرته. 3- معارف عامة عنها حقيقتها ونظامها الخ. 4- جهود المتقدمين في معرفة النسخ. 5- جهود المعاصرين. 6- كيفية الرواية لها ومنها. 7- مراتبها الحكيمة.

    الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169194

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة