Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 155

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) (البقرة) mp3
هَذِهِ الْوَاو مَفْتُوحَة عِنْد سِيبَوَيْهِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَقَالَ غَيْره : لَمَّا ضُمَّتْ إِلَى النُّون الثَّقِيلَة بُنِيَ الْفِعْل فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ خَمْسَة عَشَر . وَالْبَلَاء يَكُون حَسَنًا وَيَكُون سَيِّئًا . وَأَصْله الْمِحْنَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْمَعْنَى لَأَمْتَحِنَنكُمْ لِنَعْلَم الْمُجَاهِد وَالصَّابِر عِلْم مُعَايَنَة حَتَّى يَقَع عَلَيْهِ الْجَزَاء , كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا اُبْتُلُوا بِهَذَا لِيَكُونَ آيَة لِمَنْ بَعْدهمْ فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا صَبَرُوا عَلَى هَذَا حِين وَضَحَ لَهُمْ الْحَقّ . وَقِيلَ : أَعْلَمَهُمْ بِهَذَا لِيَكُونُوا عَلَى يَقِين مِنْهُ أَنَّهُ يُصِيبهُمْ , فَيُوَطِّنُوا أَنْفُسهمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُوا أَبْعَد لَهُمْ مِنْ الْجَزَع , وَفِيهِ تَعْجِيل ثَوَاب اللَّه تَعَالَى عَلَى الْعِزّ وَتَوْطِين النَّفْس .


لَفْظ مُفْرَد وَمَعْنَاهُ الْجَمْع . وَقَرَأَ الضَّحَّاك " بِأَشْيَاء " عَلَى الْجَمْع . وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِالتَّوْحِيدِ , أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَشَيْء مِنْ هَذَا , فَاكْتَفَى بِالْأَوَّلِ إِيجَازًا


أَيْ خَوْف الْعَدُوّ وَالْفَزَع فِي الْقِتَال , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ خَوْف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .


يَعْنِي الْمَجَاعَة بِالْجَدْبِ وَالْقَحْط , فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ الْجُوع فِي شَهْر رَمَضَان .


بِسَبَبِ الِاشْتِغَال بِقِتَالِ الْكُفَّار . وَقِيلَ : بِالْجَوَائِحِ الْمُتْلِفَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَة .


قَالَ اِبْن عَبَّاس : بِالْقَتْلِ وَالْمَوْت فِي الْجِهَاد . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَعْنِي بِالْأَمْرَاضِ .


قَالَ الشَّافِعِيّ : الْمُرَاد مَوْت الْأَوْلَاد , وَوَلَد الرَّجُل ثَمَرَة قَلْبه , كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر , عَلَى مَا يَأْتِي . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُرَاد قِلَّة النَّبَات وَانْقِطَاع الْبَرَكَات .


أَيْ بِالثَّوَابِ عَلَى الصَّبْر . وَالصَّبْر أَصْله الْحَبْس , وَثَوَابه غَيْر مُقَدَّر , وَقَدْ تَقَدَّمَ . لَكِنْ لَا يَكُون ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى , كَمَا رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى ) . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَتَمّ مِنْهُ , أَيْ إِنَّمَا الصَّبْر الشَّاقّ عَلَى النَّفْس الَّذِي يَعْظُم الثَّوَاب عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ عِنْد هُجُوم الْمُصِيبَة وَحَرَارَتهَا , فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى قُوَّة الْقَلْب وَتَثَبُّته فِي مَقَام الصَّبْر , وَأَمَّا إِذَا بَرَدَتْ حَرَارَة الْمُصِيبَة فَكُلّ أَحَد يَصْبِر إِذْ ذَاكَ , وَلِذَلِكَ قِيلَ : يَجِب عَلَى كُلّ عَاقِل أَنْ يَلْتَزِم عِنْد الْمُصِيبَة مَا لَا بُدّ لِلْأَحْمَقِ مِنْهُ بَعْد ثَلَاث . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : لَمَّا قَالَ تَعَالَى : " وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ " صَارَ الصَّبْر عَيْشًا . وَالصَّبْر صَبْرَانِ : صَبْر عَنْ مَعْصِيَة اللَّه , فَهَذَا مُجَاهِد , وَصَبْر عَلَى طَاعَة اللَّه , فَهَذَا عَابِد . فَإِذَا صَبَرَ عَنْ مَعْصِيَة اللَّه وَصَبَرَ عَلَى طَاعَة اللَّه أَوْرَثَهُ اللَّه الرِّضَا بِقَضَائِهِ , وَعَلَامَة الرِّضَا سُكُون الْقَلْب بِمَا وَرَدَ عَلَى النَّفْس مِنْ الْمَكْرُوهَات وَالْمَحْبُوبَات . وَقَالَ الْخَوَّاص : الصَّبْر الثَّبَات عَلَى أَحْكَام الْكِتَاب وَالسُّنَّة . وَقَالَ رُوَيْم : الصَّبْر تَرْك الشَّكْوَى . وَقَالَ ذُو النُّون الْمِصْرِيّ : الصَّبْر هُوَ الِاسْتِعَانَة بِاَللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَلِيّ : الصَّبْر حَدّه أَلَّا تَعْتَرِض عَلَى التَّقْدِير , فَأَمَّا إِظْهَار الْبَلْوَى عَلَى غَيْر وَجْه الشَّكْوَى فَلَا يُنَافِي الصَّبْر , قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي قِصَّة أَيُّوب : " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْد " [ ص : 44 ] مَعَ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " مَسَّنِي الضُّرّ " [ الْأَنْبِيَاء : 83 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • خطبة عرفة لعام 1427 هجريًّا

    خطبة ألقاها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله - ، في مسجد نمرة يوم 29/ديسمبر/ 2006 م الموافق 9 من ذي الحجة عام 1427 هـ، قام بتفريغ الخطبة الأخ سالم الجزائري - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2386

    التحميل:

  • شرح المنظومة الحائية في عقيدة أهل السنة والجماعة

    المنظومة الحائية : هي قصيدة في العقيدة وأصول الدين، نظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -. وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه. وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود - رحمة الله - فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح. والمنظومة تحتوي على بضع وثلاثين أو أربعين بيتاً، ينتهي كل بيت منها بحرف الحاء. - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في النونية: وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ..... حقا أبي داود ذي العرفان تصنيفه نظماً ونثراً واضح ..... في السنة المثلى هما نجمان

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233543

    التحميل:

  • الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي

    الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي: بيان بعض محاسن الدين الإسلامي، وأهمية الحديث عن هذا الموضوع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2135

    التحميل:

  • القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة

    القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة : ذكر فيها - رحمه الله - جملة من القواعد الفقهية المهمة ثم قام بشرحها وتبين أدلتها وأمثلتها بأسلوب سهل ميسر، ثم أتبعه بجملة من الفروق الفقهية يبين فيها الفروق الصحيحة من الضعيفة. اعتنى بتحقيقه : الشيخ خالد بن علي بن محمد المشيقح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205540

    التحميل:

  • مختارات ولطائف

    مختارات ولطائف : فلا يزال الكتاب أفضل مؤنس وخير جليس، على رغم انتشار الملهيات ووسائل الإعلام الجذابة. ورغبة في تنوع مواضيع القراءة وجعلها سهلة ميسورة جمعت هذه المتفرقات؛ فتغني عن مجالس السوء، وتشغل أوقات الفراغ بما يفيد. تقرأ في السفر والحضر وفي المنازل وبين الأصحاب، وينال منها الشباب الحظ الأوفر حيث التنوع والاختصار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/218469

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة