Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 187

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) (البقرة) mp3
لَفْظ " أُحِلَّ " يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْل ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ . رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى قَالَ وَحَدَّثَنَا أَصْحَابنَا قَالَ : وَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَفْطَرَ فَنَامَ قَبْل أَنْ يَأْكُل لَمْ يَأْكُل حَتَّى يُصْبِح , قَالَ : فَجَاءَ عُمَر فَأَرَادَ اِمْرَأَته فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ نِمْت , فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلّ فَأَتَاهَا , فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَأَرَادَ طَعَامًا فَقَالُوا : حَتَّى نُسَخِّن لَك شَيْئًا فَنَامَ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة , وَفِيهَا : " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ " , وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ الْبَرَاء قَالَ : كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُل صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَار فَنَامَ قَبْل أَنْ يُفْطِر لَمْ يَأْكُل لَيْلَته وَلَا يَوْمه حَتَّى يُمْسِي , وَأَنَّ قَيْس بْن صِرْمَة الْأَنْصَارِيّ كَانَ صَائِمًا - وَفِي رِوَايَة : كَانَ يَعْمَل فِي النَّخِيل بِالنَّهَارِ وَكَانَ صَائِمًا - فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَار أَتَى اِمْرَأَته فَقَالَ لَهَا : أَعْنَدك طَعَام ؟ قَالَتْ لَا , وَلَكِنْ أَنْطَلِق فَأَطْلُب لَك , وَكَانَ يَوْمه يَعْمَل , فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ , فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ : خَيْبَة لَك فَلَمَّا اِنْتَصَفَ النَّهَار غُشِيَ عَلَيْهِ , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ " فَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا , فَنَزَلَتْ : " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد مِنْ الْفَجْر " , وَفِي الْبُخَارِيّ أَيْضًا عَنْ الْبَرَاء قَالَ : لَمَّا نَزَلَ صَوْم رَمَضَان كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاء رَمَضَان كُلّه , وَكَانَ رِجَال يَخُونُونَ أَنْفُسهمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " عَلِمَ اللَّه أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ " يُقَال : خَانَ وَاخْتَانَ بِمَعْنًى مِنْ الْخِيَانَة , أَيْ تَخُونُونَ أَنْفُسكُمْ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي لَيَالِي الصَّوْم , وَمَنْ عَصَى اللَّه فَقَدْ خَانَ نَفْسه إِذْ جَلَبَ إِلَيْهَا الْعِقَاب , وَقَالَ الْقُتَبِيّ : أَصْل الْخِيَانَة أَنْ يُؤْتَمَن الرَّجُل عَلَى شَيْء فَلَا يُؤَدِّي الْأَمَانَة فِيهِ , وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ : أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ رَجَعَ مِنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَمَرَ عِنْده لَيْلَة فَوَجَدَ اِمْرَأَته قَدْ نَامَتْ فَأَرَادَهَا فَقَالَتْ لَهُ : قَدْ نِمْت , فَقَالَ لَهَا : مَا نِمْت , فَوَقَعَ بِهَا . وَصَنَعَ كَعْب بْن مَالِك مِثْله , فَغَدَا عُمُر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَعْتَذِر إِلَى اللَّه وَإِلَيْك , فَإِنَّ نَفْسِي زَيَّنَتْ لِي فَوَاقَعْت أَهْلِي , فَهَلْ تَجِد لِي مِنْ رُخْصَة ؟ فَقَالَ لِي : ( لَمْ تَكُنْ حَقِيقًا بِذَلِكَ يَا عُمَر ) فَلَمَّا بَلَغَ بَيْته أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَنْبَأَهُ بِعُذْرِهِ فِي آيَة مِنْ الْقُرْآن . وَذَكَرَهُ النَّحَّاس وَمَكِّيّ , وَأَنَّ عُمَر نَامَ ثُمَّ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ , وَأَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ : " عَلِمَ اللَّه أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآن بَاشِرُوهُنَّ . .. " الْآيَة . و " لَيْلَة " نُصِبَ عَلَى الظَّرْف وَهِيَ اِسْم جِنْس فَلِذَلِكَ أُفْرِدَتْ .


وَالرَّفَث : كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَرِيم يَكْنِي , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ . وَقَالَ الزَّجَّاج : الرَّفَث كَلِمَة جَامِعَة لِكُلِّ مَا يُرِيد الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته , وَقَالَهُ الْأَزْهَرِيّ أَيْضًا , وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : الرَّفَث هَاهُنَا الْجِمَاع , وَالرَّفَث : التَّصْرِيح بِذِكْرِ الْجِمَاع وَالْإِعْرَاب بِهِ . قَالَ الشَّاعِر وَيُرَيْنَ مِنْ أُنْس الْحَدِيث زَوَانِيَا وَبِهِنَّ عَنْ رَفَث الرِّجَال نِفَار وَقِيلَ : الرَّفَث أَصْله قَوْل الْفُحْش , يُقَال : رَفَثَ وَأَرْفَثَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْقَبِيحِ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَرُبَّ أَسْرَاب حَجِيج كُظَّم عَنْ اللَّغَا وَرَفَث التَّكَلُّم وَتَعَدَّى " الرَّفَث " بِإِلَى فِي قَوْله تَعَالَى جَدّه : " الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ " , وَأَنْتَ لَا تَقُول : رَفَثْت إِلَى النِّسَاء , وَلَكِنْ جِيءَ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى الْإِفْضَاء الَّذِي يُرَاد بِهِ الْمُلَابَسَة فِي مِثْل قَوْله : " وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض " [ النِّسَاء : 21 ] . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى : " وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينهمْ " [ الْبَقَرَة : 14 ] كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَوْله : " يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا " [ التَّوْبَة : 35 ] أَيْ يُوقَد ; لِأَنَّك تَقُول : أُحْمِيَتْ الْحَدِيدَة فِي النَّار , وَسَيَأْتِي , وَمِنْهُ قَوْله : " فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْره , " [ النُّور : 63 ] حُمِلَ عَلَى مَعْنَى يَنْحَرِفُونَ عَنْ أَمْره أَوْ يَرُوغُونَ عَنْ أَمْره ; لِأَنَّك تَقُول : خَالَفْت زَيْدًا , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا " [ الْأَحْزَاب : 43 ] حُمِلَ عَلَى رَءُوف فِي نَحْو " بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم " [ التَّوْبَة : 128 ] , أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : رَؤُفْت بِهِ , وَلَا تَقُول رَحِمْت بِهِ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا وَافَقَهُ فِي الْمَعْنَى نَزَلَ مَنْزِلَته فِي التَّعْدِيَة , وَمِنْ هَذَا الضَّرْب قَوْل أَبِي كَبِير الْهُذَلِيّ : حَمَلَتْ بِهِ فِي لَيْلَة مَزْءُودَة كَرْهًا وَعَقْد نِطَاقهَا لَمْ يُحْلَل عَدَّى " حَمَلَتْ " بِالْبَاءِ , وَحَقّه أَنْ يَصِل إِلَى الْمَفْعُول بِنَفْسِهِ , كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل : " حَمَلَتْهُ أُمّه كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا " [ الْأَحْقَاف : 15 ] , وَلَكِنَّهُ قَالَ : حَمَلَتْ بِهِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى حَبِلَتْ بِهِ .


اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَشُدِّدَتْ النُّون مِنْ " هُنَّ " لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِيم وَالْوَاو فِي الْمُذَكَّر .


أَصْل اللِّبَاس فِي الثِّيَاب , ثُمَّ سُمِّيَ اِمْتِزَاج كُلّ وَاحِد مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِصَاحِبِهِ لِبَاسًا , لِانْضِمَامِ الْجَسَد إِلَى الْجَسَد وَامْتِزَاجهمَا وَتَلَازُمهمَا تَشْبِيهًا بِالثَّوْبِ , وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِيّ : إِذَا مَا الضَّجِيع ثَنَى جِيدهَا تَدَاعَتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا وَقَالَ أَيْضًا : لَبِسْت أُنَاسًا فَأَفْنَيْتُهُمْ وَأَفْنَيْت بَعْد أُنَاس أُنَاسَا وَقَالَ بَعْضهمْ : يُقَال لِمَا سَتَرَ الشَّيْء وَدَارَاهُ : لِبَاس , فَجَائِز أَنْ يَكُون كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا سِتْرًا لِصَاحِبِهِ عَمَّا لَا يَحِلّ , كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَر , وَقِيلَ : لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا سِتْر لِصَاحِبِهِ فِيمَا يَكُون بَيْنهمَا مِنْ الْجِمَاع مِنْ أَبْصَار النَّاس , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره : يُقَال لِلْمَرْأَةِ هِيَ لِبَاسك وَفِرَاشك وَإِزَارك . قَالَ رَجُل لِعُمَر بْن الْخَطَّاب : أَلَا أُبْلِغ أَبَا حَفْص رَسُولًا فَدَى لَك مِنْ أَخِي ثِقَة إِزَارِي قَالَ أَبُو عُبَيْد : أَيْ نِسَائِي , وَقِيلَ نَفْسِي , وَقَالَ الرَّبِيع : هُنَّ فِرَاش لَكُمْ , وَأَنْتُمْ لِحَاف لَهُنَّ . مُجَاهِد : أَيْ سَكَن لَكُمْ , أَيْ يَسْكُن بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض .


أَيْ يَسْتَأْمِر بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي مُوَاقَعَة الْمَحْظُور مِنْ الْجِمَاع وَالْأَكْل بَعْد النَّوْم فِي لَيَالِي الصَّوْم , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " تَقْتُلُونَ أَنْفُسكُمْ " [ الْبَقَرَة : 85 ] يَعْنِي يَقْتُل بَعْضكُمْ بَعْضًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ فِي نَفْسه بِأَنَّهُ يَخُونهَا , وَسَمَّاهُ خَائِنًا لِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ ضَرَره عَائِدًا عَلَيْهِ , كَمَا تَقَدَّمَ .


يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا - قَبُول التَّوْبَة مِنْ خِيَانَتهمْ لِأَنْفُسِهِمْ , وَالْآخَر - التَّخْفِيف عَنْهُمْ بِالرُّخْصَةِ وَالْإِبَاحَة , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] أَيْ خَفَّفَ عَنْكُمْ , وَقَوْله عَقِيب الْقَتْل الْخَطَأ : " فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَة مِنْ اللَّه " [ النِّسَاء : 92 ] يَعْنِي تَخْفِيفًا ; لِأَنَّ الْقَاتِل خَطَأ لَمْ يَفْعَل شَيْئًا تَلْزَمهُ التَّوْبَة مِنْهُ , وَقَالَ تَعَالَى : " لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة " [ التَّوْبَة : 117 ] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ النَّبِيّ مَا يُوجِب التَّوْبَة مِنْهُ .


يَحْتَمِل الْعَفْو مِنْ الذَّنْب , وَيَحْتَمِل التَّوْسِعَة وَالتَّسْهِيل , كَقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَّل الْوَقْت رِضْوَان اللَّه وَآخِره عَفْو اللَّه ) يَعْنِي تَسْهِيله وَتَوْسِعَته , فَمَعْنَى " عَلِمَ اللَّه " أَيْ عَلِمَ وُقُوع هَذَا مِنْكُمْ مُشَاهَدَة " فَتَابَ عَلَيْكُمْ " بَعْد مَا وَقَعَ , أَيْ خَفَّفَ عَنْكُمْ " وَعَفَا " أَيْ سَهَّلَ . و " تَخْتَانُونَ " مِنْ الْخِيَانَة , كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " وَقَالَ عُلَمَاء الزُّهْد : وَكَذَا فَلْتَكُنْ الْعِنَايَة وَشَرَف الْمَنْزِلَة , خَانَ نَفْسه عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَجَعَلَهَا اللَّه تَعَالَى شَرِيعَة , وَخَفَّفَ مِنْ أَجْله عَنْ الْأُمَّة فَرَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَرْضَاهُ " .


كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع , أَيْ قَدْ أَحَلَّ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ . وَسُمِّيَ الْوِقَاع مُبَاشَرَة لِتَلَاصُقِ الْبَشَرَتَيْنِ فِيهِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ سَبَب الْآيَة جِمَاع عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَا جُوع قَيْس ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّبَب جُوع قَيْس لَقَالَ : فَالْآن كُلُوا , اِبْتَدَأَ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُهِمّ الَّذِي نَزَلَتْ الْآيَة لِأَجْلِهِ .


قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع وَالضَّحَّاك : مَعْنَاهُ وَابْتَغُوا الْوَلَد , يَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَقِيب قَوْله : " فَالْآن بَاشِرُوهُنَّ " , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا كَتَبَ اللَّه لَنَا هُوَ الْقُرْآن . الزَّجَّاج : أَيْ اِبْتَغُوا الْقُرْآن بِمَا أُبِيحَ لَكُمْ فِيهِ وَأُمِرْتُمْ بِهِ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُعَاذ بْن جَبَل أَنَّ الْمَعْنَى وَابْتَغُوا لَيْلَة الْقَدْر , وَقِيلَ : الْمَعْنَى اُطْلُبُوا الرُّخْصَة وَالتَّوْسِعَة , قَالَهُ قَتَادَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهُوَ قَوْل حَسَن . قِيلَ : " اِبْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " مِنْ الْإِمَاء وَالزَّوْجَات . وَقَرَأَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالْحَسَن بْن قُرَّة " وَاتَّبِعُوا " مِنْ الِاتِّبَاع , وَجَوَّزَهَا اِبْن عَبَّاس , وَرَجَّحَ " اِبْتَغُوا " مِنْ الِابْتِغَاء .


هَذَا جَوَاب نَازِلَة قَيْس , وَالْأَوَّل جَوَاب عُمَر , وَقَدْ اِبْتَدَأَ بِنَازِلَةِ عُمَر لِأَنَّهُ الْمُهِمّ فَهُوَ الْمُقَدَّم .

" حَتَّى " غَايَة لِلتَّبْيِينِ , وَلَا يَصِحّ أَنْ يَقَع التَّبْيِين لِأَحَدٍ وَيُحَرَّم عَلَيْهِ الْأَكْل إِلَّا وَقَدْ مَضَى لِطُلُوعِ الْفَجْر قَدْر , وَاخْتُلِفَ فِي الْحَدّ الَّذِي بِتَبَيُّنِهِ يَجِب الْإِمْسَاك , فَقَالَ الْجُمْهُور : ذَلِكَ الْفَجْر الْمُعْتَرِض فِي الْأُفُق يَمْنَة وَيَسْرَة , وَبِهَذَا جَاءَتْ الْأَخْبَار وَمَضَتْ عَلَيْهِ الْأَمْصَار . رَوَى مُسْلِم عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَغُرَّنكُمْ مِنْ سُحُوركُمْ أَذَان بِلَال وَلَا بَيَاض الْأُفُق الْمُسْتَطِيل هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِير هَكَذَا ) , وَحَكَاهُ حَمَّاد بِيَدَيْهِ قَالَ : يَعْنِي مُعْتَرِضًا , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود : ( إِنَّ الْفَجْر لَيْسَ الَّذِي يَقُول هَكَذَا - وَجَمَعَ أَصَابِعه ثُمَّ نَكَّسَهَا إِلَى الْأَرْض - وَلَكِنْ الَّذِي يَقُول هَكَذَا - وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَة عَلَى الْمُسَبِّحَة وَمَدَّ يَدَيْهِ ) , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبَّاس أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( هُمَا فَجْرَانِ فَأَمَّا الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَب السِّرْحَان فَإِنَّهُ لَا يُحِلّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمهُ وَأَمَّا الْمُسْتَطِيل الَّذِي عَارَضَ الْأُفُق فَفِيهِ تَحِلّ الصَّلَاة وَيَحْرُم الطَّعَام ) هَذَا مُرْسَل وَقَالَتْ طَائِفَة : ذَلِكَ بَعْد طُلُوع الْفَجْر وَتَبَيُّنه فِي الطُّرُق وَالْبُيُوت , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَطَلْق بْن عَلِيّ وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَغَيْرهمْ أَنَّ الْإِمْسَاك يَجِب بِتَبْيِينِ الْفَجْر فِي الطُّرُق وَعَلَى رُءُوس الْجِبَال . وَقَالَ مَسْرُوق : لَمْ يَكُنْ يَعُدُّونَ الْفَجْر فَجْركُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْر الَّذِي يَمْلَأ الْبُيُوت , وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَاصِم عَنْ زِرّ قَالَ قُلْنَا لِحُذَيْفَة : أَيّ سَاعَة تَسَحَّرْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هُوَ النَّهَار إِلَّا أَنَّ الشَّمْس لَمْ تَطْلُع , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ طَلْق بْن عَلِيّ أَنَّ نَبِيّ اللَّه قَالَ : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا يَغُرَّنكُمْ السَّاطِع الْمُصْعِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْرِض لَكُمْ الْأَحْمَر ) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَيْس بْن طَلْق لَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَقَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْل الْيَمَامَة . قَالَ الطَّبَرِيّ : وَاَلَّذِي قَادَهُمْ إِلَى هَذَا أَنَّ الصَّوْم إِنَّمَا هُوَ فِي النَّهَار , وَالنَّهَار عِنْدهمْ مِنْ طُلُوع الشَّمْس , وَآخِره غُرُوبهَا , وَقَدْ مَضَى الْخِلَاف فِي هَذَا بَيْن اللُّغَوِيِّينَ . وَتَفْسِير رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّمَا هُوَ سَوَاد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار ) الْفَيْصَل فِي ذَلِكَ , وَقَوْله " أَيَّامًا مَعْدُودَات " [ الْبَقَرَة : 184 ] , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ لَمْ يُبَيِّت الصِّيَام قَبْل طُلُوع الْفَجْر فَلَا صِيَام لَهُ ) . تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاد عَنْ الْمُفَضَّل بْن فَضَالَة بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَكُلّهمْ ثِقَات . وَرُوِيَ عَنْ حَفْصَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ لَمْ يَجْمَع الصِّيَام قَبْل الْفَجْر فَلَا صِيَام لَهُ ) . رَفَعَهُ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَهُوَ مِنْ الثِّقَات الرُّفَعَاء , وَرُوِيَ عَنْ حَفْصَة مَرْفُوعًا مِنْ قَوْلهَا , فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيل عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُور فِي الْفَجْر , وَيُمْنَع الصِّيَام دُون نِيَّة قَبْل الْفَجْر , خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة , وَهِيَ :

وَذَلِكَ أَنَّ الصِّيَام مِنْ جُمْلَة الْعِبَادَات فَلَا يَصِحّ إِلَّا بِنِيَّةٍ , وَقَدْ وَقَّتَهَا الشَّارِع قَبْل الْفَجْر , فَكَيْف يُقَال : إِنَّ الْأَكْل وَالشُّرْب بَعْد الْفَجْر جَائِز وَرَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : أُنْزِلَتْ " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد " وَلَمْ يَنْزِل " مِنْ الْفَجْر " وَكَانَ رِجَال إِذَا أَرَادُوا الصَّوْم رَبَطَ أَحَدهمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْط الْأَبْيَض وَالْخَيْط الْأَسْوَد , وَلَا يَزَال يَأْكُل وَيَشْرَب حَتَّى يَتَبَيَّن لَهُ رُؤْيَتهمَا , فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد " مِنْ الْفَجْر " فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ بَيَاض النَّهَار . وَعَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , مَا الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد أَهُمَا الْخَيْطَانِ ؟ قَالَ : ( إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْت الْخَيْطَيْنِ - ثُمَّ قَالَ - لَا بَلْ هُوَ سَوَاد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَسُمِّيَ الْفَجْر خَيْطًا لِأَنَّ مَا يَبْدُو مِنْ الْبَيَاض يُرَى مُمْتَدًّا كَالْخَيْطِ . قَالَ الشَّاعِر : الْخَيْط الْأَبْيَض ضَوْء الصُّبْح مُنْفَلِق وَالْخَيْط الْأَسْوَد جُنْح اللَّيْل مَكْتُوم وَالْخَيْط فِي كَلَامهمْ عِبَارَة عَنْ اللَّوْن , وَالْفَجْر مَصْدَر فَجَّرْت الْمَاء أُفَجِّرهُ فَجْرًا إِذَا جَرَى وَانْبَعَثَ , وَأَصْله الشَّقّ , فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلطَّالِعِ مِنْ تَبَاشِير ضِيَاء الشَّمْس مِنْ مَطْلَعهَا : فَجْرًا لِانْبِعَاثِ ضَوْئِهِ , وَهُوَ أَوَّل بَيَاض النَّهَار الظَّاهِر الْمُسْتَطِير فِي الْأُفُق الْمُنْتَشِر , تُسَمِّيه الْعَرَب الْخَيْط الْأَبْيَض , كَمَا بَيَّنَّاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد الْإِيَادِيّ : فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سُدْفَة وَلَاحَ مِنْ الصُّبْح خَيْط أَنَارَا وَقَالَ آخَر : قَدْ كَادَ يَبْدُو وَبَدَتْ تُبَاشِرهُ وَسَدَف اللَّيْل الْبَهِيم سَاتِره وَقَدْ تُسَمِّيه أَيْضًا الصَّدِيع , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : اِنْصَدَعَ الْفَجْر , قَالَ بِشْر بْن أَبِي خَازِم أَوْ عَمْرو بْن مَعْدِيكَرِبَ : تَرَى السِّرْحَان مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأَنَّ بَيَاض لَبَّته صَدِيع وَشَبَّهَهُ الشَّمَّاخ بِمَفْرِقِ الرَّأْس فَقَالَ : إِذَا مَا اللَّيْل كَانَ الصُّبْح فِيهِ أَشُقّ كَمَفْرِقِ الرَّأْس الدَّهِين وَيَقُولُونَ فِي الْأَمْر الْوَاضِح : هَذَا كَفَلَقِ الصُّبْح , وَكَانْبِلَاجِ الْفَجْر , وَتَبَاشِير الصُّبْح . قَالَ الشَّاعِر : فَوَرَدْت قَبْل اِنْبِلَاج الْفَجْر وَابْن ذُكَاء كَامِن فِي كَفْر

فِيهَا سَبْعَة عَشَر مَسْأَلَة

الْأُولَى : جَعَلَ اللَّه جَلَّ ذِكْره اللَّيْل ظَرْفًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْب وَالْجِمَاع , وَالنَّهَار ظَرْفًا لِلصِّيَامِ , فَبَيَّنَ أَحْكَام الزَّمَانَيْنِ وَغَايَرَ بَيْنهمَا , فَلَا يَجُوز فِي الْيَوْم شَيْء مِمَّا أَبَاحَهُ بِاللَّيْلِ إِلَّا لِمُسَافِرٍ أَوْ مَرِيض , كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , فَمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَان مِنْ غَيْر مَنْ ذَكَرَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُون عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا , فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل فَقَالَ مَالِك : مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَان عَامِدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْب أَوْ جِمَاع فَعَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة , لِمَا رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ , وَمُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَان وَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ يُكَفِّر بِعِتْقِ رَقَبَة أَوْ صِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا ) الْحَدِيث , وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيّ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَغَيْره : إِنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَة إِنَّمَا تَخْتَصّ بِمَنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ , لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلَكْت يَا رَسُول اللَّه قَالَ : ( وَمَا أَهْلَكَك ) قَالَ : وَقَعْت عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَان . .. ) الْحَدِيث , وَفِيهِ ذِكْر الْكَفَّارَة عَلَى التَّرْتِيب , أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَحَمَلُوا هَذِهِ الْقَضِيَّة عَلَى الْقَضِيَّة الْأُولَى فَقَالُوا : هِيَ وَاحِدَة , وَهَذَا غَيْر مُسَلَّم بِهِ بَلْ هُمَا قَضِيَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ; لِأَنَّ مَسَاقهمَا مُخْتَلِف , وَقَدْ عَلَّقَ الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُجَرَّدًا عَنْ الْقُيُود فَلَزِمَ مُطْلَقًا , وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَالطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذِر , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاء فِي رِوَايَة , وَعَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , وَيَلْزَم الشَّافِعِيّ الْقَوْل بِهِ فَإِنَّهُ يَقُول : تَرْك الِاسْتِفْصَال مَعَ تَعَارُض الْأَحْوَال يَدُلّ عَلَى عُمُوم الْحُكْم , وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيّ عَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاء الْعُقُوبَة لِانْتِهَاك حُرْمَة الشَّهْر .

الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا يَجِب عَلَى الْمَرْأَة يَطَؤُهَا زَوْجهَا فِي رَمَضَان , فَقَالَ مَالِك وَأَبُو يُوسُف وَأَصْحَاب الرَّأْي : عَلَيْهَا مِثْل مَا عَلَى الزَّوْج , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا كَفَّارَة وَاحِدَة , وَسَوَاء طَاوَعَتْهُ أَوْ أَكْرَهَهَا ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ السَّائِل بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَة وَلَمْ يُفَصِّل . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة : إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا كَفَّارَة , وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة لَا غَيْر , وَهُوَ قَوْل سَحْنُون بْن سَعِيد الْمَالِكِيّ , وَقَالَ مَالِك : عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ , وَهُوَ تَحْصِيل مَذْهَبه عِنْد جَمَاعَة أَصْحَابه .

الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ أَوْ أَكَلَ , فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق : لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ شَيْء , لَا قَضَاء وَلَا كَفَّارَة , وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ : عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة , وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ عَطَاء . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاء أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة إِنْ جَامَعَ , وَقَالَ : مِثْل هَذَا لَا يُنْسَى , وَقَالَ قَوْم مِنْ أَهْل الظَّاهِر : سَوَاء وَطِئَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة , وَهُوَ قَوْل اِبْن الْمَاجِشُونِ عَبْد الْمَلِك , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَد بْن حَنْبَل ; لِأَنَّ الْحَدِيث الْمُوجِب لِلْكَفَّارَةِ لَمْ يُفَرَّق فِيهِ بَيْن النَّاسِي وَالْعَامِد . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا شَيْء عَلَيْهِ .

الرَّابِعَة : قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي : إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ فَطَّرَهُ فَجَامَعَ عَامِدًا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِهِ نَقُول , وَقِيلَ فِي الْمَذْهَب : عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة إِنْ كَانَ قَاصِدًا لِهَتْكِ حُرْمَة صَوْمه جُرْأَة وَتَهَاوُنًا . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ كَانَ يَجِب عَلَى أَصْل مَالِك أَلَّا يُكَفِّر ; لِأَنَّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فَهُوَ عِنْده مُفْطِر يَقْضِي يَوْمه ذَلِكَ , فَأَيّ حُرْمَة هَتَكَ وَهُوَ مُفْطِر , وَعِنْد غَيْر مَالِك : لَيْسَ بِمُفْطِرٍ كُلّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ .

قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور : إِنَّ كُلّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَإِنَّ صَوْمه تَامّ , لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَكَلَ الصَّائِم نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ - فِي رِوَايَة - وَلْيُتِمَّ صَوْمه فَإِنَّ اللَّه أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ ) . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح وَكُلّهمْ ثِقَات . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَثْرَم : سَمِعْت أَبَا عَبْد اللَّه يَسْأَل عَمَّنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي رَمَضَان , قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة . ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مَالِك : وَزَعَمُوا أَنَّ مَالِكًا يَقُول عَلَيْهِ الْقَضَاء وَضَحِكَ , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا شَيْء عَلَيْهِ , لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا : ( يَتِمّ صَوْمه ) وَإِذَا قَالَ ( يَتِمّ صَوْمه ) فَأَتَمَّهُ فَهُوَ صَوْم تَامّ كَامِل .

قُلْت : وَإِذَا كَانَ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَصَوْمه صَوْم تَامّ فَعَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة - وَاَللَّه أَعْلَم - كَمَنْ لَمْ يُفْطِر نَاسِيًا , وَقَدْ اِحْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى إِيجَاب الْقَضَاء بِأَنْ قَالُوا : الْمَطْلُوب مِنْهُ صِيَام يَوْم تَامّ لَا يَقَع بِهِ خَرْم , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام إِلَى اللَّيْل " وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى التَّمَام فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ , وَلَعَلَّ الْحَدِيث فِي صَوْم التَّطَوُّع لِخِفَّتِهِ , وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم : ( مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِم فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمه ) فَلَمْ يَذْكُر قَضَاء وَلَا تَعَرَّضَ لَهُ , بَلْ الَّذِي تَعَرَّضَ لَهُ سُقُوط الْمُؤَاخَذَة وَالْأَمْر بِمُضِيِّهِ عَلَى صَوْمه وَإِتْمَامه , هَذَا إِنْ كَانَ وَاجِبًا فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقَضَاء , فَأَمَّا صَوْم التَّطَوُّع فَلَا قَضَاء فِيهِ لِمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا قَضَاء عَلَيْهِ ) .

قُلْت : هَذَا مَا اِحْتَجَّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا وَهُوَ صَحِيح , لَوْلَا مَا صَحَّ عَنْ الشَّارِع مَا ذَكَرْنَاهُ , وَقَدْ جَاءَ بِالنَّصِّ الصَّرِيح الصَّحِيح وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْر رَمَضَان نَاسِيًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ اِبْن مَرْزُوق وَهُوَ ثِقَة عَنْ الْأَنْصَارِيّ , فَزَالَ الِاحْتِمَال وَارْتَفَعَ الْإِشْكَال , وَالْحَمْد لِلَّهِ ذِي الْجَلَال وَالْكَمَال .

الْخَامِسَة : لَمَّا بَيَّنَ سُبْحَانه مَحْظُورَات الصِّيَام وَهِيَ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع , وَلَمْ يَذْكُر الْمُبَاشَرَة الَّتِي هِيَ اِتِّصَال الْبَشَرَة بِالْبَشَرَةِ كَالْقُبْلَةِ وَالْجَسَّة وَغَيْرهَا , دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة صَوْم مَنْ قَبَّلَ وَبَاشَرَ ; لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَام إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ اللَّيْل وَهُوَ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة , وَلَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى غَيْرهَا بَلْ هُوَ مَوْقُوف عَلَى الدَّلِيل ; وَلِذَلِكَ شَاعَ الِاخْتِلَاف فِيهِ , وَاخْتَلَفَ عُلَمَاء السَّلَف فِيهِ , فَمِنْ ذَلِكَ الْمُبَاشَرَة . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُكْرَه لِمَنْ لَا يَأْمَن عَلَى نَفْسه وَلَا يَمْلِكهَا , لِئَلَّا يَكُون سَبَبًا إِلَى مَا يُفْسِد الصَّوْم . رَوَى مَالِك عَنْ نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ يَنْهَى عَنْ الْقُبْلَة وَالْمُبَاشَرَة لِلصَّائِمِ , وَهَذَا - وَاَللَّه أَعْلَم - خَوْف مَا يَحْدُث عَنْهُمَا , فَإِنْ قَبَّلَ وَسَلِمَ فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ إِنْ بَاشَرَ . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّل وَيُبَاشِر وَهُوَ صَائِم , وَمِمَّنْ كَرِهَ الْقُبْلَة لِلصَّائِمِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانه , وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَا أَعْلَم أَحَدًا رَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ يَعْلَم أَنَّهُ يَتَوَلَّد عَلَيْهِ مِنْهَا مَا يُفْسِد صَوْمه , فَإِنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة , قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن وَالشَّافِعِيّ , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَقَالَ : لَا لَيْسَ لِمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة حُجَّة . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَوْ قَبَّلَ فَأَمْذَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء عِنْدهمْ , وَقَالَ أَحْمَد : مَنْ قَبَّلَ فَأَمْذَى أَوْ أَمْنَى فَعَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ , إِلَّا عَلَى مَنْ جَامَعَ فَأَوْلَجَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك فِيمَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَأَنْعَظَ وَلَمْ يَخْرُج مِنْهُ مَاء جُمْلَة عَلَيْهِ الْقَضَاء , وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْهُ لَا قَضَاء عَلَيْهِ حَتَّى يُمْذِي . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد : وَاتَّفَقَ أَصْحَابنَا عَلَى أَلَّا كَفَّارَة عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ مَنِيًّا فَهَلْ تَلْزَمهُ الْكَفَّارَة مَعَ الْقَضَاء , فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُون قَبَّلَ قُبْلَة وَاحِدَة فَأَنْزَلَ , أَوْ قَبَّلَ فَالْتَذَّ فَعَاوَدَ فَأَنْزَلَ , فَإِنْ كَانَ قَبَّلَ قُبْلَة وَاحِدَة أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَمَسَ مَرَّة فَقَالَ أَشْهَب وَسَحْنُون : لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ حَتَّى يُكَرِّر , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : يُكَفِّر فِي ذَلِكَ كُلّه , إِلَّا فِي النَّظَر فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ حَتَّى يُكَرِّر . وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَة عَلَيْهِ إِذَا قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَاعَبَ اِمْرَأَته أَوْ جَامَعَ دُون الْفَرْج فَأَمْنَى : الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء وَابْن الْمُبَارَك وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق , وَهُوَ قَوْل مَالِك فِي الْمُدَوَّنَة , وَحُجَّة قَوْل أَشْهَب : أَنَّ اللَّمْس وَالْقُبْلَة وَالْمُبَاشَرَة لَيْسَتْ تُفْطِر فِي نَفْسهَا , وَإِنَّمَا يَبْقَى أَنْ تَئُول إِلَى الْأَمْر الَّذِي يَقَع بِهِ الْفِطْر , فَإِذَا فَعَلَ مَرَّة وَاحِدَة لَمْ يَقْصِد الْإِنْزَال وَإِفْسَاد الصَّوْم فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ كَالنَّظَرِ إِلَيْهَا , وَإِذَا كَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَصَدَ إِفْسَاد صَوْمه فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَة كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ النَّظَر . قَالَ اللَّخْمِيّ : وَاتَّفَقَ جَمِيعهمْ فِي الْإِنْزَال عَنْ النَّظَر أَلَّا كَفَّارَة عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُتَابِع , وَالْأَصْل أَنَّهُ لَا تَجِب الْكَفَّارَة إِلَّا عَلَى مَنْ قَصَدَ الْفِطْر وَانْتِهَاك حُرْمَة الصَّوْم , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُنْظَر إِلَى عَادَة مَنْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنه أَنْ يُنْزِل عَنْ قُبْلَة أَوْ مُبَاشَرَة مَرَّة , أَوْ كَانَتْ عَادَته مُخْتَلِفَة : مَرَّة يُنْزِل , وَمَرَّة لَا يُنْزِل , رَأَيْت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة ; لِأَنَّ فَاعِل ذَلِكَ قَاصِد لِانْتِهَاكِ صَوْمه أَوْ مُتَعَرِّض لَهُ , وَإِنْ كَانَتْ عَادَته السَّلَامَة فَقُدِّرَ أَنْ يَكُون مِنْهُ خِلَاف الْعَادَة لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَة , وَقَدْ يُحْتَمَل قَوْل مَالِك فِي وُجُوب الْكَفَّارَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي إِلَّا مِمَّنْ يَكُون ذَلِكَ طَبْعه وَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ . وَحَمَلَ أَشْهَب الْأَمْر عَلَى الْغَالِب مِنْ النَّاس أَنَّهُمْ يَسْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ , وَقَوْلهمْ فِي النَّظَر دَلِيل عَلَى ذَلِكَ .

قُلْت : مَا حَكَاهُ مِنْ الِاتِّفَاق فِي النَّظَر وَجَعَلَهُ أَصْلًا لَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ حَكَى الْبَاجِيّ فِي الْمُنْتَقَى " فَإِنْ نَظَرَ نَظْرَة وَاحِدَة يَقْصِد بِهَا اللَّذَّة فَقَدْ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن : عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة . قَالَ الْبَاجِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدِي ; لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ الِاسْتِمْتَاع كَانَ كَالْقُبْلَةِ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الِاسْتِمْتَاع , وَاَللَّه أَعْلَم " , وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي فِيمَنْ رَدَّدَ النَّظَر إِلَى الْمَرْأَة حَتَّى أَمْنَى : فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة , قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر . قَالَ الْبَاجِيّ : وَرَوَى فِي الْمُدَوَّنَة اِبْن نَافِع عَنْ مَالِك أَنَّهُ إِنْ نَظَر إِلَى اِمْرَأَته مُتَجَرِّدَة فَالْتَذَّ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاء دُون الْكَفَّارَة .

السَّادِسَة : وَالْجُمْهُور عَلَى صِحَّة صَوْم مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْر وَهُوَ جُنُب , وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : " وَذَلِكَ جَائِز إِجْمَاعًا , وَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِيهِ بَيْن الصَّحَابَة كَلَام ثُمَّ اِسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَإِنَّ صَوْمه صَحِيح " .

قُلْت : أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ وُقُوع الْكَلَام فَصَحِيح مَشْهُور , وَذَلِكَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْم لَهُ , أَخْرَجَهُ الْمُوَطَّأ وَغَيْره , وَفِي كِتَاب النَّسَائِيّ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا رُوجِعَ : وَاَللَّه مَا أَنَا قُلْته , مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّه قَالَهُ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي رُجُوعه عَنْهَا , وَأَشْهَر قَوْلَيْهِ عِنْد أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ لَا صَوْم لَهُ , حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا قَوْل ثَالِث قَالَ : إِذَا عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى يُصْبِح فَهُوَ مُفْطِر , وَإِنْ لَمْ يَعْلَم حَتَّى أَصْبَحَ فَهُوَ صَائِم , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاء وَطَاوُس وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَالنَّخَعِيّ أَنَّ ذَلِكَ يَجْزِي فِي التَّطَوُّع وَيُقْضَى فِي الْفَرْض .

قُلْت : فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقْوَال لِلْعُلَمَاءِ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا , وَالصَّحِيح مِنْهَا مَذْهَب الْجُمْهُور , لِحَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَأُمّ سَلَمَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِح جُنُبًا مِنْ جِمَاع غَيْر اِحْتِلَام ثُمَّ يَصُوم . وَعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكهُ الْفَجْر فِي رَمَضَان وَهُوَ جُنُب مِنْ غَيْر حُلْم فَيَغْتَسِل وَيَصُوم , أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَهُوَ الَّذِي يُفْهَم مِنْ ضَرُورَة قَوْله تَعَالَى : " فَالْآن بَاشِرُوهُنَّ " الْآيَة , فَإِنَّهُ لَمَّا مَدَّ إِبَاحَة الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفَجْر فَبِالضَّرُورَةِ يَعْلَم أَنَّ الْفَجْر يَطْلُع عَلَيْهِ وَهُوَ جُنُب , وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى الْغُسْل بَعْد الْفَجْر , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ : وَلَوْ كَانَ الذَّكَر دَاخِل الْمَرْأَة فَنَزَعَهُ مَعَ طُلُوع الْفَجْر أَنَّهُ لَا قَضَاء عَلَيْهِ , وَقَالَ الْمُزَنِيّ : عَلَيْهِ الْقَضَاء لِأَنَّهُ مِنْ تَمَام الْجِمَاع , وَالْأَوَّل أَصَحّ لِمَا ذَكَرْنَا , وَهُوَ قَوْل عُلَمَائِنَا .

السَّابِعَة : وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَائِض تَطْهُر قَبْل الْفَجْر وَتَتْرُك التَّطَهُّر حَتَّى تُصْبِح , فَجُمْهُورهمْ عَلَى وُجُوب الصَّوْم عَلَيْهَا وَإِجْزَائِهِ , سَوَاء تَرَكَتْهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا كَالْجُنُبِ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَابْن الْقَاسِم , وَقَالَ عَبْد الْمَلِك : إِذَا طَهُرَتْ الْحَائِض قَبْل الْفَجْر فَأَخَّرَتْ غُسْلهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْر فَيَوْمهَا يَوْم فِطْر ; لِأَنَّهَا فِي بَعْضه غَيْر طَاهِرَة , وَلَيْسَتْ كَالْجُنُبِ لِأَنَّ الِاحْتِلَام لَا يَنْقُض الصَّوْم , وَالْحَيْضَة تَنْقُضهُ . هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَج فِي كِتَابه عَنْ عَبْد الْمَلِك , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : تَقْضِي لِأَنَّهَا فَرَّطَتْ فِي الِاغْتِسَال , وَذَكَرَ اِبْن الْجَلَّاب عَنْ عَبْد الْمَلِك أَنَّهَا إِنْ طَهُرَتْ قَبْل الْفَجْر فِي وَقْت يُمْكِنهَا فِيهِ الْغُسْل فَفَرَّطَتْ وَلَمْ تَغْتَسِل حَتَّى أَصْبَحَتْ لَمْ يَضُرّهَا كَالْجُنُبِ , وَإِنْ كَانَ الْوَقْت ضَيِّقًا لَا تُدْرِك فِيهِ الْغُسْل لَمْ يَجُزْ صَوْمهَا وَيَوْمهَا يَوْم فِطْر , وَقَالَهُ مَالِك , وَهِيَ كَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهَا الْفَجْر وَهِيَ حَائِض , وَقَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة فِي هَذِهِ : تَصُوم وَتَقْضِي , مِثْل قَوْل الْأَوْزَاعِيّ , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ شَذَّ فَأَوْجَبَ عَلَى مَنْ طَهُرَتْ قَبْل الْفَجْر فَفَرَّطَتْ وَتَوَانَتْ وَتَأَخَّرَتْ حَتَّى تُصْبِح - الْكَفَّارَة مَعَ الْقَضَاء .

الثَّامِنَة : وَإِذَا طَهُرَتْ الْمَرْأَة لَيْلًا فِي رَمَضَان فَلَمْ تَدْرِ أَكَانَ ذَلِكَ قَبْل الْفَجْر أَوْ بَعْده , صَامَتْ وَقَضَتْ ذَلِكَ الْيَوْم اِحْتِيَاطًا , وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهَا .

التَّاسِعَة : رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم ) . مِنْ حَدِيث ثَوْبَان وَحَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس وَحَدِيث رَافِع بْن خَدِيج , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَصَحَّحَ أَحْمَد حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس , وَصَحَّحَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج , وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ : لَا قَضَاء عَلَيْهِ , إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْل التَّغْرِير , وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ ؟ قَالَ لَا , إِلَّا مِنْ أَجْل الضَّعْف , وَقَالَ أَبُو عُمَر : حَدِيث شَدَّاد وَرَافِع وَثَوْبَان عِنْدنَا مَنْسُوخ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اِحْتَجَمَ صَائِمًا مُحْرِمًا ) لِأَنَّ فِي حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس وَغَيْره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَام الْفَتْح عَلَى رَجُل يَحْتَجِم لِثَمَانِ عَشْرَة لَيْلَة خَلَتْ مِنْ رَمَضَان فَقَالَ : ( أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم ) وَاحْتَجَمَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام حَجَّة الْوَدَاع وَهُوَ مُحْرِم صَائِم , فَإِذَا كَانَتْ حَجَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام حَجَّة الْوَدَاع فَهِيَ نَاسِخَة لَا مَحَالَة ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدْرِكهُ بَعْد ذَلِكَ رَمَضَان ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي رَبِيع الْأَوَّل .

الْعَاشِرَة : " ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام " أَمْر يَقْتَضِي الْوُجُوب مِنْ غَيْر خِلَاف . و " إِلَى " غَايَة , فَإِذَا كَانَ مَا بَعْدهَا مِنْ جِنْس مَا قَبْلهَا فَهُوَ دَاخِل فِي حُكْمه , كَقَوْلِهِ اِشْتَرَيْت الْفَدَّان إِلَى حَاشِيَته , أَوْ اِشْتَرَيْت مِنْك مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَة - وَالْمَبِيع شَجَر , فَإِنَّ الشَّجَرَة دَاخِلَة فِي الْمَبِيع . بِخِلَافِ قَوْلك : اِشْتَرَيْت الْفَدَّان إِلَى الدَّار , فَإِنَّ الدَّار لَا تَدْخُل فِي الْمَحْدُود إِذْ لَيْسَ مِنْ جِنْسه , فَشَرَطَ تَعَالَى تَمَام الصَّوْم حَتَّى يَتَبَيَّن اللَّيْل , كَمَا جَوَّزَ الْأَكْل حَتَّى يَتَبَيَّن النَّهَار .

الْحَادِيَة عَشْرَة : مِنْ تَمَام الصَّوْم اِسْتِصْحَاب النِّيَّة دُون رَفْعهَا , فَإِنْ رَفَعَهَا فِي بَعْض النَّهَار وَنَوَى الْفِطْر إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَب فَجَعَلَهُ فِي الْمُدَوَّنَة مُفْطِرًا وَعَلَيْهِ الْقَضَاء , وَفِي كِتَاب اِبْن حَبِيب أَنَّهُ عَلَى صَوْمه , قَالَ : وَلَا يُخْرِجهُ مِنْ الصَّوْم إِلَّا الْإِفْطَار بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ بِالنِّيَّةِ , وَقِيلَ : عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة , وَقَالَ سَحْنُون : إِنَّمَا يُكَفِّر مِنْ بَيَّتَ الْفِطْر , فَأَمَّا مَنْ نَوَاهُ فِي نَهَاره فَلَا يَضُرّهُ , وَإِنَّمَا يَقْضِي اِسْتِحْسَانًا . قُلْت : هَذَا حَسَن .

الثَّانِيَة عَشْرَة : قَوْله تَعَالَى : " إِلَى اللَّيْل " إِذَا تَبَيَّنَ اللَّيْل سُنَّ الْفِطْر شَرْعًا , أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ عَنْ رَجُل حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يُفْطِر عَلَى حَارّ وَلَا بَارِد , فَأَجَابَ أَنَّهُ بِغُرُوبِ الشَّمْس مُفْطِر لَا شَيْء عَلَيْهِ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا جَاءَ اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَار مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم ) , وَسُئِلَ عَنْهَا الْإِمَام أَبُو نَصْر بْن الصَّبَّاغ صَاحِب الشَّامِل فَقَالَ : لَا بُدّ أَنْ يُفْطِر عَلَى حَارّ أَوْ بَارِد , وَمَا أَجَابَ بِهِ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة .

الثَّالِثَة عَشْرَة : فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْس قَدْ غَابَتْ لِغَيْمٍ أَوْ غَيْره ثُمَّ ظَهَرَتْ الشَّمْس فَعَلَيْهِ الْقَضَاء فِي قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء , وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَتْ : أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم غَيْم ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْس , قِيلَ لِهِشَامٍ : فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ , قَالَ : فَلَا بُدّ مِنْ قَضَاء ؟ . قَالَ عُمَر فِي الْمُوَطَّأ فِي هَذَا : الْخَطْب يَسِير , وَقَدْ اِجْتَهَدْنَا فِي الْوَقْت يُرِيد الْقَضَاء , وَرُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ : لَا قَضَاء عَلَيْهِ , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَا قَضَاء عَلَيْهِ كَالنَّاسِي , وَهُوَ قَوْل إِسْحَاق وَأَهْل الظَّاهِر , وَقَوْل اللَّه تَعَالَى : " إِلَى اللَّيْل " يَرُدّ هَذَا الْقَوْل , وَاَللَّه أَعْلَم .

الرَّابِعَة عَشْرَة : فَإِنْ أَفْطَرَ وَهُوَ شَاكّ فِي غُرُوبهَا كَفَّرَ مَعَ الْقَضَاء , قَالَهُ مَالِك إِلَّا أَنْ يَكُون الْأَغْلَب عَلَيْهِ غُرُوبهَا , وَمَنْ شَكَّ عِنْده فِي طُلُوع الْفَجْر لَزِمَهُ الْكَفّ عَنْ الْأَكْل , فَإِنْ أَكَلَ مَعَ شَكّه فَعَلَيْهِ الْقَضَاء كَالنَّاسِي , لَمْ يَخْتَلِف فِي ذَلِكَ قَوْله , وَمِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرهَا مَنْ لَا يَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى يَتَبَيَّن لَهُ طُلُوع الْفَجْر , وَبِهِ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر , وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَقَدْ ظَنَّ قَوْم أَنَّهُ إِذَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْر إِلَى أَوَّل الْفَجْر
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • محاسن الصدق ومساوئ الكذب

    في هذه الرسالة بيان بعض محاسن الصدق ومساوئ الكذب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209197

    التحميل:

  • درء الفتنة عن أهل السنة

    درء الفتنة عن أهل السنة : موضوع هذا الكتاب: هو بيان المعتقد الحق الذي أجمع عليه المسلمون من الصحابة - رضي الله عنهم - فمن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، وذلك في بيان حقيقة الإيمان من أنه: اعتقاد وقول وعمل، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وبيان ما يضاده من أنواع الكفر: الاعتقادي القولي، والعملي، وكفر الإباء والإعراض ... وشروط الحكم بذلك، وموانعه، مع ذكر بعض أقوال السلف في ذم المرجئة، الذين يؤخرون العمل عن الإيمان، و بيان آثاره السيئة على الإسلام و المسلمين.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/152875

    التحميل:

  • العشرة المُبشَّرون بالجنة: قبسات ولمحات

    العشرة المُبشَّرون بالجنة: قبسات ولمحات: في هذه الكتاب القيِّم ذكر أخبارٍ موجزة وآثارٍ مختصرة عن العشرة المُبشَّرين بالجنة - رضي الله عنهم - الذين ورد ذكرهم في حديثٍ خاصٍّ بهم، ولم يستقصِ الكاتبُ في ذكر مناقبهم ومحاسنهم، وإنما هي شذراتٌ ولمحاتٌ من حياة خير أتباعٍ للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339677

    التحميل:

  • جوامع الدعاء

    جوامع الدعاء: تحتوي هذه الرسالة على خمسة فصول بعد المقدمة وهي: الأول: في حق الدعاء وفضله. الثاني: في شروط الدعاء وآدابه. الثالث: في أحوال مختصة بالإجابة. الرابع: في أدعية مختارة من القرآن الكريم. الخامس: في أدعية مختارة من السنة المطهرة. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166513

    التحميل:

  • مختصر تفسير ابن كثير [ عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ]

    مختصر تفسير ابن كثير [ عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ] : هذا مختصر تفسير ابن كثير للشيخ أحمد شاكر، وقد حافظ المختصر على ميزات الأصل، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، وجمع الآيات التي تدل على المعنى المراد من الآية المفسرة أو تؤيده أو تقويه، ثم التفسير بالسنة الصحيحة، ثم ذِكْرُ كثير من أقوال السلف في تفسير الآي. وحذف أسانيد الأحاديث مكتفياً بذكر الصحابي وتخريج ابن كثير له، كما حذف كل حديث ضعيف أو معلول – في تقديره طبعاً –، وحذف المكرر من أقوال الصحابة والتابعين اكتفاء ببعضها، وحذف الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها، وما أطال به المؤلف من الأبحاث الكلامية والفروع الفقهية، والمناقشات اللغوية واللفظية مما لا يتصل بتفسير الآية اتصالاً وثيقاً. واقتصر في الأحاديث الطويلة والأحداث التاريخية المطولة على موضع الشاهد منها. وقد حافظ المختصر على آراء الحافظ المؤلف وترجيحاته في تفسير الآيات، مجتهداً في إبقاء كلامه بحروفه ما استطاع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141382

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة