Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 156

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) (البقرة) mp3
" مُصِيبَة " الْمُصِيبَة : كُلّ مَا يُؤْذِي الْمُؤْمِن وَيُصِيبهُ , يُقَال : أَصَابَهُ إِصَابَة وَمُصَابَة وَمُصَابًا . وَالْمُصِيبَة وَاحِدَة الْمَصَائِب . وَالْمَصُوبَة ( بِضَمِّ الصَّاد ) مِثْل الْمُصِيبَة . وَأَجْمَعَتْ الْعَرَب عَلَى هَمْز الْمَصَائِب , وَأَصْله الْوَاو , كَأَنَّهُمْ شَبَّهُوا الْأَصْلِيّ بِالزَّائِدِ , وَيُجْمَع عَلَى مَصَاوِب , وَهُوَ الْأَصْل . وَالْمُصَاب الْإِصَابَة , قَالَ الشَّاعِر : أَسُلَيْم إِنَّ مُصَابكُمْ رَجُلًا أَهْدَى السَّلَام تَحِيَّة ظُلْم وَصَابَ السَّهْم الْقِرْطَاس يُصِيب صَيْبًا , لُغَة فِي أَصَابَهُ . وَالْمُصِيبَة : النَّكْبَة يُنْكَبهَا الْإِنْسَان وَإِنْ صَغُرَتْ , وَتُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ , رَوَى عِكْرِمَة أَنَّ مِصْبَاح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْطَفَأَ ذَات لَيْلَة فَقَالَ : " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " فَقِيلَ : أَمُصِيبَة هِيَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( نَعَمْ كُلّ مَا آذَى الْمُؤْمِن فَهُوَ مُصِيبَة ) .

قُلْت : هَذَا ثَابِت مَعْنَاهُ فِي الصَّحِيح , خَرَّجَ مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا يُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ وَصَب وَلَا نَصَب وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن حَتَّى الْهَمّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاته ) .

خَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا وَكِيع بْن الْجَرَّاح عَنْ هِشَام بْن زِيَاد عَنْ أُمّه عَنْ فَاطِمَة بِنْت الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهَا قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَ مُصِيبَته فَأَحْدَثَ اِسْتِرْجَاعًا وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدهَا كَتَبَ اللَّه لَهُ مِنْ الْأَجْر مِثْله يَوْم أُصِيبَ ) .

مِنْ أَعْظَم الْمَصَائِب الْمُصِيبَة فِي الدِّين , ذَكَرَ أَبُو عُمَر عَنْ الْفِرْيَابِيّ قَالَ حَدَّثَنَا فِطْر بْن خَلِيفَة حَدَّثَنَا عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَصَابَ أَحَدكُمْ مُصِيبَة فَلْيَذْكُرْ مُصَابه بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَم الْمَصَائِب ) . أَخْرَجَهُ السَّمَرْقَنْدِيّ أَبُو مُحَمَّد فِي مُسْنَده , أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ : أَنْبَأَنَا فِطْر . .. , فَذَكَرَ مِثْله سَوَاء . وَأَسْنَدَ مِثْله عَنْ مَكْحُول مُرْسَلًا . قَالَ أَبُو عُمَر : وَصَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ الْمُصِيبَة بِهِ أَعْظَم مِنْ كُلّ مُصِيبَة يُصَاب بِهَا الْمُسْلِم بَعْده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , اِنْقَطَعَ الْوَحْي وَمَاتَتْ النُّبُوَّة . وَكَانَ أَوَّل ظُهُور الشَّرّ بِارْتِدَادِ الْعَرَب وَغَيْر ذَلِكَ , وَكَانَ أَوَّل اِنْقِطَاع الْخَيْر وَأَوَّل نُقْصَانه . قَالَ أَبُو سَعِيد : مَا نَفَضْنَا أَيْدِينَا مِنْ التُّرَاب مِنْ قَبْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا . وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي نَظْمه مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث حَيْثُ يَقُول : اِصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَة وَتَجَلَّد وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْء غَيْر مُخَلَّدِ أَوَمَا تَرَى أَنَّ الْمَصَائِب جَمَّة وَتَرَى الْمَنِيَّة لِلْعِبَادِ بِمَرْصَدِ مَنْ لَمْ يُصَبْ مِمَّنْ تَرَى بِمُصِيبَةٍ ؟ هَذَا سَبِيل لَسْت فِيهِ بِأَوْحَد فَإِذَا ذَكَرْت مُحَمَّدًا وَمُصَابه فَاذْكُرْ مُصَابك بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد

جَعَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْكَلِمَات مَلْجَأ لِذَوِي الْمَصَائِب , وَعِصْمَة لِلْمُمْتَحَنِينَ : لِمَا جَمَعَتْ مِنْ الْمَعَانِي الْمُبَارَكَة , فَإِنَّ قَوْله : " إِنَّا لِلَّهِ " تَوْحِيد وَإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمُلْك . وَقَوْله : " وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " إِقْرَار بِالْهَلْك , عَلَى أَنْفُسنَا وَالْبَعْث مِنْ قُبُورنَا , وَالْيَقِين أَنَّ رُجُوع الْأَمْر كُلّه إِلَيْهِ كَمَا هُوَ لَهُ . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : لَمْ تُعْطَ هَذِهِ الْكَلِمَات نَبِيًّا قَبْل نَبِيّنَا , وَلَوْ عَرَفَهَا يَعْقُوب لَمَا قَالَ : يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُف .

قَالَ أَبُو سِنَان : دَفَنْت اِبْنِي سِنَانًا , وَأَبُو طَلْحَة الْخَوْلَانِيّ عَلَى شَفِير الْقَبْر , فَلَمَّا أَرَدْت الْخُرُوج أَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَنْشَطَنِي وَقَالَ : أَلَا أُبَشِّرك يَا أَبَا سِنَان , حَدَّثَنِي الضَّحَّاك عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا مَاتَ وَلَد الْعَبْد قَالَ اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ أَقَبَضْتُمْ وَلَد عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُول أَقَبَضْتُمْ ثَمَرَة فُؤَاده فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُول فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَك وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُول اللَّه تَعَالَى اِبْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّة وَسَمُّوهُ بَيْت الْحَمْد ) . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا مِنْ مُسْلِم تُصِيبهُ مُصِيبَة فَيَقُول مَا أَمَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّه لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ) . فَهَذَا تَنْبِيه عَلَى قَوْله تَعَالَى : " وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ " [ الْبَقَرَة : 155 ] إِمَّا بِالْخَلَفِ كَمَا أَخْلَفَ اللَّه لِأُمِّ سَلَمَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ تَزَوَّجَهَا لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَة زَوْجهَا . وَإِمَّا بِالثَّوَابِ الْجَزِيل , كَمَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَقَدْ يَكُون بِهِمَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • يوم مع حبيبك صلى الله عليه وسلم

    يوم مع حبيبك صلى الله عليه وسلم: بيان صفة خَلْقه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهديه في الاستيقاظ والوضوء والقيام، والصلاة، وأذكار الصباح والمساء، والطعام والشراب، واللباس والمشي والركوب، والتعامل مع الناس، وبيته ونومه. راجع الكتاب فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير - حفظه الله تعالى -.

    المدقق/المراجع: زلفي عسكر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2160

    التحميل:

  • الحجاب لماذا؟

    الحجاب لماذا؟: فقد لقيت المرأة المسلمة من التشريع الإسلامي عناية فائقة كفيلة بأن تصون عفتها, وتجعلها عزيزة الجانب, سامية المكانة, وإن القيود التي فُرضت عليها في ملبسها وزينتها لم تكن إلا لسد ذريعة الفساد الذي ينتج عن التبرج بالزينة, فما صنعه الإسلام ليس تقيدًا لحرية المرأة, بل هو وقاية لها أن تسقط في دَرَكِ المهانة, وَوَحْل الابتذال, أو تكون مَسْرحًا لأعين الناظرين؛ وفي هذه الرسالة بيان لبعض فضائل الحجاب للترغيب فيه؛ والتبشير بحسن عاقبته, وقبائح التبرج للترهيب منه؛ والتحذير من سوء عاقبته في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339993

    التحميل:

  • الاختلاط بين الجنسين [حقائق وتنبيهات]

    ذكر المؤلف حفظه الله في كتابه معنى الاختلاط، والأدلة الصريحة على تحريمه من الكتاب والسنة، وذكر أقول أئمة المذاهب عنه، وتحدث عن أسباب الاختلاط وتجارب المجتمعات المختلطة، وأقوال أهل العلم فيه.

    الناشر: دار القاسم

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260382

    التحميل:

  • التلخيصات لجل أحكام الزكاة

    قال المؤلف - رحمه الله -:- « فالداعي لتأليف هذا الكتاب هو أني رأيت كثيرًا من الناس المؤدين للزكاة يجهلون كثيرًا من أحكامها ويحرصون على تصريف الذي يخرجون في رمضان؛ رغبة منهم في مزيد الأجر لفضيلة الزمان. فرأيت من المناسب أن ألخص من كتب الفقه ما أرى أنه تتناسب قراءته مع عموم الناس، خصوصًا في الوقت الذي يقصدونه غالبًا لإخراجها، وهو شهر رمضان - شرفه الله - وعشر ذي الحجة، لما في ذلك من مضاعفة الأجر. وحرصت على تهذيبه، والاعتناء بذكر دليله من الكتاب أو السنة أو منهما جميعًا ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2564

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الكبر ]

    الكبر داء من أدواء النفس الخطيرة التي تجنح بالإنسان عن سبيل الهدى والحق إلى سبل الردى والضلال; ونتيجته بطر الحق ورده وطمس معالمه; وغمط الناس واحتقارهم صغاراً وكباراً والعياذ بالله تعالى.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339985

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة