Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 144

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) (البقرة) mp3
" فَوَلِّ " أَمْر " وَجْهك شَطْر " أَيْ نَاحِيَة " الْمَسْجِد الْحَرَام " يَعْنِي الْكَعْبَة , وَلَا خِلَاف فِي هَذَا . قِيلَ : حِيَال الْبَيْت كُلّه , عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ اِبْن عُمَر : حِيَال الْمِيزَاب مِنْ الْكَعْبَة , قَالَهُ اِبْن عَطِيَّة . وَالْمِيزَاب : هُوَ قِبْلَة الْمَدِينَة وَأَهْل الشَّام , وَهُنَاكَ قِبْلَة أَهْل الْأَنْدَلُس .

قُلْت : قَدْ رَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْبَيْت قِبْلَة لِأَهْلِ الْمَسْجِد وَالْمَسْجِد قِبْلَة لِأَهْلِ الْحَرَم وَالْحَرَم قِبْلَة لِأَهْلِ الْأَرْض فِي مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا مِنْ أُمَّتِي ) .

" شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام " الشَّطْر لَهُ مَحَامِل : يَكُون النَّاحِيَة وَالْجِهَة , كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَهُوَ ظَرْف مَكَان , كَمَا تَقُول : تِلْقَاءَهُ وَجِهَته . وَانْتَصَبَ الظَّرْف لِأَنَّهُ فَضْلَة بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُول [ بِهِ ] , وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفِعْل وَاقِع فِيهِ . وَقَالَ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد : إِنَّ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود " فَوَلِّ وَجْهك تِلْقَاء الْمَسْجِد الْحَرَام " . وَقَالَ الشَّاعِر : أَقُول لِأُمِّ زِنْبَاع أَقِيمِي صُدُور الْعِيس شَطْر بَنِي تَمِيم . وَقَالَ آخَر : وَقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْر ثَغْركُمُ هَوْل لَهُ ظُلَم يَغْشَاكُمُ قِطَعَا وَقَالَ آخَر : أَلَا مَنْ مُبْلِغ عَمْرًا رَسُولًا وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَة شَطْر عَمْرو وَشَطْر الشَّيْء : نِصْفه , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( الطُّهُور شَطْر الْإِيمَان ) . وَيَكُون مِنْ الْأَضْدَاد , يُقَال : شَطَرَ إِلَى كَذَا إِذَا أَقْبَلَ نَحْوه , وَشَطَرَ عَنْ كَذَا إِذَا أُبْعِدَ مِنْهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ . فَأَمَّا الشَّاطِر مِنْ الرِّجَال فَلِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ فِي نَحْو غَيْر الِاسْتِوَاء , وَهُوَ الَّذِي أَعْيَا أَهْله خُبْثًا , وَقَدْ شَطَرَ وَشَطُرَ ( بِالضَّمِّ ) شَطَارَة فِيهِمَا وَسُئِلَ بَعْضهمْ عَنْ الشَّاطِر , فَقَالَ : هُوَ مَنْ أَخَذَ فِي الْبُعْد عَمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ .

لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْكَعْبَة قِبْلَة فِي كُلّ أُفُق , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ شَاهَدَهَا وَعَايَنَهَا فُرِضَ عَلَيْهِ اِسْتِقْبَالهَا , وَأَنَّهُ إِنْ تَرَكَ اِسْتِقْبَالهَا وَهُوَ مُعَايِن لَهَا وَعَالِم بِجِهَتِهَا فَلَا صَلَاة لَهُ , وَعَلَيْهِ إِعَادَة كُلّ مَا صَلَّى ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلّ مَنْ غَابَ عَنْهَا أَنْ يَسْتَقْبِل نَاحِيَتهَا وَشَطْرهَا وَتِلْقَاءَهَا , فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَدِلّ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ مَا يُمْكِنهُ مِنْ النُّجُوم وَالرِّيَاح وَالْجِبَال وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى نَاحِيَتهَا . وَمَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَلْيَكُنْ وَجْهه إِلَى الْكَعْبَة وَيَنْظُر إِلَيْهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا , فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّظَر إِلَى الْكَعْبَة عِبَادَة , قَالَهُ عَطَاء وَمُجَاهِد .

وَاخْتَلَفُوا هَلْ فَرْض الْغَائِب اِسْتِقْبَال الْعَيْن أَوْ الْجِهَة , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ ضَعِيف ; لِأَنَّهُ تَكْلِيف لِمَا لَا يَصِل إِلَيْهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجِهَةِ , وَهُوَ الصَّحِيح لِثَلَاثَةِ أَوْجُه : الْأَوَّل : أَنَّهُ الْمُمْكِن الَّذِي يَرْتَبِط بِهِ التَّكْلِيف . الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَأْمُور بِهِ فِي الْقُرْآن , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ " يَعْنِي مِنْ الْأَرْض مِنْ شَرْق أَوْ غَرْب " فَوَلُّوا وُجُوهكُمْ شَطْره " . الثَّالِث : أَنَّ الْعُلَمَاء اِحْتَجُّوا بِالصَّفِّ الطَّوِيل الَّذِي يُعْلَم قَطْعًا أَنَّهُ أَضْعَاف عَرْض الْبَيْت .

فِي هَذِهِ الْآيَة حُجَّة وَاضِحَة لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ الْمُصَلِّي حُكْمه أَنْ يَنْظُر أَمَامه لَا إِلَى مَوْضِع سُجُوده . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالْحَسَن بْن حَيّ . يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون نَظَره إِلَى مَوْضِع سُجُوده . وَقَالَ شَرِيك الْقَاضِي : يَنْظُر فِي الْقِيَام إِلَى مَوْضِع السُّجُود , وَفِي الرُّكُوع إِلَى مَوْضِع قَدَمَيْهِ , وَفِي السُّجُود إِلَى مَوْضِع أَنْفه , وَفِي الْقُعُود إِلَى حِجْره . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا يَنْظُر أَمَامه فَإِنَّهُ إِنْ حَنَى رَأْسه ذَهَبَ بَعْض الْقِيَام الْمُفْتَرَض عَلَيْهِ فِي الرَّأْس وَهُوَ أَشْرَف الْأَعْضَاء , وَإِنْ أَقَامَ رَأْسه وَتَكَلَّفَ النَّظَر بِبَصَرِهِ إِلَى الْأَرْض فَتِلْكَ مَشَقَّة عَظِيمَة وَحَرَج . وَمَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّين مِنْ حَرَج , أَمَّا إِنَّ ذَلِكَ أَفْضَل لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ .


يُرِيد الْيَهُود وَالنَّصَارَى


يَعْنِي تَحْوِيل الْقِبْلَة مِنْ بَيْت الْمَقْدِس . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ دِينهمْ وَلَا فِي كِتَابهمْ ؟ قِيلَ عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا مِنْ كِتَابهمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَقُول إِلَّا الْحَقّ وَلَا يَأْمُر إِلَّا بِهِ . الثَّانِي : أَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنْ دِينهمْ جَوَاز النَّسْخ وَإِنْ جَحَدَهُ بَعْضهمْ , فَصَارُوا عَالِمِينَ بِجَوَازِ الْقِبْلَة .


وَعِيد وَإِعْلَام بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُك أَمْرهُمْ سُدًى وَأَنَّهُ يُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالهمْ . وَالْغَافِل : الَّذِي لَا يَفْطَن لِلْأُمُورِ إِهْمَالًا مِنْهُ , مَأْخُوذ مِنْ الْأَرْض الْغُفْل وَهِيَ الَّتِي لَا عِلْم بِهَا وَلَا أَثَر عِمَارَة . وَنَاقَة غُفْل : لَا سِمَة بِهَا . وَرَجُل غُفْل : لَمْ يُجَرِّب الْأُمُور . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : أَرْض غُفْل لَمْ تُمْطِر . غَفَلْت عَنْ الشَّيْء غَفْلَة وَغُفُولًا , وَأَغْفَلْت الشَّيْء : تَرَكْته عَلَى ذِكْر مِنْك . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " تَعْمَلُونَ " بِالتَّاءِ عَلَى مُخَاطَبَة أَهْل الْكِتَاب أَوْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ إِعْلَام بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يُهْمِل أَعْمَال الْعِبَاد وَلَا يَغْفُل عَنْهَا , وَضَمَّنَهُ الْوَعِيد . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ مِنْ تَحْت .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آثار الفتن

    آثار الفتن: إن الذي لا يعرف الفتن ولا آثارها وعواقبها ربما دخل في شيء منها وأضرَّت بحياته; ثم يلحقه الندم بعد ذلك; ومعرفة هذه الآثار نافعٌ ومفيدٌ للعبد; لأنه من باب النظر في العواقب ومآلات الأمور.; وفي هذه الرسالة ذكر الشيخ آثار وعواقب الفتن; وذكر الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316772

    التحميل:

  • ضحايا الحب

    ضحايا الحب: يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهم وجهل؛ بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، ولكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة. وقصدتُ من هذه الرسالة الوقف مع القارئ على جوانب مشرقة، وأطلال موحشة في مسيرة الحب الطويلة، التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكر لضحايا الحب وقتلاه، وستعرف المقصود مما أردت إذا قرأت، وتعلم ما نويت إذا طالعت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324352

    التحميل:

  • منهاج المسلم الصغير

    كتاب يحتوي على رسومات توضيحية وجداول وتقسيمات لتعليم أحكام الطهارة والصلاة للأطفال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328241

    التحميل:

  • تذكير البشر بأحكام السفر

    تذكير البشر بأحكام السفر : لما كان كثير من الناس قد يجهلون أحكام العبادات وآداب المسافر في السفر جمعت ما تيسر في هذه الرسالة من أحكام المسافر وآدابه من حين أن يخرج من بيته إلى السفر إلى أن يرجع وما ينبغي له أن يقوله ويفعله في سفره فذكرت آداب السفر القولية والفعلية، ورخص السفر، وأحكام قصر الصلاة وجمعها للمسافر مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209174

    التحميل:

  • غزوة فتح مكة في ضوء الكتاب والسنة

    غزوة فتح مكة في ضوء الكتاب والسنة: قال المُراجع - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «غزوة فتح مكة» كتبها الابن: عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني - رحمه الله تعالى -، وهي رسالة نافعة جداً، بيَّن فيها - رحمه الله تعالى -: الأسباب التي دعت إلى غزوة الفتح، وتاريخ غزوة فتح مكة، وعدد الجيش النبوي، وذكر قصة قدوم أبي سفيان إلى المدينة للمفاوضات مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبيّن إعداد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - لغزوة الفتح، وتجهيز الجيش لذلك، وأوضح ما حصل من محاولة نقل خبر الغزو من قبل الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه -، وحكمة النبي الكريم أمام هذا التصرف، ثم بيّن توزيع النبي - صلى الله عليه وسلم - للجيش، وعمل لذلك جدولاً منظمًا، بيّن فيه أسماء قبائل كل كتيبة، وعدد أفرادها، وعدد الألوية، وأسماء من يحملها، ثم ذكر صفة زحف الجيش، وما حصل من إفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة في رمضان عندما قرب من مكة، وأمره أصحابه بذلك، ليتقووا على الجهاد، وذكر - رحمه الله - خروج أبي سفيان للاستطلاع، ثم إسلامه، والعرض العسكري الذي عمله النبي - صلى الله عليه وسلم - أمام أبي سفيان، ثم بيّن الترتيبات التي عملها النبي - صلى الله عليه وسلم - لدخول مكة، وما حصل من بعض المشابكات مع خالد بن الوليد، ثم نجاحه - رضي الله عنه - في ذلك، وذكر - رحمه الله - صفة دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد الحرام، وتحطيمه للأصنام، وإهداره - صلى الله عليه وسلم - لدماء فئة قليلة من الناس قد آذوا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنين، ومع ذلك عفا عن بعض هؤلاء - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكر - رحمه الله - الآثار الاستراتيجية للفتح، والدروس المستفادة من الفتح، ومقومات الانتصار في الفتح، ثم ذكر الخاتمة، ثم التوصيات، ثم قائمة المراجع التي رجع إليها - رحمه الله -».

    المدقق/المراجع: سعيد بن علي بن وهف القحطاني

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/270102

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة