Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 165

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) (البقرة) mp3
لَمَّا أَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي الْآيَة قَبْل مَا دَلَّ عَلَى وَحْدَانِيّته وَقُدْرَته وَعِظَم سُلْطَانه أَخْبَرَ أَنَّ مَعَ هَذِهِ الْآيَات الْقَاهِرَة لِذَوِي الْعُقُول مَنْ يَتَّخِذ مَعَهُ أَنْدَادًا , وَوَاحِدهَا نِدّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْمُرَاد الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا كَعِبَادَةِ اللَّه مَعَ عَجْزهَا , قَالَهُ مُجَاهِد .


أَيْ يُحِبُّونَ أَصْنَامهمْ عَلَى الْبَاطِل كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ عَلَى الْحَقّ , قَالَهُ الْمُبَرِّد , وَقَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاج . أَيْ أَنَّهُمْ مَعَ عَجْز الْأَصْنَام يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ مَعَ قُدْرَته . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : الْمُرَاد بِالْأَنْدَادِ الرُّؤَسَاء الْمُتَّبَعُونَ , يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّه . وَجَاءَ الضَّمِير فِي " يُحِبُّونَهُمْ " عَلَى هَذَا عَلَى الْأَصْل , وَعَلَى الْأَوَّل جَاءَ ضَمِير الْأَصْنَام ضَمِير مَنْ يَعْقِل عَلَى غَيْر الْأَصْل . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان وَالزَّجَّاج أَيْضًا : مَعْنَى " يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه " أَيْ يُسَوُّونَ بَيْن الْأَصْنَام وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فِي الْمَحَبَّة . قَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَهَذَا الْقَوْل الصَّحِيح , وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّته : " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبًّا لِلَّهِ " وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء " يَحِبُّونَهُمْ " بِفَتْحِ الْيَاء . وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْقُرْآن , وَهِيَ لُغَة , يُقَال : حَبَبْت الرَّجُل فَهُوَ مَحْبُوب . قَالَ الْفَرَّاء : أَنْشَدَنِي أَبُو تُرَاب : أُحِبّ لِحُبِّهَا السُّودَان حَتَّى حَبَبْت لِحُبِّهَا سُود الْكِلَاب و " مَنْ " فِي قَوْله " مَنْ يَتَّخِذ " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ و " يَتَّخِذ " عَلَى اللَّفْظ , وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن " يَتَّخِذُونَ " عَلَى الْمَعْنَى و " يُحِبُّونَهُمْ " عَلَى الْمَعْنَى و " يُحِبّهُمْ " عَلَى اللَّفْظ , وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الضَّمِير الَّذِي فِي " يَتَّخِذ " أَيْ مُحِبِّينَ , وَإِنْ شِئْت كَانَ نَعْتًا لِلْأَنْدَادِ , أَيْ مَحْبُوبَة . وَالْكَاف مِنْ " كَحُبِّ " نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف , أَيْ يُحِبُّونَهُمْ حُبًّا كَحُبِّ اللَّه . " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبًّا لِلَّهِ " أَيْ أَشَدّ مِنْ حُبّ أَهْل الْأَوْثَان لِأَوْثَانِهِمْ وَالتَّابِعِينَ لِمَتْبُوعِهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبًّا لِلَّهِ " لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحَبَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ أَحَبُّوهُ . وَمَنْ شَهِدَ لَهُ مَحْبُوبه بِالْمَحَبَّةِ كَانَتْ مَحَبَّته أَتَمَّ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " [ الْمَائِدَة : 54 ] . وَسَيَأْتِي بَيَان حُبّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحُبّه لَهُمْ فِي سُورَة " آل عِمْرَان " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الشَّام بِالتَّاءِ , وَأَهْل مَكَّة وَأَهْل الْكُوفَة وَأَبُو عَمْرو بِالْيَاءِ , وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد . وَفِي الْآيَة إِشْكَال وَحَذْف , فَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الْمَعْنَى لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي الدُّنْيَا عَذَاب الْآخِرَة لَعَلِمُوا حِين يَرَوْنَهُ أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ جَمِيعًا . و " يَرَى " عَلَى هَذَا مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر . قَالَ النَّحَّاس فِي كِتَاب " مَعَانِي الْقُرْآن " لَهُ : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْل التَّفْسِير . وَقَالَ فِي كِتَاب " إِعْرَاب الْقُرْآن " لَهُ : وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد أَنَّهُ قَالَ : هَذَا التَّفْسِير الَّذِي جَاءَ بِهِ أَبُو عُبَيْد بَعِيد , وَلَيْسَتْ عِبَارَته فِيهِ بِالْجَيِّدَةِ ; لِأَنَّهُ يُقَدِّر : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَاب , فَكَأَنَّهُ يَجْعَلهُ مَشْكُوكًا فِيهِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ اللَّه تَعَالَى , وَلَكِنْ التَّقْدِير وَهُوَ قَوْل الْأَخْفَش : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ . و " يَرَى " بِمَعْنَى يَعْلَم , أَيْ لَوْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَة قُوَّة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَشِدَّة عَذَابه , ف " يَرَى " وَاقِعَة عَلَى أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ , وَسَدَّتْ مَسَد الْمَفْعُولَيْنِ . و " الَّذِينَ " فَاعِل " يَرَى " , وَجَوَاب " لَوْ " مَحْذُوف , أَيْ لِتُبَيِّنُوا ضَرَر اِتِّخَاذهمْ الْآلِهَة , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ . " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبّهمْ " [ الْأَنْعَام : 30 ] , " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار " [ الْأَنْعَام : 27 ] وَلَمْ يَأْتِ ل " لَوْ " جَوَاب . قَالَ الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة : الْإِضْمَار أَشَدّ لِلْوَعِيدِ , وَمِثْله قَوْل الْقَائِل : لَوْ رَأَيْت فُلَانًا وَالسِّيَاط تَأْخُذهُ وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَالتَّقْدِير : وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّد الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي حَال رُؤْيَتهمْ الْعَذَاب وَفَزَعهمْ مِنْهُ وَاسْتِعْظَامهمْ لَهُ لَأَقَرُّوا أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ , فَالْجَوَاب مُضْمَر عَلَى هَذَا النَّحْو مِنْ الْمَعْنَى وَهُوَ الْعَامِل فِي " أَنَّ " . وَتَقْدِير آخَر : وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّد الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي حَال رُؤْيَتهمْ الْعَذَاب وَفَزَعهمْ مِنْهُ لَعَلِمْت أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ جَمِيعًا . وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ ذَلِكَ , وَلَكِنْ خُوطِبَ وَالْمُرَاد أُمَّته , فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَحْتَاج إِلَى تَقْوِيَة عِلْمه بِمُشَاهَدَةِ مِثْل هَذَا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلظَّالِمِ هَذَا . وَقِيلَ : " أَنَّ " فِي مَوْضِع نَصْب مَفْعُول مِنْ أَجْله , أَيْ لِأَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ جَمِيعًا . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ . وَأَغْفِر عَوْرَاء الْكَرِيم اِدِّخَاره وَأَعْرِض عَنْ شَتْم اللَّئِيم تَكَرُّمَا أَيْ لِادِّخَارِهِ , وَالْمَعْنَى : وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّد الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي حَال رُؤْيَتهمْ لِلْعَذَابِ لِأَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ لَعَلِمْت مَبْلَغهمْ مِنْ النَّكَال وَلَاسْتَعْظَمْت مَا حَلَّ بِهِمْ . وَدَخَلَتْ " إِذْ " وَهِيَ لِمَا مَضَى فِي إِثْبَات هَذِهِ الْمُسْتَقْبَلَات تَقْرِيبًا لِلْأَمْرِ وَتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحْده " يُرَوْنَ " بِضَمِّ الْيَاء , وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا . وَقَرَأَ الْحَسَن وَيَعْقُوب وَشَيْبَة وَسَلَّام وَأَبُو جَعْفَر " إِنَّ الْقُوَّة , وَ " إِنَّ اللَّه " بِكَسْرِ الْهَمْزَة فِيهِمَا عَلَى الِاسْتِئْنَاف أَوْ عَلَى تَقْدِير الْقَوْل , أَيْ وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَاب يَقُولُونَ إِنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ . وَثَبَتَ بِنَصِّ هَذِهِ الْآيَة الْقُوَّة لِلَّهِ , بِخِلَافِ قَوْل الْمُعْتَزِلَة فِي نَفْيهمْ مَعَانِي الصِّفَات الْقَدِيمَة , تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْلهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تفسير الفاتحة

    تفسير الفاتحة: جاء هذا التفسير ليس بالطويل المُملّ، ولا بالقصير المُخِلّ، لا يرتقي عن مدارك العامة، ولا يقصُر عن مطالب الخاصة، إن قرأ فيه المُبتدئُ وجد فيه بُغيتَه، وإن قرأ فيه المُنتهِي نالَ منه حليتَه، فيه الفوائد الجمَّة، والأبحاث القيِّمة.

    المدقق/المراجع: فهد بن عبد الرحمن الرومي

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364166

    التحميل:

  • الغلو [ الأسباب والعلاج ]

    الغلو [ الأسباب والعلاج ] : بعض الأفكار والانطباعات والاقتراحات حول التكفير والعنف (الغلو) حقيقته وأسبابه وعلاجه، وهي عناصر وخواطر كتبت على عجل.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144876

    التحميل:

  • طهور المسلم في ضوء الكتاب والسنة

    طهور المسلم في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في مفهوم، وفضائل، وآداب، وأحكام الطهارة التي هي شطر الإيمان، ومفتاح الصلاة، بيّن فيها المصنف - حفظه الله - كل ما يحتاجه المسلم في طهارته ونظافته ونزاهته.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1926

    التحميل:

  • القرآن المذهل [ القرآن المعجز ]

    القرآن المذهل: ليس المسلمون وحدهم من أطلق على القرآن الكريم أنه رائع ومدهش، وهم فقط الذين يُقدِّرون هذا الكتاب ويُجلُّونه، في الحقيقة فقد أطلق عليه غير المسلمين هذه الصفة، وحتى من أناس يكرهون الإسلام كراهية كبيرة، ما زالوا يُطلقون عليه هذه الصفة. ومن هؤلاء: أستاذ اللاهوت وعالم الرياضيات الدكتور «جاري ميلر»; إذ أسلم بسبب نظره في القرآن بقصد إخراج الأخطاء منه، فاندهش وانبهر بما فيه من عجائب. وفي هذه الصفحة الترجمة العربية لهذه الرسالة، مع ترجمتها بعدة لغات عالمية أخرى.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323931

    التحميل:

  • خطب مختارة

    خطب مختارة : اختيار وكالة شؤون المطبوعات والنشر بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. قدم لها معالي الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي - حفظه الله - وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد سابقاً.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142667

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة