Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 128

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) (البقرة) mp3
أَيْ صَيِّرْنَا , و " مُسْلِمَيْنِ " مَفْعُول ثَانٍ , سَأَلَا التَّثْبِيت وَالدَّوَام . وَالْإِسْلَام فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْإِيمَان وَالْأَعْمَال جَمِيعًا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام " [ آل عِمْرَان : 19 ] فَفِي هَذَا دَلِيل لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام شَيْء وَاحِد , وَعَضَّدُوا هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى : " فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ " [ الذَّارِيَات : 35 - 36 ] . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَعَوْف الْأَعْرَابِيّ " مُسْلِمِينَ " عَلَى الْجَمْع .



أَيْ وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا فَاجْعَلْ , فَيُقَال : إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيّ إِلَّا لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ دَعَا مَعَ دُعَائِهِ لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ وَلِهَذِهِ الْأُمَّة . و " مِنْ " فِي قَوْله : " وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا " لِلتَّبْعِيضِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّ مِنْهُمْ ظَالِمِينَ . وَحَكَى الطَّبَرِيّ : أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا " الْعَرَب خَاصَّة . قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَذُرِّيَّتهمَا الْعَرَب ; لِأَنَّهُمْ بَنُو نَبْت بْن إِسْمَاعِيل , أَوْ بَنُو تيمن بْن إِسْمَاعِيل , وَيُقَال : قَيْدَر بْن نَبْت بْن إِسْمَاعِيل . أَمَّا الْعَدْنَانِيَّة فَمِنْ نَبْت , وَأَمَّا الْقَحْطَانِيَّة فَمِنْ قَيْدَر بْن نَبْت بْن إِسْمَاعِيل , أَوْ تيمن عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ دَعْوَته ظَهَرَتْ فِي الْعَرَب وَفِيمَنْ آمَنَ مِنْ غَيْرهمْ . وَالْأُمَّة : الْجَمَاعَة هُنَا , وَتَكُون وَاحِدًا إِذَا كَانَ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْخَيْر , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ أُمَّة قَانِتًا لِلَّهِ " [ النَّحْل : 120 ] , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل : ( يُبْعَث أُمَّة وَحْده ) لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِك فِي دِينه غَيْره , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ يُطْلَق لَفْظ الْأُمَّة عَلَى غَيْر هَذَا الْمَعْنَى , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة " [ الزُّخْرُف : 22 ] أَيْ عَلَى دِين وَمِلَّة , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّة وَاحِدَة " [ الْأَنْبِيَاء : 92 ] . وَقَدْ تَكُون بِمَعْنَى الْحِين وَالزَّمَان , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " وَادَّكَرَ بَعْد أُمَّة " [ يُوسُف : 45 ] أَيْ بَعْد حِين وَزَمَان . وَيُقَال : هَذِهِ أُمَّة زَيْد , أَيْ أُمّ زَيْد . وَالْأُمَّة أَيْضًا : الْقَامَة , يُقَال : فُلَان حَسَن الْأُمَّة , أَيْ حَسَن الْقَامَة , قَالَ : وَإِنَّ مُعَاوِيَة الْأَكْرَمِينَ حِسَان الْوُجُوه طِوَال الْأُمَم وَقِيلَ : الْأُمَّة الشَّجَّة الَّتِي تَبْلُغ أُمّ الدِّمَاغ , يُقَال : رَجُل مَأْمُوم وَأَمِيم .


" أَرِنَا " مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر , فَتَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ , وَقِيلَ : مِنْ رُؤْيَة الْقَلْب , وَيَلْزَم قَائِله أَنْ يَتَعَدَّى الْفِعْل مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَة مَفَاعِيل . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيَنْفَصِل بِأَنَّهُ يُوجَد مُعَدًّى بِالْهَمْزَةِ مِنْ رُؤْيَة الْقَلْب إِلَى مَفْعُولَيْنِ [ كَغَيْرِ الْمُعَدَّى ] , قَالَ حَطَائِط بْن يَعْفُر أَخُو الْأَسْوَد بْن يَعْفُر : أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لِأَنَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا وَقَرَأَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَقَتَادَة وَابْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَالسُّدِّيّ وَرَوْح عَنْ يَعْقُوب وَرُوَيْس وَالسُّوسِيّ " أَرْنَا " بِسُكُونِ الرَّاء فِي الْقُرْآن , وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِاخْتِلَاسِ كَسْرَة الرَّاء , وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . وَأَصْله أَرِئْنَا بِالْهَمْزِ , فَمَنْ قَرَأَ بِالسُّكُونِ قَالَ : ذَهَبَتْ الْهَمْزَة وَذَهَبَتْ حَرَكَتهَا وَبَقِيَتْ الرَّاء سَاكِنَة عَلَى حَالهَا , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ الشَّاعِر : أَرْنَا إِدَاوَة عَبْد اللَّه نَمْلَؤُهَا مِنْ مَاء زَمْزَم إِنَّ الْقَوْم قَدْ ظَمِئُوا وَمَنْ كَسَرَ فَإِنَّهُ نَقَلَ حَرَكَة الْهَمْزَة الْمَحْذُوفَة إِلَى الرَّاء , وَأَبُو عَمْرو طَلَبَ الْخِفَّة . وَعَنْ شُجَاع بْن أَبِي نَصْر وَكَانَ أَمِينًا صَادِقًا أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام فَذَاكَرَهُ أَشْيَاء مِنْ حُرُوف أَبِي عَمْرو فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ إِلَّا حَرْفَيْنِ : هَذَا , وَالْآخَر " مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نَنْسَأَهَا " [ الْبَقَرَة : 106 ] مَهْمُوزًا .


يُقَال : إِنَّ أَصْل النُّسُك فِي اللُّغَة الْغَسْل , يُقَال مِنْهُ : نَسَكَ ثَوْبه إِذَا غَسَلَهُ . وَهُوَ فِي الشَّرْع اِسْم لِلْعِبَادَةِ , يُقَال : رَجُل نَاسِك إِذَا كَانَ عَابِدًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْمَنَاسِكِ هُنَا , فَقِيلَ : مَنَاسِك الْحَجّ وَمَعَالِمه , قَالَهُ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ . وَقَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء وَابْن جُرَيْج : الْمَنَاسِك الْمَذَابِح , أَيْ مَوَاضِع الذَّبْح . وَقِيلَ : جَمِيع الْمُتَعَبَّدَات . وَكُلّ مَا يُتَعَبَّد بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى يُقَال لَهُ مَنْسَك وَمَنْسِك . وَالنَّاسِك : الْعَابِد . قَالَ النَّحَّاس : يُقَال نَسَكَ يَنْسُك , فَكَانَ يَجِب أَنْ يُقَال عَلَى هَذَا : مَنْسُك , إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب مَفْعُل . وَعَنْ زُهَيْر بْن مُحَمَّد قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ بِنَاء الْبَيْت الْحَرَام قَالَ : أَيْ رَبّ , قَدْ فَرَغْت فَأَرِنَا مَنَاسِكنَا , فَبَعَثَ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيل فَحَجَّ بِهِ , حَتَّى إِذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَة وَجَاءَ يَوْم النَّحْر عَرَضَ لَهُ إِبْلِيس , فَقَالَ لَهُ : أحْصِبْهُ , فَحَصَبَهُ بِسَبْعِ حَصَيَات , ثُمَّ الْغَد ثُمَّ الْيَوْم الثَّالِث , ثُمَّ عَلَا ثَبِيرًا فَقَالَ : يَا عِبَاد اللَّه , أَجِيبُوا , فَسَمِعَ دَعْوَته مِنْ بَيْن الْأَبْحُر مِمَّنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان , فَقَالَ : لَبَّيْكَ , اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , قَالَ : وَلَمْ يَزَلْ عَلَى وَجْه الْأَرْض سَبْعَة مُسْلِمُونَ فَصَاعِدًا , لَوْلَا ذَلِكَ لَأُهْلِكَتْ الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا . وَأَوَّل مَنْ أَجَابَهُ أَهْل الْيَمَن . وَعَنْ أَبِي مِجْلَز قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ الْبَيْت جَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَأَرَاهُ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ - قَالَ : وَأَحْسَبهُ قَالَ : " وَالصَّفَا وَالْمَرْوَة - ثُمَّ اِنْطَلَقَا إِلَى الْعَقَبَة فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَان , فَأَخَذَ جِبْرِيل سَبْع حَصَيَات وَأَعْطَى إِبْرَاهِيم سَبْع حَصَيَات , فَرَمَى وَكَبَّرَ , وَقَالَ لِإِبْرَاهِيم : اِرْمِ وَكَبِّرْ , فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلّ رَمْيَة حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَان . ثُمَّ اِنْطَلَقَا إِلَى الْجَمْرَة الْوُسْطَى , فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَان , فَأَخَذَ جِبْرِيل سَبْع حَصَيَات وَأَعْطَى إِبْرَاهِيم سَبْع حَصَيَات , وَقَالَ : اِرْمِ وَكَبِّرْ , فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلّ رَمْيَة حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَان . ثُمَّ أَتَيَا الْجَمْرَة الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَان , فَأَخَذَ جِبْرِيل سَبْع حَصَيَات وَأَعْطَى إِبْرَاهِيم سَبْع حَصَيَات وَقَالَ : اِرْمِ وَكَبِّرْ , فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلّ رَمْيَة حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَان . ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْعًا فَقَالَ : هَاهُنَا يَجْمَع النَّاس الصَّلَوَات . ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَات فَقَالَ : عَرَفْت ؟ فَقَالَ نَعَمْ , فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ عَرَفَات . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : عَرَفْت , عَرَفْت , عَرَفْت ؟ أَيْ مِنًى وَالْجَمْع وَهَذَا , فَقَالَ نَعَمْ , فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَان عَرَفَات . وَعَنْ خُصَيْف بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ مُجَاهِدًا حَدَّثَهُ قَالَ : لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام : " وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا " أَيْ الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَهُمَا مِنْ شَعَائِر اللَّه بِنَصِّ الْقُرْآن , ثُمَّ خَرَجَ بِهِ جِبْرِيل , فَلَمَّا مَرَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَة إِذَا إِبْلِيس عَلَيْهَا , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : كَبِّرْ وَارْمِهِ , فَارْتَفَعَ إِبْلِيس إِلَى الْوُسْطَى , فَقَالَ جِبْرِيل : كَبِّرْ وَارْمِهِ , ثُمَّ فِي الْجَمْرَة الْقُصْوَى كَذَلِكَ . ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَشْعَر الْحَرَام , ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَة فَقَالَ لَهُ : هَلْ عَرَفْت مَا أَرَيْتُك ؟ قَالَ نَعَمْ , فَسُمِّيَتْ عَرَفَات لِذَلِكَ فِيمَا قِيلَ , قَالَ : فَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ , قَالَ : كَيْف أَقُول ؟ قَالَ قُلْ : يَا أَيّهَا النَّاس , أَجِيبُوا رَبّكُمْ , ثَلَاث مِرَار , فَفَعَلَ , فَقَالُوا : لَبَّيْكَ , اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ . قَالَ : فَمَنْ أَجَابَ يَوْمئِذٍ فَهُوَ حَاجّ . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : أَنَّهُ حِين نَادَى اِسْتَدَارَ فَدَعَا فِي كُلّ وَجْه , فَلَبَّى النَّاس مِنْ كُلّ مَشْرِق وَمَغْرِب , وَتَطَأْطَأَتْ الْجِبَال حَتَّى بَعُدَ صَوْته . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ مِنْ بِنَاء الْبَيْت الْحَرَام جَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهُ : طُفْ بِهِ سَبْعًا , فَطَافَ بِهِ سَبْعًا هُوَ وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام , يَسْتَلِمَانِ الْأَرْكَان كُلّهَا فِي كُلّ طَوَاف , فَلَمَّا أَكْمَلَا سَبْعًا صَلَّيَا خَلْف الْمَقَام رَكْعَتَيْنِ . قَالَ : فَقَامَ جِبْرِيل فَأَرَاهُ الْمَنَاسِك كُلّهَا : الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَمِنًى وَالْمُزْدَلِفَة . قَالَ : فَلَمَّا دَخَلَ مِنًى وَهَبَطَ مِنْ الْعَقَبَة تَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيس . ... , فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَبَلَغَنِي أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَسْتَلِم الْأَرْكَان كُلّهَا قَبْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ : حَجَّ إِسْحَاق وَسَارَّة مِنْ الشَّام , وَكَانَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام يَحُجّهُ كُلّ سَنَة عَلَى الْبُرَاق , وَحَجَّتْهُ بَعْد ذَلِكَ الْأَنْبِيَاء وَالْأُمَم . وَرَوَى مُحَمَّد بْن سَابِط عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( كَانَ النَّبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء إِذَا هَلَكَتْ أُمَّته لَحِقَ مَكَّة فَتَعَبَّدَ بِهَا هُوَ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ حَتَّى يَمُوتُوا فَمَاتَ بِهَا نُوح وَهُود وَصَالِح وَقُبُورهمْ بَيْن زَمْزَم وَالْحِجْر ) . وَذَكَرَ اِبْن وَهْب أَنَّ شُعَيْبًا مَاتَ بِمَكَّة هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَقُبُورهمْ فِي غَرْبِيّ مَكَّة بَيْن دَار النَّدْوَة وَبَيْن بَنِي سَهْم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي الْمَسْجِد الْحَرَام قَبْرَانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرهمَا , قَبْر إِسْمَاعِيل وَقَبْر شُعَيْب عَلَيْهِمَا السَّلَام , فَقَبْر إِسْمَاعِيل فِي الْحِجْر , وَقَبْر شُعَيْب مُقَابِل الْحَجَر الْأَسْوَد . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن ضَمْرَة السَّلُولِيّ : مَا بَيْن الرُّكْن وَالْمَقَام إِلَى زَمْزَم قُبُور تِسْعَة وَتِسْعِينَ نَبِيًّا جَاءُوا حُجَّاجًا فَقُبِرُوا هُنَالِكَ , صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .

اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْل إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام : " وَتُبْ عَلَيْنَا " وَهُمْ أَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ , فَقَالَتْ طَائِفَة : طَلَبَا التَّثْبِيت وَالدَّوَام , لَا أَنَّهُمَا كَانَ لَهُمَا ذَنْب .

قُلْت : وَهَذَا حَسَن , وَأَحْسَن مِنْهُ أَنَّهُمَا لَمَّا عَرَفَا الْمَنَاسِك وَبَنَيَا الْبَيْت أَرَادَا أَنْ يُبَيِّنَا لِلنَّاسِ وَيُعَرِّفَاهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْقِف وَتِلْكَ الْمَوَاضِع مَكَان التَّنَصُّل مِنْ الذُّنُوب وَطَلَب التَّوْبَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَتُبْ عَلَى الظَّلَمَة مِنَّا . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام فِي قِصَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام .

" التَّوَّاب الرَّحِيم " وَصَفَ نَفْسه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِأَنَّهُ التَّوَّاب وَتَكَرَّرَ فِي الْقُرْآن مُعَرَّفًا وَمُنْكَرًا وَاسْمًا وَفِعْلًا وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْعَبْد أَيْضًا تَوَّاب قَالَ اللَّه تَعَالَى " إِنَّ اللَّه يُحِبّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهِّرِينَ " [ الْبَقَرَة : 222 ] قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَلِعُلَمَائِنَا فِي وَصْف الرَّبّ بِأَنَّهُ تَوَّاب ثَلَاثَة أَقْوَال أَحَدهَا أَنَّهُ يَجُوز فِي حَقّ الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى فَيُدْعَى بِهِ كَمَا فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَلَا يُتَأَوَّل وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ وَصْف حَقِيقِيّ لِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَتَوْبَة اللَّه عَلَى الْعَبْد رُجُوعه مِنْ حَال الْمَعْصِيَة إِلَى حَال الطَّاعَة وَقَالَ آخَرُونَ تَوْبَة اللَّه عَلَى الْعَبْد قَبُول تَوْبَته وَذَلِكَ يَحْتَمِل أَنْ يَرْجِع إِلَى قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى قَبِلْت تَوْبَتك وَأَنْ يُرْجِع إِلَى خَلْقه الْإِنَابَة وَالرُّجُوع فِي قَلْب الْمُسِيء وَإِجْرَاء الطَّاعَات عَلَى جَوَارِحه الظَّاهِرَة

لَا يَجُوز أَنْ يُقَال فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى تَائِب اِسْم فَاعِل مِنْ تَابَ يَتُوب لَنَا أَنْ نُطْلِق عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْمَاء وَالصِّفَات إِلَّا مَا أَطْلَقَهُ هُوَ عَلَى نَفْسه أَوْ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَة مُحَتَّم لَا جَائِز هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى , قَالَ اللَّه تَعَالَى " لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار " [ التَّوْبَة : 117 ] وَقَالَ " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده " [ التَّوْبَة : 10 ] وَإِنَّمَا قِيلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوَّاب لِمُبَالَغَةِ الْفِعْل وَكَثْرَة قَبُوله تَوْبَة عِبَاده يَتُوب إِلَيْهِ

اِعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ قُدْرَة عَلَى خَلْق التَّوْبَة لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِد بِخَلْقِ الْأَعْمَال خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْبَل تَوْبَة مَنْ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسه وَلَا أَنْ يَعْفُو عَنْهُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَقَدْ كَفَرَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِهَذَا الْأَصْل الْعَظِيم فِي الدِّين " اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه " [ التَّوْبَة : 31 ] جَلَّ وَعَزَّ وَجَعَلُوا لِمَنْ أَذْنَبَ أَنْ يَأْتِي الْحَبْر أَوْ الرَّاهِب فَيُعْطِيه شَيْئًا وَيَحُطّ عَنْهُ ذُنُوبه " اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " [ الْأَنْعَام : 140 ]
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تفسير القرآن العظيم [ جزء عم ]

    تفسير القرآن العظيم [ جزء عم ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من أجلِّ العلوم قدرًا، وأرفعها ذكرًا، العلم المتعلق بأشرف الكلام وأجله وأسماه كلام الله جل في علاه، وهو علم التفسير، إذ أن المشتغل به آخذ بروح التلاوة ولبها، ومقصودها الأعظم ومطلوبها الأهم، الذي تشرح به الصدور، وتستنير بضيائه القلوب، وهو التدبر ... ورغبةً في تحصيل هذه الفضائل وغيرها مما يطول المقام عن استقصائها ورغبة في إهداء الناس عامة شيئًا من الكنوز العظيمة واللآلئ والدرر التي يحويها كتاب الله؛ كان هذا التفسير المختصر الميسر لآخر جزء في كتاب الله تعالى - وهو جزء عم -، وذلك لكثرة قراءته وترداده بين الناس في الصلاة وغيرها، وقد جعلته على نسق واحد، وجمعت فيه بين أقوال المفسرين».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345924

    التحميل:

  • الشرح الممتع على زاد المستقنع

    الشرح الممتع: في هذه الصفحة مصورة pdf معتمدة من إصدار دار ابن الجوزي، ونسخة أخرى الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى المسألة. وكتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع يحتوي على شرح المتن الحنبلي المشهور " زاد المستقنع " لأبي النجا موسى الحجاوي وقد اعتنى الشارح - رحمه الله - فيه بحل ألفاظه وتبيين معانيه وذكر القول الراجح بدليله أو تعليله مع تقرير المذهب في كل مسألة من مسائله.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140028

    التحميل:

  • أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

    بحث فقهي طبي رصين أجاب فيه المؤلف ـ حفظه الله ـ على كثير مما يتعرض له الأطباء وتلزم معرفته لكثير من مرضى المسلمين، وهي رسالة علمية قدمت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لنيل الدرجة العالية العالمية - الدكتوراه - ونالت مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/13296

    التحميل:

  • قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

    قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة : هذا الكتاب رد على حسن بن فرحان المالكي، في كتابه " قراءة في كتب العقائد ". قدم له: معالي الشيخ العلامة الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان - حفظه الله تعالى -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116945

    التحميل:

  • في رحاب القرآن الكريم

    في رحاب القرآن الكريم: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فإن الكُتَّاب عن تاريخ القرآن وإعجازه قديمًا وحديثًا - جزاهم الله خيرًا - قد أسهَموا بقدرٍ كبيرٍ في مُعالجَة هذين الجانبين وفقًا لأهدافٍ مُعيَّنة لدى كلِّ واحدٍ منهم. إلا أنه مع كثرةِهذه المُصنَّفات فإنه لا زالَ هناك العديد من القضايا الهامَّة، وبخاصَّة ما يتعلَّق منها بالقراءات القرآنية لم أرَ أحدًا عالَجَها مُعالجةً منهجيَّةً موضوعيةً. لذلك فقد رأيتُ من الواجبِ عليَّ أن أسهم بقدرٍ من الجهد - وأتصدَّى لمُعالجة القضايا التي أغفلَها غيري؛ لأن المُصنَّفات ما هي إلا حلقات مُتَّصلة يُكمل بعضُها بعضًا، فقمتُ بإعدادِ هذا الكتابِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384414

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة