Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 174

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) (البقرة) mp3
يَعْنِي عُلَمَاء الْيَهُود , كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي التَّوْرَاة مِنْ صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِحَّة رِسَالَته , وَمَعْنَى " أَنْزَلَ " : أَظْهَرَ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه " [ الْأَنْعَام : 93 ] أَيْ سَأُظْهِرُ , وَقِيلَ : هُوَ عَلَى بَابه مِنْ النُّزُول , أَيْ مَا أَنْزَلَ بِهِ مَلَائِكَته عَلَى رُسُله .


أَيْ بِالْمَكْتُومِ

يَعْنِي أَخْذ الرِّشَاء , وَسَمَّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطَاعِ مُدَّته وَسُوء عَاقِبَته , وَقِيلَ : لِأَنَّ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الرِّشَاء كَانَ قَلِيلًا .

قُلْت : وَهَذِهِ الْآيَة وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَخْبَار فَإِنَّهَا تَتَنَاوَل مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ كَتَمَ الْحَقّ مُخْتَارًا لِذَلِكَ بِسَبَبِ دُنْيَا يُصِيبهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى .


ذَكَرَ الْبُطُون دَلَالَة وَتَأْكِيدًا عَلَى حَقِيقَة الْأَكْل , إِذْ قَدْ يُسْتَعْمَل مَجَازًا فِي مِثْل أَكَلَ فُلَان أَرْضِي وَنَحْوه , وَفِي ذِكْر الْبُطُون أَيْضًا تَنْبِيه عَلَى جَشَعهمْ وَأَنَّهُمْ بَاعُوا آخِرَتهمْ بِحَظِّهِمْ مِنْ الْمَطْعَم الَّذِي لَا خَطَر لَهُ .


أَيْ إِنَّهُ حَرَام يُعَذِّبهُمْ اللَّه عَلَيْهِ بِالنَّارِ , فَسُمِّيَ مَا أَكَلُوهُ مِنْ الرِّشَاء نَارًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّيهِمْ إِلَى النَّار , هَكَذَا قَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . وَقِيلَ : أَيْ إِنَّهُ يُعَاقِبهُمْ عَلَى كِتْمَانهمْ بِأَكْلِ النَّار فِي جَهَنَّم حَقِيقَة , فَأَخْبَرَ عَنْ الْمَآل بِالْحَالِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا " [ النِّسَاء : 10 ] أَيْ أَنَّ عَاقِبَته تَئُول إِلَى ذَلِكَ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ قَالَ : فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِد الْوَالِدَة آخَر : وَدُورنَا لِخَرَابِ الدَّهْر نَبْنِيهَا وَهُوَ فِي الْقُرْآن وَالشِّعْر كَثِير .


عِبَارَة عَنْ الْغَضَب عَلَيْهِمْ وَإِزَالَة الرِّضَا عَنْهُمْ , يُقَال : فُلَان لَا يُكَلِّم فُلَانًا إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ , وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الْمَعْنَى " وَلَا يُكَلِّمهُمْ " بِمَا يُحِبُّونَهُ , وَفِي التَّنْزِيل " اِخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 108 ] , وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَا يُرْسِل إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة بِالتَّحِيَّةِ .


أَيْ لَا يُصْلِح أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة فَيُطَهِّرهُمْ , وَقَالَ الزَّجَّاج : لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا وَلَا يُسَمِّيهِمْ أَزْكِيَاء .


بِمَعْنَى مُؤْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم شَيْخ زَانٍ وَمَلِك كَذَّاب وَعَائِل مُسْتَكْبِر ) . وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِأَلِيمِ الْعَذَاب وَشِدَّة الْعُقُوبَة لِمَحْضِ الْمُعَانَدَة وَالِاسْتِخْفَاف الْحَامِل لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَعَاصِي , إِذْ لَمْ يَحْمِلهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَاجَة , وَلَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ ضَرُورَة كَمَا تَدْعُو مَنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلهمْ , وَمَعْنَى " لَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ " لَا يَرْحَمهُمْ وَلَا يَعْطِف عَلَيْهِمْ , وَسَيَأْتِي فِي " آل عِمْرَان " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • قضايا تهم المرأة

    قضايا تهم المرأة : فقد رأيت أن أفرد من كتابي «الثمار اليانعة من الكلمات الجامعة» قضايا تهم المرأة، ونحو ربها ودينها ودنياها وآخرتها في الحث «على الزواج وبيان فوائده» والتحذير من غلاء المهور وبيان أضراره، وذكر العلاقات بين الزوجين في نظر الإسلام، وإباحة تعدد الزوجات في الإسلام، ووجوب الحجاب على المرأة المسلمة صيانة لها، وبيان ما يلزم المحدة على زوجها من الأحكام (وذكر خطورة الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم). (وصفات نساء الجنة) (وصفات نساء النار، والحث على وقاية الأنفس والأهل من النار). «وبيان حكم مصافحة المرأة الأجنبية التي ليس محرما». «وبيان أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس». «وما جاء في زكاة الحلي، وبيان تحريم تبرج النساء، واختلاطهن بالرجال والأمر بالحجاب، وأن النساء على النصف من الرجال في بعض الأحكام، وذكر نقد مساواة المرأة بالرجل على ضوء الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209159

    التحميل:

  • الاختلاف في العمل الإسلامي: الأسباب والآثار

    الاختلاف في العمل الإسلامي: لا يخفى على كل مسلم بصيرٍ ما تعيشه أمة الإسلام من شتات وفُرقة، واختلافات أوجَبَت عداوةً وشِقاق؛ إذ تجاذَبَت أهلها الأهواء، وتشعَّبَت بهم البدع، وتفرَّقَت بهم السُّبُل. وإذا كان المسلمون اليوم يلتمسون الخروج من هذا المأزق فلا سبيل إلا بالاعتصام بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، مُجتمعين غير مُتفرِّقين، مُتعاضدين غير مُختلفين. وحول هذا الموضوع من خلال الدعوة إلى الله والعمل للإسلام يدور موضوع الكتاب.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337309

    التحميل:

  • الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم

    الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم: هذا الكتاب يعرِض جانبًا من جوانب سيرة النبي المختار - صلى الله عليه وسلم -، وهو الجانب التعليمي؛ حيث ذكر العديد من الوسائل والأساليب التي كان يستخدمها - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الدين لأصحابه وتصويب الأخطاء لمن وقعت منه؛ ليكون لنا في ذلك الأسوة والقدوة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333176

    التحميل:

  • شرح كتاب الطهارة من بلوغ المرام

    شرح كتاب الطهارة من بلوغ المرام: شرحٌ مُيسَّرٌ لباب الآنية من كتاب الطهارة من الكتاب النافع: «بلوغ المرام».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314983

    التحميل:

  • من أخلاق الأنبياء عليهم السلام

    من أخلاق الأنبياء عليهم السلام : قال فضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - « فقد قرأ ُت الرِّسالة التي بعنوان من أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأليف الشيخ: عبدالعزيز بن محمَّد بن عبدالله السدحان، فوجدتها رسالة مفيدة في موضوعها، جيِّدة في عرضها وأسلوبها، تحث على الاقتداء بالأنبياء ... ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233555

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة