Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 130

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) (البقرة) mp3
" مَنْ " اِسْتِفْهَام فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , و " يَرْغَب " صِلَة " مَنْ " . " إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه " فِي مَوْضِع الْخَبَر . وَهُوَ تَقْرِيع وَتَوْبِيخ وَقَعَ فِيهِ مَعْنَى النَّفْي , أَيْ وَمَا يَرْغَب , قَالَهُ النَّحَّاس . وَالْمَعْنَى : يَزْهَد فِيهَا وَيَنْأَى بِنَفْسِهِ عَنْهَا , أَيْ عَنْ الْمِلَّة وَهِيَ الدِّين وَالشَّرْع . " إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه " قَالَ قَتَادَة : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , رَغِبُوا عَنْ مِلَّة إِبْرَاهِيم وَاِتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِدْعَة لَيْسَتْ مِنْ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الزَّجَّاج : " سَفِهَ " بِمَعْنَى جَهِلَ , أَيْ جَهِلَ أَمْر نَفْسه فَلَمْ يُفَكِّر فِيهَا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمَعْنَى أَهْلَكَ نَفْسه . وَحَكَى ثَعْلَب وَالْمُبَرِّد أَنَّ " سَفِهَ " بِكَسْرِ الْفَاء يَتَعَدَّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الْفَاء وَشَدّهَا . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْخَطَّاب وَيُونُس أَنَّهَا لُغَة . وَقَالَ الْأَخْفَش : " سَفِهَ نَفْسه " أَيْ فَعَلَ بِهَا مِنْ السَّفَه مَا صَارَ بِهِ سَفِيهًا . وَعَنْهُ أَيْضًا هِيَ لُغَة بِمَعْنَى سَفَّهَ , حَكَاهُ الْمَهْدَوِيّ , وَالْأَوَّل ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . فَأَمَّا سَفُهَ بِضَمِّ الْفَاء فَلَا يَتَعَدَّى , قَالَهُ الْمُبَرِّد وَثَعْلَب . وَحَكَى الْكِسَائِيّ عَنْ الْأَخْفَش أَنَّ الْمَعْنَى جَهِلَ فِي نَفْسه , فَحُذِفَتْ " فِي " فَانْتَصَبَ . قَالَ الْأَخْفَش : وَمِثْله " عُقْدَة النِّكَاح " [ الْبَقَرَة : 235 ] , أَيْ عَلَى عُقْدَة النِّكَاح . وَهَذَا يَجْرِي عَلَى مَذْهَب سِيبَوَيْهِ فِيمَا حَكَاهُ مِنْ قَوْلهمْ : ضَرَبَ فُلَان الظَّهْر وَالْبَطْن , أَيْ فِي الظَّهْر وَالْبَطْن . الْفَرَّاء : هُوَ تَمْيِيز . قَالَ اِبْن بَحْر : مَعْنَاهُ جَهِلَ نَفْسه وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّلَالَات وَالْآيَات الدَّالَّة عَلَى أَنَّ لَهَا صَانِعًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء , فَيُعْلَم بِهِ تَوْحِيد اللَّه وَقُدْرَته .

قُلْت : وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْل الزَّجَّاج , فَيُفَكِّر فِي نَفْسه مِنْ يَدَيْنِ يَبْطِش بِهِمَا , وَرِجْلَيْنِ يَمْشِي عَلَيْهِمَا , وَعَيْن يُبْصِر بِهَا , وَأُذُن يَسْمَع بِهَا , وَلِسَان يَنْطِق بِهِ , وَأَضْرَاس تَنْبُت لَهُ عِنْد غِنَاهُ عَنْ الرَّضَاع وَحَاجَته إِلَى الْغِذَاء لِيَطْحَن بِهَا الطَّعَام , وَمَعِدَة أُعِدَّتْ لِطَبْخِ الْغِذَاء , وَكَبِد يَصْعَد إِلَيْهَا صَفْوه , وَعُرُوق وَمَعَابِر يَنْفُذ فِيهَا إِلَى الْأَطْرَاف , وَأَمْعَاء يَرْسُب إِلَيْهَا ثُفْل الْغِذَاء وَيَبْرُز مِنْ أَسْفَل الْبَدَن , فَيُسْتَدَلّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا قَادِرًا عَلِيمًا حَكِيمًا , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " وَفِي أَنْفُسكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ " [ الذَّارِيَات : 21 ] . أَشَارَ إِلَى هَذَا الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي سُورَة " وَالذَّارِيَات " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ شَرِيعَة إِبْرَاهِيم شَرِيعَة لَنَا إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْهَا , وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم " [ الْحَجّ : 78 ] , " أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّة إِبْرَاهِيم " [ النَّحْل : 123 ] . وَسَيَأْتِي بَيَانه .

أَيْ اِخْتَرْنَاهُ لِلرِّسَالَةِ فَجَعَلْنَاهُ صَافِيًا مِنْ الْأَدْنَاس وَالْأَصْل فِي " اِصْطَفَيْنَاهُ " اِصْتَفَيْنَاهُ , أُبْدِلَتْ التَّاء طَاء لِتَنَاسُبِهَا مَعَ الصَّاد فِي الْإِطْبَاق . وَاللَّفْظ مُشْتَقّ مِنْ الصَّفْوَة , وَمَعْنَاهُ تَخَيُّر الْأَصْفَى .

الصَّالِح فِي الْآخِرَة هُوَ الْفَائِز . ثُمَّ قِيلَ : كَيْف جَازَ تَقْدِيم " فِي الْآخِرَة " وَهُوَ دَاخِل فِي الصِّلَة , قَالَ النَّحَّاس : فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَيْسَ التَّقْدِير إِنَّهُ لَمِنْ الصَّالِحِينَ فِي الْآخِرَة , فَتَكُون الصِّلَة قَدْ تَقَدَّمَتْ , وَلِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : مِنْهَا أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَإِنَّهُ صَالِح فِي الْآخِرَة , ثُمَّ حَذَفَ . وَقِيلَ : " فِي الْآخِرَة " مُتَعَلِّق بِمَصْدَرٍ مَحْذُوف , أَيْ صَلَاحه فِي الْآخِرَة . وَالْقَوْل الثَّالِث : أَنَّ " الصَّالِحِينَ " لَيْسَ بِمَعْنَى الَّذِينَ صَلَحُوا ; وَلَكِنَّهُ اِسْم قَائِم بِنَفْسِهِ , كَمَا يُقَال الرَّجُل وَالْغُلَام .

قُلْت : وَقَوْل رَابِع أَنَّ الْمَعْنَى وَإِنَّهُ فِي عَمَل الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ , فَالْكَلَام عَلَى حَذْف مُضَاف . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , مَجَازه وَلَقَدْ اِصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّالِحِينَ . وَرَوَى حَجَّاج بْن حَجَّاج - وَهُوَ حَجَّاج الْأَسْوَد , وَهُوَ أَيْضًا حَجَّاج الْأَحْوَل الْمَعْرُوف بِزِقِّ الْعَسَل - قَالَ : سَمِعْت مُعَاوِيَة بْن قُرَّة يَقُول : اللَّهُمَّ إِنَّ الصَّالِحِينَ أَنْتَ أَصْلَحْتهمْ وَرَزَقْتهمْ أَنْ عَمِلُوا بِطَاعَتِك فَرَضِيت عَنْهُمْ , اللَّهُمَّ كَمَا أَصْلَحْتهمْ فَأَصْلِحْنَا , وَكَمَا رَزَقْتهمْ أَنْ عَمِلُوا بِطَاعَتِك فَرَضِيت عَنْهُمْ فَارْزُقْنَا أَنْ نَعْمَل بِطَاعَتِك , وَارْضَ عَنَّا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسالة رمضان

    رسالة رمضان: عبارة عن دراسة عامة شاملة لركن عظيم من أركان الإسلام: ألا وهو صوم رمضان المعظم، فهي دراسة علمية تتبع جزئيات هذه العبادة وكلياتها، فلا تغفل ناحية من نواحيها الحكمية والعلمية، بل تتناولها بإسلوب سهل، وعبارة مبسطة واضحة، تدركها العقول على تفاوتها، وتتناولها الأفهام على أختلافها بحيث يتصفحها المسلم - ومهما كانت ثقافته - فيعرف عن هذه العبادة ما ينبغي أن يعرفه كل مسلم عنها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2608

    التحميل:

  • ولو بشق تمرة

    ولو بشق تمرة: قال المصنف - حفظه الله -: «فقد فتح الله علينا أبواب جوده وكرمه، فدرَّ الضرع، وكثر الزرع، وأخرجت الأرض كنوزها، ففاضت الأموال بأيدي الناس، وأصبحوا في رغد عيش وبحبوحة من الرزق. ورغم هذه العطايا العظيمة والنعم الجسيمة إلا أن البعض نفسه شحيحة ويده مقبوضة. فأحببت أن أذكر بفضل الصدقة وأثرها في الدنيا والآخرة، مستهديا بقول الله عز وجل، ومستنيرًا بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومذكرًا بأفعال السلف الصالح. وهذا هو الجزء السادس عشر من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان : «ولو بشق تمرة» فيه من الآيات والأحاديث وأطايب الكلام ما يحث على صدقة التطوع ويرغب فيها، فلا أرى أسعد منا حالاً ولا أطيب منا عيشًا في هذا الزمن الذي استرعانا الله فيه أمانة هذه الخيرات لينظر كيف نصنع».

    الناشر: دار القاسم

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345923

    التحميل:

  • إيمان المشركين وتصديقهم بالله في ضوء قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

    إيمان المشركين وتصديقهم بالله: قال المؤلف: «فهذا بحثٌ مختصرٌ في دراسة معنى قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] أحببتُ المشاركة في جمع ما ذكره أهل العلم حول هذه الآية لمسيس الحاجة إلى بيان ما فيها من تقرير التوحيد وأنواعه، والرد على المشركين، والرد على من يجعل الغاية في التوحيد هو الإقرار بالربوبية».

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/331932

    التحميل:

  • مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم

    مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم: بحث حاز على جائزة المركز الثاني بالمناصفة في مسابقة معالي السيد حسن عباس شربتلي العالمية للتعريف بنبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - عام 1428هـ، وهو عبارة عن تسع محاضراتٍ ألقتها الدكتورة سارة آدم تعرِض فيها البحث الذي ألَّفه الدكتور زيد عمر العيص حول مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفيما يلي عرضٌ لعناوين تلك المحاضرات: المحاضرة الأولى: أزمة في القِيَم وبخل في التاريخ. المحاضرة الثانية: بوادر انفراج وكرم من التاريخ. المحاضرة الثالثة: سوء الفهم، لماذا؟ المحاضرة الرابعة: معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر. المحاضرة الخامسة: الرحمة أولاً. المحاضرة السادسة: العدل الواجب والرحمة الواجبة توازن وتكامل. المحاضرة السابعة: الحرب الرحيمة. المحاضرة الثامنة: وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين. المحاضرة التاسعة: الرحمة بالقوارير.

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/317911

    التحميل:

  • الفتوى الحموية الكبرى

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المدقق/المراجع: حمد بن عبد المحسن التويجري

    الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322183

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة