Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 189

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) (البقرة) mp3
هَذَا مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ الْيَهُود وَاعْتَرَضُوا بِهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ مُعَاذ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ الْيَهُود تَغْشَانَا وَيُكْثِرُونَ مَسْأَلَتنَا عَنْ الْأَهِلَّة فَمَا بَال الْهِلَال يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيد حَتَّى يَسْتَوِي وَيَسْتَدِير , ثُمَّ يُنْتَقَص حَتَّى يَعُود كَمَا كَانَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة .

وَقِيلَ : إِنَّ سَبَب نُزُولهَا سُؤَال قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْهِلَال وَمَا سَبَب مِحَاقه وَكَمَاله وَمُخَالَفَته لِحَالِ الشَّمْس , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَغَيْرهمْ .

الْأَهِلَّة جَمْع الْهِلَال , وَجُمِعَ وَهُوَ وَاحِد فِي الْحَقِيقَة مِنْ حَيْثُ كَوْنه هِلَالًا وَاحِدًا فِي شَهْر , غَيْر كَوْنه هِلَالًا فِي آخَر , فَإِنَّمَا جُمِعَ أَحْوَاله مِنْ الْأَهِلَّة . وَيُرِيد بِالْأَهِلَّةِ شُهُورهَا , وَقَدْ يُعَبَّر بِالْهِلَالِ عَنْ الشَّهْر لِحُلُولٍ فِيهِ , كَمَا قَالَ : أَخَوَانِ مِنْ نَجْد عَلَى ثِقَة وَالشَّهْر مِثْل قُلَامَة الظُّفْر وَقِيلَ : سُمِّيَ شَهْرًا لِأَنَّ الْأَيْدِي تُشْهِر بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَوْضِع الرُّؤْيَة وَيَدُلُّونَ عَلَيْهِ , وَيُطْلَق لَفْظ الْهِلَال لِلَّيْلَتَيْنِ مِنْ آخِر الشَّهْر , وَلَيْلَتَيْنِ مِنْ أَوَّله , وَقِيلَ : لِثَلَاثٍ مِنْ أَوَّله , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : هُوَ هِلَال حَتَّى يُحَجِّر وَيَسْتَدِير لَهُ كَالْخَيْطِ الرَّقِيق , وَقِيلَ : بَلْ هُوَ هِلَال حَتَّى يَبْهَر بِضَوْئِهِ السَّمَاء , وَذَلِكَ لَيْلَة سَبْع . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس : وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ هِلَال لِأَنَّ النَّاس يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهمْ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ . وَمِنْهُ اِسْتَهَلَّ الصَّبِيّ إِذَا ظَهَرَتْ حَيَاته بِصُرَاخِهِ , وَاسْتَهَلَّ وَجْهه فَرَحًا وَتَهَلَّلَ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ السُّرُور . قَالَ أَبُو كَبِير : وَإِذَا نَظَرْت إِلَى أَسِرَّة وَجْهه بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِض الْمُتَهَلِّل وَيُقَال : أَهْلَلْنَا الْهِلَال إِذَا دَخَلْنَا فِيهِ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : " وَأَهَلَّ الْهِلَال وَاسْتَهَلَّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَيُقَال أَيْضًا : اِسْتَهَلَّ بِمَعْنَى تَبَيَّنَ , وَلَا يُقَال : أَهَلَّ وَيُقَال : أَهْلَلْنَا عَنْ لَيْلَة كَذَا , وَلَا يُقَال : أَهْلَلْنَاهُ فَهَلَّ , كَمَا يُقَال : أَدْخَلْنَاهُ فَدَخَلَ , وَهُوَ قِيَاسه " : قَالَ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم الْقُشَيْرِيّ فِي تَفْسِيره : وَيُقَال : أَهَلَّ الْهِلَال وَاسْتَهَلَّ وَأَهْلَلْنَا الْهِلَال وَاسْتَهْلَلْنَا .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن غَرِيمه أَوْ لَيَفْعَلَن كَذَا فِي الْهِلَال أَوْ رَأْس الْهِلَال أَوْ عِنْد الْهِلَال , فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْد رُؤْيَة الْهِلَال بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَحْنَث . وَجَمِيع الشُّهُور تَصْلُح لِجَمِيعِ الْعِبَادَات وَالْمُعَامَلَات عَلَى مَا يَأْتِي .

تَبْيِين لِوَجْهِ الْحِكْمَة فِي زِيَادَة الْقَمَر وَنُقْصَانه , وَهُوَ زَوَال الْإِشْكَال فِي الْآجَال وَالْمُعَامَلَات وَالْإِيمَان وَالْحَجّ وَالْعَدَد وَالصَّوْم وَالْفِطْر وَمُدَّة الْحَمْل وَالْإِجَارَات وَالْأَكْرِيَة , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ مَصَالِح الْعِبَاد , وَنَظِيره قَوْله الْحَقّ : " وَجَعَلْنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَة اللَّيْل وَجَعَلْنَا آيَة النَّهَار مُبْصِرَة لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَد السِّنِينَ وَالْحِسَاب " [ الْإِسْرَاء : 12 ] عَلَى مَا يَأْتِي , وَقَوْله : " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِل لِتَعْلَمُوا عَدَد السِّنِينَ وَالْحِسَاب " [ يُونُس : 5 ] . وَإِحْصَاء الْأَهِلَّة أَيْسَر مِنْ إِحْصَاء الْأَيَّام .

وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ يَرُدّ عَلَى أَهْل الظَّاهِر وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ : إِنَّ الْمُسَاقَاة تَجُوز إِلَى الْأَجَل الْمَجْهُول سِنِينَ غَيْر مَعْلُومَة , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ الْيَهُود عَلَى شَطْر الزَّرْع وَالنَّخْل مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر تَوْقِيت , وَهَذَا لَا دَلِيل فِيهِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِلْيَهُودِ : ( أُقِرّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمْ اللَّه ) . وَهَذَا أَدَلّ دَلِيل وَأَوْضَح سَبِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خُصُوص لَهُ , فَكَانَ يَنْتَظِر فِي ذَلِكَ الْقَضَاء مِنْ رَبّه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْره , وَقَدْ أَحْكَمَتْ الشَّرِيعَة مَعَانِي الْإِجَارَات وَسَائِر الْمُعَامَلَات , فَلَا يَجُوز شَيْء مِنْهَا إِلَّا عَلَى مَا أَحْكَمَهُ الْكِتَاب وَالسُّنَّة , وَقَالَ بِهِ عُلَمَاء الْأُمَّة .

" مَوَاقِيت " الْمَوَاقِيت : جَمْع الْمِيقَات وَهُوَ الْوَقْت , وَقِيلَ : الْمِيقَات مُنْتَهَى الْوَقْت . و " مَوَاقِيت " لَا تَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ جَمْع لَا نَظِير لَهُ فِي الْآحَاد , فَهُوَ جَمْع وَنِهَايَة جَمْع , إِذْ لَيْسَ يُجْمَع فَصَارَ كَأَنَّ الْجَمْع تَكَرَّرَ فِيهَا , وَصُرِفَتْ " قَوَارِير " فِي قَوْله : " قَوَارِيرًا " [ الْإِنْسَان : 16 ] لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي رَأْس آيَة فَنُوِّنَتْ كَمَا تُنَوَّن الْقَوَافِي , فَلَيْسَ هُوَ تَنْوِين الصَّرْف الَّذِي يَدُلّ عَلَى تَمَكُّن الِاسْم .

" وَالْحَجّ " بِفَتْحِ الْحَاء قِرَاءَة الْجُمْهُور , وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق بِالْكَسْرِ فِي جَمِيع الْقُرْآن , وَفِي قَوْله : " حَجّ الْبَيْت " [ آل عِمْرَان : 97 ] فِي " آل عِمْرَان " . سِيبَوَيْهِ : الْحَجّ كَالرَّدِّ وَالشَّدّ , وَالْحَجّ كَالذِّكْرِ , فَهُمَا مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى وَقِيلَ : الْفَتْح مَصْدَر , وَالْكَسْر الِاسْم .

أَفْرَدَ سُبْحَانه الْحَجّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاج فِيهِ إِلَى مَعْرِفَة الْوَقْت , وَأَنَّهُ لَا يَجُوز النَّسِيء فِيهِ عَنْ وَقْته , بِخِلَافِ مَا رَأَتْهُ الْعَرَب , فَإِنَّهَا كَانَتْ تَحُجّ بِالْعَدَدِ وَتُبْدِل الشُّهُور , فَأَبْطَلَ اللَّه قَوْلهمْ وَفِعْلهمْ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

اِسْتَدَلَّ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا فِي أَنَّ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ يَصِحّ فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ بِهَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ الْأَهِلَّة كُلّهَا ظَرْفًا لِذَلِكَ , فَصَحَّ أَنْ يُحْرِم فِي جَمِيعهَا بِالْحَجِّ , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيّ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " الْحَجّ أَشْهُر مَعْلُومَات " [ الْبَقَرَة : 197 ] عَلَى مَا يَأْتِي , وَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة أَنَّ بَعْضهَا مَوَاقِيت لِلنَّاسِ , وَبَعْضهَا مَوَاقِيت لِلْحَجِّ , وَهَذَا كَمَا تَقُول : الْجَارِيَة لِزَيْدٍ وَعَمْرو , وَذَلِكَ يَقْضِي أَنْ يَكُون بَعْضهَا لِزَيْدٍ وَبَعْضهَا لِعَمْرٍو , وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال : جَمِيعهَا لِزَيْدٍ وَجَمِيعهَا لِعَمْرٍو , وَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : إِنَّ ظَاهِر قَوْله " هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ " يَقْتَضِي كَوْن جَمِيعهَا مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَجَمِيعهَا مَوَاقِيت لِلْحَجِّ , وَلَوْ أَرَادَ التَّبْعِيض لَقَالَ : بَعْضهَا مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَبَعْضهَا مَوَاقِيت لِلْحَجِّ , وَهَذَا كَمَا تَقُول : إِنَّ شَهْر رَمَضَان مِيقَات لِصَوْمِ زَيْد وَعَمْرو , وَلَا خِلَاف أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيعه مِيقَات لِصَوْمِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا , وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْجَارِيَة فَصَحِيح ; لِأَنَّ كَوْنهَا جَمْعَاء لِزَيْدٍ مَعَ كَوْنهَا جَمْعَاء لِعَمْرٍو مُسْتَحِيل , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا , فَإِنَّ الزَّمَان يَصِحّ أَنْ يَكُون مِيقَاتًا لِزَيْدٍ وَمِيقَاتًا لِعَمْرٍو , فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ .

لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَنْ بَاعَ مَعْلُومًا مِنْ السِّلَع بِثَمَنٍ مَعْلُوم إِلَى أَجَل مَعْلُوم مِنْ شُهُور الْعَرَب أَوْ إِلَى أَيَّام مَعْرُوفَة الْعَدَد أَنَّ الْبَيْع جَائِز , وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي السَّلَم إِلَى الْأَجَل الْمَعْلُوم , وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ بَاعَ إِلَى الْحَصَاد أَوْ إِلَى الدِّيَاس أَوْ إِلَى الْعَطَاء وَشَبَه ذَلِكَ , فَقَالَ مَالِك : ذَلِكَ جَائِز لِأَنَّهُ مَعْرُوف , وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر , وَقَالَ أَحْمَد : أَرْجُو أَلَّا يَكُون بِهِ بَأْس , وَكَذَلِكَ إِلَى قُدُوم الْغُزَاة , وَعَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاع إِلَى الْعَطَاء , وَقَالَتْ طَائِفَة . ذَلِكَ غَيْر جَائِز ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَقَّتَ الْمَوَاقِيت وَجَعَلَهَا عَلَمًا لِآجَالِهِمْ فِي بِيَاعَاتِهِمْ وَمَصَالِحهمْ . كَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَالنُّعْمَان . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : قَوْل اِبْن عَبَّاس صَحِيح .

إِذَا رُئِيَ الْهِلَال كَبِيرًا فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يُعَوَّل عَلَى كِبَره وَلَا عَلَى صِغَره وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن لَيْلَته . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ قَالَ : خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَة قَالَ : تَرَاءَيْنَا الْهِلَال , فَقَالَ بَعْض الْقَوْم : هُوَ اِبْن ثَلَاث , وَقَالَ بَعْض الْقَوْم : هُوَ اِبْن لَيْلَتَيْنِ . قَالَ : فَلَقِيَنَا اِبْن عَبَّاس فَقُلْنَا : إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَال فَقَالَ بَعْض الْقَوْم هُوَ اِبْن ثَلَاث , وَقَالَ بَعْض الْقَوْم هُوَ اِبْن لَيْلَتَيْنِ , فَقَالَ : أَيّ لَيْلَة رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالَ فَقُلْنَا : لَيْلَة كَذَا وَكَذَا , فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ ) فَهُوَ لِلَّيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ .

تَّصَلَ هَذَا بِذِكْرِ مَوَاقِيت الْحَجّ لِاتِّفَاقِ وُقُوع الْقَضِيَّتَيْنِ فِي وَقْت السُّؤَال عَنْ الْأَهِلَّة وَعَنْ دُخُول الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا , فَنَزَلَتْ الْآيَة فِيهِمَا جَمِيعًا , وَكَانَ الْأَنْصَار إِذَا حَجُّوا وَعَادُوا لَا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَاب بُيُوتهمْ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَة يَلْتَزِمُونَ شَرْعًا أَلَّا يَحُول بَيْنهمْ وَبَيْن السَّمَاء حَائِل , فَإِذَا خَرَجَ الرَّجُل مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ , أَيْ مِنْ بَعْد إِحْرَامه مِنْ بَيْته , فَرَجَعَ لِحَاجَةٍ لَا يَدْخُل مِنْ بَاب الْحُجْرَة مِنْ أَجْل سَقْف الْبَيْت أَنْ يَحُول بَيْنه وَبَيْن السَّمَاء , فَكَانَ يَتَسَنَّم ظَهْر بَيْته عَلَى الْجُدْرَان ثُمَّ يَقُوم فِي حُجْرَته فَيَأْمُر بِحَاجَتِهِ فَتَخْرُج إِلَيْهِ مِنْ بَيْته . فَكَانُوا يَرَوْنَ هَذَا مِنْ النُّسُك وَالْبِرّ , كَمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَشْيَاء نُسُكًا , فَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا , وَبَيَّنَ الرَّبّ تَعَالَى أَنَّ الْبِرّ فِي اِمْتِثَال أَمْره . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح : كَانَ النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي أَوَّل الْإِسْلَام إِذَا أَحْرَمَ رَجُل مِنْهُمْ بِالْحَجِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَدَر - يَعْنِي مِنْ أَهْل الْبُيُوت - نَقَّبَ فِي ظَهْر بَيْته فَمِنْهُ يَدْخُل وَمِنْهُ يَخْرُج , أَوْ يَضَع سُلَّمًا فَيَصْعَد مِنْهُ وَيَنْحَدِر عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْوَبَر - يَعْنِي أَهْل الْخِيَام - يَدْخُل مِنْ خَلْف الْخِيَام الْخَيْمَة , إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْحُمْس , وَرَوَى الزُّهْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ زَمَن الْحُدَيْبِيَة بِالْعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَته وَدَخَلَ خَلْفه رَجُل أَنْصَارِيّ مِنْ بَنِي سَلَمَة , فَدَخَلَ وَخَرَقَ عَادَة قَوْمه , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِمَ دَخَلْت وَأَنْتَ قَدْ أَحْرَمْت ) , فَقَالَ : دَخَلْت أَنْتَ فَدَخَلْت بِدُخُولِك , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أَحْمَسَ ) أَيْ مِنْ قَوْم لَا يَدِينُونَ بِذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ الرَّجُل : وَأَنَا دِينِي دِينك , فَنَزَلَتْ الْآيَة , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَقَتَادَة , وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل هُوَ قُطْبَة بْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ , وَالْحُمْس : قُرَيْش وَكِنَانَة وَخُزَاعَة وَثَقِيف وَجَشْم وَبَنُو عَامِر بْن صَعْصَعَة وَبَنُو نَصْر بْن مُعَاوِيَة , وَسُمُّوا حُمْسًا لِتَشْدِيدِهِمْ فِي دِينهمْ , وَالْحَمَاسَة الشِّدَّة . قَالَ الْعَجَّاج : وَكَمْ قَطَعْنَا مِنْ قِفَاف حُمْس أَيْ شِدَاد , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلهَا , فَقِيلَ مَا ذَكَرْنَا , وَهُوَ الصَّحِيح , وَقِيلَ : إِنَّهُ النَّسِيء وَتَأْخِير الْحَجّ بِهِ , حَتَّى كَانُوا يَجْعَلُونَ الشَّهْر الْحَلَال حَرَامًا بِتَأْخِيرِ الْحَجّ إِلَيْهِ , وَالشَّهْر الْحَرَام حَلَالًا بِتَأْخِيرِ الْحَجّ عَنْهُ , فَيَكُون ذِكْر الْبُيُوت عَلَى هَذَا مَثَلًا لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِب فِي الْحَجّ وَشُهُوره . وَسَيَأْتِي بَيَان النَّسِيء فِي سُورَة [ بَرَاءَة ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْآيَة ضَرْب مَثَل , الْمَعْنَى لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تَسْأَلُوا الْجُهَّال وَلَكِنْ اِتَّقُوا اللَّه وَاسْأَلُوا الْعُلَمَاء , فَهَذَا كَمَا تَقُول : أَتَيْت هَذَا الْأَمْر مِنْ بَابه , وَحَكَى الْمَهْدَوِيّ وَمَكِّيّ عَنْ اِبْن الْأَنْبَارِيّ , وَالْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن زَيْد أَنَّ الْآيَة مَثَل فِي جِمَاع النِّسَاء , أَمْر بِإِتْيَانِهِنَّ فِي الْقُبُل لَا مِنْ الدُّبُر , وَسُمِّيَ النِّسَاء بُيُوتًا لِلْإِيوَاءِ إِلَيْهِنَّ كَالْإِيوَاءِ إِلَى الْبُيُوت . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا بَعِيد مُغَيِّر نَمَط الْكَلَام , وَقَالَ الْحَسَن : كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ , فَمَنْ سَافَرَ وَلَمْ تَحْصُل حَاجَته كَانَ يَأْتِي بَيْته مِنْ وَرَاء ظَهْره تَطَيُّرًا مِنْ الْخَيْبَة , فَقِيلَ لَهُمْ : لَيْسَ فِي التَّطَيُّر بِرّ , بَلْ الْبِرّ أَنْ تَتَّقُوا اللَّه وَتَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ .

قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ هَذِهِ الْأَقْوَال , لِمَا رَوَاهُ الْبَرَاء قَالَ : كَانَ الْأَنْصَار إِذَا حَجُّوا فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا , قَالَ : فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَدَخَلَ مِنْ بَابه , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا " وَهَذَا نَصّ فِي الْبُيُوت حَقِيقَة . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَأَمَّا تِلْكَ الْأَقْوَال فَتُؤْخَذ مِنْ مَوْضِع آخَر لَا مِنْ الْآيَة , فَتَأَمَّلْهُ , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْآيَة خَرَجَتْ مَخْرَج التَّنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنْ يَأْتُوا الْبِرّ مِنْ وَجْهه , وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ , فَذَكَرَ إِتْيَان الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا مَثَلًا لِيُشِيرَ بِهِ إِلَى أَنْ نَأْتِي الْأُمُور مِنْ مَأْتَاهَا الَّذِي نَدَبَنَا اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ .

قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَصِحّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَقْوَال . وَالْبُيُوت جَمْع بَيْت , وَقُرِئَ بِضَمِّ الْبَاء وَكَسْرهَا .

وَالتَّقْوَى يُقَال أَصْلهَا فِي اللُّغَة قِلَّة الْكَلَام , حَكَاهُ اِبْن فَارِس قُلْت وَمِنْهُ الْحَدِيث ( التَّقِيّ مُلْجَم وَالْمُتَّقِي فَوْق الْمُؤْمِن وَالطَّائِع ) وَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحِ عَمَله وَخَالِص دُعَائِهِ عَذَاب اللَّه تَعَالَى , مَأْخُوذ مِنْ اِتِّقَاء الْمَكْرُوه بِمَا تَجْعَلهُ حَاجِزًا بَيْنك وَبَيْنه , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : سَقَطَ النَّصِيف وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطه فَتَنَاوَلْته وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ وَقَالَ آخَر : فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونه الشَّمْس وَاتَّقَتْ بِأَحْسَن مَوْصُولِينَ كَفّ وَمِعْصَم وَخَرَّجَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ الْحَافِظ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن زَرْبِيّ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ اِبْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ يَوْمًا لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا تَائِب أَوْ تَقِيّ ثُمَّ قَالَ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قُلْت : بَلَى , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا عَالِم أَوْ مُتَعَلِّم , وَقَالَ أَبُو يَزِيد الْبِسْطَامِيّ : الْمُتَّقِي مَنْ إِذَا قَالَ قَالَ لِلَّهِ , وَمَنْ إِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ , وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ نَزَعَ اللَّه عَنْ قُلُوبهمْ حُبّ الشَّهَوَات , وَقِيلَ الْمُتَّقِي الَّذِي اِتَّقَى الشِّرْك وَبَرِئَ مِنْ النِّفَاق . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ فَاسِق . وَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ التَّقْوَى , فَقَالَ : هَلْ أَخَذْت طَرِيقًا ذَا شَوْك قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَمَا عَمِلْت فِيهِ قَالَ : تَشَمَّرْت وَحَذِرْت , قَالَ : فَذَاكَ التَّقْوَى , وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى اِبْن الْمُعْتَزّ فَنَظَمَهُ : خَلِّ الذُّنُوب صَغِيرهَا وَكَبِيرهَا ذَلِكَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق أَرْ ضِ الشَّوْك يَحْذَر مَا يَرَى لَا تُحَقِّرَنَّ صَغِيرَة إِنَّ الْجِبَال مِنْ الْحَصَى السَّادِسَة : التَّقْوَى فِيهَا جِمَاع الْخَيْر كُلّه , وَهَى وَصِيَّة اللَّه فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَهَى خَيْر مَا يَسْتَفِيدهُ الْإِنْسَان , كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَصْحَابك يَقُولُونَ الشِّعْر وَأَنْتَ مَا حُفِظَ عَنْك شَيْء , فَقَالَ : يُرِيد الْمَرْء أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا مَا أَرَادَا يَقُول الْمَرْء فَائِدَتِي وَمَالِي وَتَقْوَى اللَّه أَفْضَل مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ ( ص ) أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن بَعْد تَقْوَى اللَّه خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَة صَالِحَة إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسهَا وَمَالِهِ ) , وَالْأَصْل فِي التَّقْوَى : وَقْوَى عَلَى وَزْن فَعْلَى فَقُلِبَتْ الْوَاو تَاء مِنْ وَقَيْته أَقِيه أَيْ مَنَعْته , وَرَجُل تَقِيّ أَيْ خَائِف , أَصْله وَقِيّ , وَكَذَلِكَ تُقَاة كَانَتْ فِي الْأَصْل وُقَاة , كَمَا قَالُوا : تُجَاه وَتُرَاث , وَالْأَصْل وُجَاه وَوُرَاث .

فِي هَذِهِ الْآيَة بَيَان أَنَّ مَا لَمْ يَشْرَعهُ اللَّه قُرْبَة وَلَا نَدَبَ إِلَيْهِ لَا يَصِير قُرْبَة بِأَنْ يَتَقَرَّب بِهِ مُتَقَرِّب . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : إِذَا أَشْكَلَ مَا هُوَ بِرّ وَقُرْبَة بِمَا لَيْسَ هُوَ بِرّ وَقُرْبَة أَنْ يُنْظَر فِي ذَلِكَ الْعَمَل , فَإِنْ كَانَ لَهُ نَظِير فِي الْفَرَائِض وَالسُّنَن فَيَجُوز أَنْ يَكُون , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ بِبِرٍّ وَلَا قُرْبَة . قَالَ : وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الْآثَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِم فِي الشَّمْس فَسَأَلَ عَنْهُ , فَقَالُوا : هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل , نَذَرَ أَنْ يَقُوم وَلَا يَقْعُد وَلَا يَسْتَظِلّ وَلَا يَتَكَلَّم وَيَصُوم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمه ) , فَأَبْطَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ غَيْر قُرْبَة مِمَّا لَا أَصْل لَهُ فِي شَرِيعَته , وَصَحَّحَ مَا كَانَ قُرْبَة مِمَّا لَهُ نَظِير فِي الْفَرَائِض وَالسُّنَن .


التَّقْوَى يُقَال أَصْلهَا فِي اللُّغَة قِلَّة الْكَلَام , حَكَاهُ اِبْن فَارِس قُلْت وَمِنْهُ الْحَدِيث ( التَّقِيّ مُلْجَم وَالْمُتَّقِي فَوْق الْمُؤْمِن وَالطَّائِع ) وَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحِ عَمَله وَخَالِص دُعَائِهِ عَذَاب اللَّه تَعَالَى , مَأْخُوذ مِنْ اِتِّقَاء الْمَكْرُوه بِمَا تَجْعَلهُ حَاجِزًا بَيْنك وَبَيْنه , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : سَقَطَ النَّصِيف وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطه فَتَنَاوَلْته وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ وَقَالَ آخَر : فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونه الشَّمْس وَاتَّقَتْ بِأَحْسَن مَوْصُولِينَ كَفّ وَمِعْصَم وَخَرَّجَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ الْحَافِظ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن زَرْبِي أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ اِبْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ يَوْمًا لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهُمْ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا تَائِب أَوْ تَقِيّ ثُمَّ قَالَ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قُلْت : بَلَى , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا عَالِم أَوْ مُتَعَلِّم , وَقَالَ أَبُو يَزِيد الْبِسْطَامِيّ : الْمُتَّقِي مَنْ إِذَا قَالَ قَالَ لِلَّهِ , وَمَنْ إِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ , وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ نَزَعَ اللَّه عَنْ قُلُوبهمْ حُبّ الشَّهَوَات , وَقِيلَ الْمُتَّقِي الَّذِي اِتَّقَى الشِّرْك وَبَرِئَ مِنْ النِّفَاق . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ فَاسِق , وَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ التَّقْوَى , فَقَالَ : هَلْ أَخَذْت طَرِيقًا ذَا شَوْك قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَمَا عَمِلْت فِيهِ قَالَ : تَشَمَّرْت وَحَذِرْت , قَالَ : فَذَاكَ التَّقْوَى , وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى اِبْن الْمُعْتَزّ فَنَظَمَهُ : خَلّ الذُّنُوب صَغِيرهَا وَكَبِيرهَا ذَلِكَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق أَرْض الشَّوْك يَحْذَر مَا يَرَى لَا تُحَقِّرَن صَغِيرَة إِنَّ الْجِبَال مِنْ الْحَصَى التَّقْوَى فِيهَا جِمَاع الْخَيْر كُلّه , وَهَى وَصِيَّة اللَّه فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَهَى خَيْر مَا يَسْتَفِيدهُ الْإِنْسَان , كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَصْحَابك يَقُولُونَ الشِّعْر وَأَنْتَ مَا حُفِظَ عَنْك شَيْء , فَقَالَ : يُرِيد الْمَرْء أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا مَا أَرَادَا يَقُول الْمَرْء فَائِدَتِي وَمَالِي وَتَقْوَى اللَّه أَفْضَل مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ ( ص ) أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن بَعْد تَقْوَى اللَّه خَيْر لَهُ مِنْ زَوْجَة صَالِحَة إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسهَا وَمَالِهِ ) , وَالْأَصْل فِي التَّقْوَى : وَقْوَى عَلَى وَزْن فَعْلَى فَقُلِبَتْ الْوَاو تَاء مِنْ وَقَيْته أَقِيه أَيْ مَنَعْته , وَرَجُل تَقِيّ أَيْ خَائِف , أَصْله وَقِيّ , وَكَذَلِكَ تُقَاة كَانَتْ فِي الْأَصْل وُقَاة , كَمَا قَالُوا : تُجَاه وَتُرَاث , وَالْأَصْل وُجَاه وَوُرَاث .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة رضي الله عنهم

    الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة رضي الله عنهم: قال الكاتب: فمن حكمة الله - عز وجل - أن خلق من الطين بشراً وجعل بين خلقه نسباً وصهراً ليتعارف الخلق الذين يردّون كلهم لأب واحد آدم - عليه السلام - وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - من بني هاشم آل عقيل، وآل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وغيرهم، يصاهرون الصحابة فيتزوجون منهم ويزوجونهم. ولم سبق رأيت أن أجمع هذه المصاهرات بين أهل البيت وبين الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - على أنني التزمت في إثبات هذه المصاهرات على مصادر ومراجع الشيعة الإمامية وعلى كتب علماء الأنساب، فلا لبس بعد ذلك ولا ريب. وقد رأيت إضافة أخرى بجانب هذه المصاهرات وإثباتها وهو ذكر أسماء أبناء أهل البيت وكناهم وألقابهم مما يجعل القارئ الكريم يقف على حقائق وأمور تذكر عرضاً ولا يًلتفت إليها ولا تتَخذ غرضاً. وسيلاحظ القارئ الكريم أن أسماء مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ما كان يخلو بيت من بيوت أهل البيت منها محبةً واحتفاءً وكرامةً لأصحابها، وهذه الأسماء ثابتة في مصادر الشيعة الإمامية أيضاً.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260203

    التحميل:

  • فصول في أصول التفسير

    فصول في أصول التفسير : تحتوي الرسالة على عدة مباحث مثل: حكم التفسير وأقسامه، طرق التفسير، اختلاف السلف في التفسير وأسبابه، الأصول التي يدور عليها التفسير، طريقة السلف في التفسير، قواعد التفسير، توجيه القراءات وأثره في التفسير.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291772

    التحميل:

  • الفوائد المنثورة [ خطب ونصائح - كلمات ومقالات ]

    الفوائد المنثورة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مجموعٌ يحوي جملةً من الخطب والنصائح وعددًا من الكلمات والمقالات، جرى إعدادُها في أوقاتٍ مُتفاوتةٍ وأزمنةٍ مُتباعدةٍ، رأيتُ من المُفيد لمّها في هذا المجموع رجاءَ أن ينفع الله بها».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344670

    التحميل:

  • نشأة الذرية معجزة علمية

    نشأة الذرية معجزة علمية.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193677

    التحميل:

  • حد الثوب والأزرة وتحريم الإسبال ولباس الشهرة

    حد الثوب والأزرة : رسالة قيمة مفيدة وافية في موضوعها، وقد جاءت في وقت تمس الحاجة إليها فيه، حيث برزت مظاهر غريبة في اللباس بين إفراط وتفريط في شأن اللباس إسبالاً وتقصيراً. - قدم لها فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - أثابه الله -.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169018

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة