Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 191

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) (البقرة) mp3
" ثَقِفْتُمُوهُمْ " يُقَال : ثَقِفَ يَثْقُف ثَقْفًا وَثَقَفًا , وَرَجُل ثَقْف لَقْف : إِذَا كَانَ مُحْكِمًا لِمَا يَتَنَاوَلهُ مِنْ الْأُمُور . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى قَتْل الْأَسِير , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " الْأَنْفَال " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


أَيْ مَكَّة . قَالَ الطَّبَرِيّ : الْخِطَاب لِلْمُهَاجِرِينَ وَالضَّمِير لِكُفَّارِ قُرَيْش .


أَيْ الْفِتْنَة الَّتِي حَمَلُوكُمْ عَلَيْهَا وَرَامُوا رُجُوعكُمْ بِهَا إِلَى الْكُفْر أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . قَالَ مُجَاهِد : أَيْ مِنْ أَنْ يُقْتَل الْمُؤْمِن , فَالْقَتْل أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَة , وَقَالَ غَيْره : أَيْ شِرْكهمْ بِاَللَّهِ وَكُفْرهمْ بِهِ أَعْظَم جُرْمًا وَأَشَدّ مِنْ الْقَتْل الَّذِي عَيَّرُوكُمْ بِهِ , وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْن عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ حِين قَتَلَهُ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ فِي آخِر يَوْم مِنْ رَجَب الشَّهْر الْحَرَام , حَسَب مَا هُوَ مَذْكُور فِي سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن جَحْش , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , قَالَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره .

لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَة قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَة , وَالثَّانِي : أَنَّهَا مُحْكَمَة . قَالَ مُجَاهِد : الْآيَة مُحْكَمَة , وَلَا يَجُوز قِتَال أَحَد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَّا بَعْد أَنْ يُقَاتِل , وَبِهِ قَالَ طَاوُس , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه نَصّ الْآيَة , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْلَيْنِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه , وَفِي الصَّحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم فَتْح مَكَّة : ( إِنَّ هَذَا الْبَلَد حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَال فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) , وَقَالَ قَتَادَة : الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] , وَقَالَ مُقَاتِل : نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : " وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " ثُمَّ نَسَخَ هَذَا قَوْله : " اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " , فَيَجُوز الِابْتِدَاء بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَم , وَمِمَّا اِحْتَجُّوا بِهِ أَنَّ " بَرَاءَة " نَزَلَتْ بَعْد سُورَة " الْبَقَرَة " بِسَنَتَيْنِ , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ الْمِغْفَر , فَقِيلَ : إِنَّ اِبْن خَطَل مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , فَقَالَ : ( اُقْتُلُوهُ ) .

وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : " وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام " مَنْسُوخَة ; لِأَنَّ الْإِجْمَاع قَدْ تَقَرَّرَ بِأَنَّ عَدُوًّا لَوْ اِسْتَوْلَى عَلَى مَكَّة وَقَالَ : لَأُقَاتِلكُمْ , وَأَمْنَعكُمْ مِنْ الْحَجّ وَلَا أَبْرَح مِنْ مَكَّة لَوَجَبَ قِتَاله وَإِنْ لَمْ يَبْدَأ بِالْقِتَالِ , فَمَكَّة وَغَيْرهَا مِنْ الْبِلَاد سَوَاء . وَإِنَّمَا قِيلَ فِيهَا : هِيَ حَرَام تَعْظِيمًا لَهَا , أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِد بْن الْوَلِيد يَوْم الْفَتْح وَقَالَ : ( اُحْصُدْهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَلْقَانِي عَلَى الصَّفَا ) حَتَّى جَاءَ الْعَبَّاس فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , ذَهَبَتْ قُرَيْش , فَلَا قُرَيْش بَعْد الْيَوْم . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي تَعْظِيمهَا : ( وَلَا يَلْتَقِط لُقَطَتهَا إِلَّا مُنْشِد ) وَاللُّقَطَة بِهَا وَبِغَيْرِهَا سَوَاء , وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة " [ الْبَقَرَة : 193 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَضَرَتْ فِي بَيْت الْمَقْدِس - طَهَّرَهُ اللَّه - بِمَدْرَسَةِ أَبِي عُقْبَة الْحَنَفِيّ , وَالْقَاضِي الزِّنْجَانِيّ يُلْقِي عَلَيْنَا الدَّرْس فِي يَوْم جُمُعَة , فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُل بَهِيّ الْمَنْظَر عَلَى ظَهْره أَطْمَار , فَسَلَّمَ سَلَام الْعُلَمَاء وَتَصَدَّرَ فِي صَدْر الْمَجْلِس بِمَدَارِع الرِّعَاء , فَقَالَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيّ : مَنْ السَّيِّد ؟ فَقَالَ : رَجُل سَلَبَهُ الشُّطَّار أَمْسِ , وَكَانَ مَقْصِدِي هَذَا الْحَرَم الْمُقَدَّس , وَأَنَا رَجُل مِنْ أَهْل صَاغَان مِنْ طَلَبَة الْعِلْم , فَقَالَ الْقَاضِي مُبَادِرًا : سَلُوهُ - عَلَى الْعَادَة فِي إِكْرَام الْعُلَمَاء بِمُبَادَرَةِ سُؤَالهمْ - وَوَقَعَتْ الْقُرْعَة عَلَى مَسْأَلَة الْكَافِر إِذَا اِلْتَجَأَ إِلَى الْحَرَم هَلْ يُقْتَل أَمْ لَا ؟ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُقْتَل , فَسُئِلَ عَنْ الدَّلِيل , فَقَالَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ " قُرِئَ " وَلَا تَقْتُلُوهُمْ , وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ " فَإِنْ قُرِئَ " وَلَا تَقْتُلُوهُمْ " فَالْمَسْأَلَة نَصّ , وَإِنْ قُرِئَ " وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ " فَهُوَ تَنْبِيه ; لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ الْقِتَال الَّذِي هُوَ سَبَب الْقَتْل كَانَ دَلِيلًا بَيِّنًا ظَاهِرًا عَلَى النَّهْي عَنْ الْقَتْل , فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي مُنْتَصِرًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك , وَإِنْ لَمْ يَرَ مَذْهَبهمَا , عَلَى الْعَادَة , فَقَالَ : هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] , فَقَالَ لَهُ الصَّاغَانِيّ : هَذَا لَا يَلِيق بِمَنْصِبِ الْقَاضِي وَعِلْمه , فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي اِعْتَرَضْت بِهَا عَامَّة فِي الْأَمَاكِن , وَاَلَّتِي اِحْتَجَجْت بِهَا خَاصَّة , وَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول : إِنَّ الْعَامّ يَنْسَخ الْخَاصّ , فَبُهِتَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيّ , وَهَذَا مِنْ بَدِيع الْكَلَام . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِنْ لَجَأَ إِلَيْهِ كَافِر فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ , لِنَصِّ الْآيَة وَالسُّنَّة الثَّابِتَة بِالنَّهْيِ عَنْ الْقِتَال فِيهِ , وَأَمَّا الزَّانِي وَالْقَاتِل فَلَا بُدّ مِنْ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ , إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئ الْكَافِر بِالْقِتَالِ فَيُقْتَل بِنَصِّ الْقُرْآن .

قُلْت : وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَتْل اِبْن خَطَل وَأَصْحَابه فَلَا حُجَّة فِيهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوَقْت الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ مَكَّة وَهِيَ دَار حَرْب وَكُفْر , وَكَانَ لَهُ أَنْ يُرِيق دِمَاء مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلهَا فِي السَّاعَة الَّتِي أُحِلَّ لَهُ فِيهَا الْقِتَال . فَثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّ الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْبَاغِي عَلَى الْإِمَام بِخِلَافِ الْكَافِر , فَالْكَافِر يُقْتَل إِذَا قَاتَلَ بِكُلِّ حَال , وَالْبَاغِي إِذَا قَاتَلَ يُقَاتِل بِنِيَّةِ الدَّفْع , وَلَا يُتْبَع مُدَبَّر وَلَا يُجْهَز عَلَى جَرِيح . عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه مِنْ أَحْكَام الْبَاغِينَ فِي " الْحُجُرَات " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر كتاب الاعتصام

    مختصر كتاب الاعتصام: فإنَّ كتاب «الاعتصام» للإمام أبي إسحاق الشاطبي يُعَدُّ من أفضل ما أُلِّف في معنى البدعة وحَدِّها وذمِّ البدع وسوء منقلب أهلها، وأنواعها وأحكامها والفرق بينها وبين المصالح المرسلة وغير ذلك من مسائل تتعلق بالبدعة وأهلها. ونظرًا لما في الكتاب من الإطالة والاستطرادات قام الشيخ علوي السقَّاف - حفظه الله - باختصار الكتاب اختصارًا غير مُخِلٍّ؛ حيث قام بتهذيب الكتاب من الأحاديث الضعيفة، وبعض الأقوال والقصص والأخبار والأمثلة والتفريعات وغير ذلك.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335500

    التحميل:

  • مختصر العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة

    مختصر العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة : كتيب يحتوي على أسئلة مهمة في العقيدة، أجاب عنها المصنف مع ذكر الدليل من القرآن والسنة؛ ليطمئن القارئ إلى صحة الجواب؛ لأن عقيدة التوحيد هي أساس سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/71245

    التحميل:

  • صفة الحج والعمرة مع أدعية مختارة

    ما من عبادة إلا ولها صفة وكيفية، قد تكفل الله سبحانه ببيانها، أو بينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة حجة واحدة، وهي التي سميت بـحجة الوداع؛ لأنه ودع فيها الناس، وفي هذه الحجة بين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة مناسك الحج، فقال - صلى الله عليه وسلم - { خذوا عنّي مناسككم }، وفي هذا الكتاب بيان لصفة الحج، وقد طبع من طرف الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.

    الناشر: الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي http://www.gph.gov.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/156168

    التحميل:

  • الترغيب والتحذير في ضوء الكتاب والسنة

    الترغيب والتحذير في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد شرحَ اللهُ صدري لتأليفِ الكتابِ في: «الترغيبِ والتحذيرِ في ضوءِ الكتابِ والسنةِ»، والهدفُ من تأليفِ هذا الكتابِ: هو تربيةُ المسلمين والمسلمات على العملِ بما جاء به نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فما رغَّبَ فيه الهادي البشيرُ - صلى الله عليه وسلم - فعلنا منه ما ساتطَعنا إلى ذلك سبيلاً، وما حذَّرَ منه - عليه الصلاة والسلام - ترَكناه بالكليَّةِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384388

    التحميل:

  • نبذة نفيسة عن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    نبذة نفيسة عن حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: بناءً على النصيحة للمسلمين، وحباً في شريعة سيد المرسلين وصيانة لتوحيد رب العالمين، ودفاعاً عن شيخ الإسلام أخرجت هذه الرسالة رجاء أن تكون أداة إنقاذ من ظلمات الجهالة، وأن تنور بصائر وأبصار القارئين ليعرفوا حقيقة دعوة الإمام، ولا تروج عليهم دعاية أهل الضلال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2086

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة