Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 132

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) (البقرة) mp3
كُسِرَتْ " إِنَّ " لِأَنْ أَوْصَى وَقَالَ وَاحِد . وَقِيلَ : عَلَى إِضْمَار الْقَوْل .


اِخْتَارَ . قَالَ الرَّاجِز : يَا بْن مُلُوك وَرَّثُوا الْأَمْلَاكَا خِلَافَة اللَّه الَّتِي أَعْطَاكَا لَك اِصْطَفَاهَا وَلَهَا اِصْطَفَاكَا


أَيْ الْإِسْلَام , وَالْأَلِف وَاللَّام فِي " الدِّين " لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا عَرَفُوهُ .


إِيجَاز بَلِيغ . وَالْمَعْنَى : اِلْزَمُوا الْإِسْلَام وَدُومُوا عَلَيْهِ وَلَا تُفَارِقُوهُ حَتَّى , تَمُوتُوا . فَأَتَى بِلَفْظٍ مُوجِز يَتَضَمَّن الْمَقْصُود , وَيَتَضَمَّن وَعْظًا وَتَذْكِيرًا بِالْمَوْتِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْء يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَمُوت وَلَا يَدْرِي مَتَى , فَإِذَا أُمِرَ بِأَمْرٍ لَا يَأْتِيه الْمَوْت إِلَّا وَهُوَ عَلَيْهِ , فَقَدْ تَوَجَّهَ الْخِطَاب مِنْ وَقْت الْأَمْر دَائِبًا لَازِمًا . " لَا " نَهْي " تَمُوتُنَّ " فِي مَوْضِع جَزْم بِالنَّهْيِ , أُكِّدَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَة , وَحُذِفَتْ الْوَاو لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . " إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " اِبْتِدَاء وَخَبَر فِي مَوْضِع الْحَال , أَيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمْ الظَّنّ , وَقِيلَ مُخْلِصُونَ , وَقِيلَ مُفَوِّضُونَ , وَقِيلَ مُؤْمِنُونَ .

أَيْ بِالْمِلَّةِ , وَقِيلَ : بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله : " أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " وَهُوَ أَصْوَب ; لِأَنَّهُ أَقْرَب مَذْكُور , أَيْ قُولُوا أَسْلَمْنَا . وَوَصَّى وَأَوْصَى لُغَتَانِ لِقُرَيْشٍ وَغَيْرهمْ بِمَعْنًى , مِثْل كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا , وَقُرِئَ بِهِمَا . وَفِي مُصْحَف عَبْد اللَّه " وَوَصَّى " , وَفِي مُصْحَف عُثْمَان " وَأَوْصَى " وَهِيَ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام . الْبَاقُونَ " وَوَصَّى " وَفِيهِ مَعْنَى التَّكْثِير . " وَإِبْرَاهِيم " رُفِعَ بِفِعْلِهِ , " وَيَعْقُوب " عُطِفَ عَلَيْهِ , وَقِيلَ : هُوَ مَقْطُوع مُسْتَأْنَف , وَالْمَعْنَى : وَأَوْصَى يَعْقُوب وَقَالَ يَا بُنَيّ إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى لَكُمْ الدِّين , فَيَكُون إِبْرَاهِيم قَدْ وَصَّى بَنِيهِ , ثُمَّ وَصَّى بَعْده يَعْقُوب بَنِيهِ .

وَبَنُو إِبْرَاهِيم : إِسْمَاعِيل , وَأُمّه هَاجَر الْقِبْطِيَّة , وَهُوَ أَكْبَر وَلَده , نَقَلَهُ إِبْرَاهِيم إِلَى مَكَّة وَهُوَ رَضِيع . وَقِيلَ : كَانَ لَهُ سَنَتَانِ , وَقِيلَ : كَانَ لَهُ أَرْبَع عَشْرَة سَنَة , وَالْأَوَّل أَصَحّ , عَلَى مَا يَأْتِي فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَوُلِدَ قَبْل أَخِيهِ إِسْحَاق بِأَرْبَعَ عَشْرَة سَنَة , وَمَاتَ وَلَهُ مِائَة وَسَبْع وَثَلَاثُونَ سَنَة . وَقِيلَ : مِائَة وَثَلَاثُونَ . وَكَانَ سِنّه لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام تِسْعًا وَثَمَانِينَ سَنَة , وَهُوَ الذَّبِيح فِي قَوْل . وَإِسْحَاق أُمّه سَارَّة , وَهُوَ الذَّبِيح فِي قَوْل آخَر , وَهُوَ الْأَصَحّ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " وَالصَّافَّات " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَمِنْ وَلَده الرُّوم وَالْيُونَان وَالْأَرْمَن وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ وَبَنُو إِسْرَائِيل . وَعَاشَ إِسْحَاق مِائَة وَثَمَانِينَ سَنَة , وَمَاتَ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَة وَدُفِنَ عِنْد أَبِيهِ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام . ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَتْ سَارَّة تَزَوَّجَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قنطورا بِنْت يقطن الْكَنْعَانِيَّة , فَوَلَدَتْ لَهُ مَدْيَن ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ , ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلَام . وَكَانَ بَيْن وَفَاته وَبَيْن مَوْلِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو مِنْ أَلْفَيْ سَنَة وَسِتّمِائَةِ سَنَة , وَالْيَهُود يَنْقُصُونَ مِنْ ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعمِائَةِ سَنَة . وَسَيَأْتِي ذِكْر أَوْلَاد يَعْقُوب فِي سُورَة " يُوسُف " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ عَمْرو بْن فَائِد الْأَسْوَارِيّ وَإِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه الْمَكِّيّ : " وَيَعْقُوب " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " بَنِيهِ " , فَيَكُون يَعْقُوب دَاخِلًا فِيمَنْ أَوْصَى . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقُرِئَ " يَعْقُوب " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " بَنِيهِ " وَهُوَ بَعِيد ; لِأَنَّ يَعْقُوب لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْن أَوْلَاد إِبْرَاهِيم لَمَّا وَصَّاهُمْ , وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ يَعْقُوب أَدْرَكَ جَدّه إِبْرَاهِيم , وَإِنَّمَا وُلِدَ بَعْد مَوْت إِبْرَاهِيم , وَأَنَّ يَعْقُوب أَوْصَى بَنِيهِ أَيْضًا كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيم . وَسَيَأْتِي تَسْمِيَة أَوْلَاد يَعْقُوب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْكَلْبِيّ : لَمَّا دَخَلَ يَعْقُوب إِلَى مِصْر رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَان وَالنِّيرَان وَالْبَقَر , فَجَمَعَ وَلَده وَخَافَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ وَيُقَال : إِنَّمَا سُمِّيَ يَعْقُوب لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ وَالْعِيص تَوْأَمَيْنِ , فَخَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه آخِذًا بِعَقِبِ أَخِيهِ الْعِيص . وَفِي ذَلِكَ نَظَر ; لِأَنَّ هَذَا اِشْتِقَاق عَرَبِيّ , وَيَعْقُوب اِسْم أَعْجَمِيّ , وَإِنْ كَانَ قَدْ وَافَقَ الْعَرَبِيَّة فِي التَّسْمِيَة بِهِ كَذَكَرِ الْحَجَل . عَاشَ عَلَيْهِ السَّلَام مِائَة وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَة وَمَاتَ بِمِصْر , وَأَوْصَى أَنْ يُحْمَل إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَيُدْفَن عِنْد أَبِيهِ إِسْحَاق , فَحَمَلَهُ يُوسُف وَدَفَنَهُ عِنْده .


مَعْنَاهُ أَنْ يَا بَنِيَّ , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ وَابْن مَسْعُود وَالضَّحَّاك . قَالَ الْفَرَّاء : أُلْغِيَتْ أَنْ لِأَنَّ التَّوْصِيَة كَالْقَوْلِ , وَكُلّ كَلَام يَرْجِع إِلَى الْقَوْل جَازَ فِيهِ دُخُول أَنْ وَجَازَ فِيهِ إِلْغَاؤُهَا . قَالَ : وَقَوْل النَّحْوِيِّينَ إِنَّمَا أَرَادَ " أَنْ " فَأُلْغِيَتْ لَيْسَ بِشَيْءٍ . النَّحَّاس : " يَا بَنِيَّ " نِدَاء مُضَاف , وَهَذِهِ يَاء النَّفْس لَا يَجُوز هُنَا إِلَّا فَتْحهَا ; لِأَنَّهَا لَوْ سُكِّنَتْ لَالْتَقَى سَاكِنَانِ , وَمِثْله " بِمُصْرِخِيَّ " [ إِبْرَاهِيم : 22 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الكنوز الملية في الفرائض الجلية

    الكنوز الملية في الفرائض الجلية: شرح لمسائل الفرائض - المواريث - على هيئة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2556

    التحميل:

  • توحيد الكلمة على كلمة التوحيد

    توحيد الكلمة على كلمة التوحيد: رسالة مختصرة تبين أن الطريق الوحيد لوحدة صف المسلمين هو جمعهم على كلمة التوحيد.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314874

    التحميل:

  • بعض فوائد صلح الحديبية

    رسالة مختصرة تبين بعض فوائد صلح الحديبية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264193

    التحميل:

  • اعترافات عاشق

    اعترافات عاشق: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه جلسة مع العاشقين والعاشقات .. من الشباب والفتيات .. لا لأزجرهم وأخوفهم .. وإنما لأعِدهم وأبشِّرهم .. حديثٌ إلى أولئك الشباب .. الذين أشغلوا نهارهم بملاحقة الفتيات .. في الأسواق وعند أبواب المدارس والكليات .. وأشغلوا ليلهم بالمحادثات الهاتفية .. والأسرار العاطفية .. وحديث إلى أولئك الفتيات.. اللاتي فتنت عيونهن بالنظرات.. وغرّتهن الهمسات.. فامتلأت حقائبهن بالرسائل الرقيقة.. وصور العشيق والعشيقة.. فلماذا أتحدث مع هؤلاء؟!».

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333816

    التحميل:

  • وصايا ومواعظ في ضوء الكتاب والسنة

    وصايا ومواعظ في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذا كتابٌ ضمَّنتُه بعضَ الوصايا والمواعِظ رجاءَ أن يستفيدَ به المُسلِمون والمُسلِمات».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384416

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة