Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 120

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) (البقرة) mp3
الْمَعْنَى : لَيْسَ غَرَضهمْ يَا مُحَمَّد بِمَا يَقْتَرِحُونَ مِنْ الْآيَات أَنْ يُؤْمِنُوا , بَلْ لَوْ أَتَيْتهمْ بِكُلِّ مَا يَسْأَلُونَ لَمْ يَرْضَوْا عَنْك , وَإِنَّمَا يُرْضِيهِمْ تَرْك مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام وَاتِّبَاعهمْ . يُقَال : رَضِيَ يَرْضَى رِضًا وَرُضًا وَرِضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاة , وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو , وَيُقَال فِي التَّثْنِيَة : رِضَوَانِ , وَحَكَى الْكِسَائِيّ : رِضَيَانِ . وَحُكِيَ رِضَاء مَمْدُود , وَكَأَنَّهُ مَصْدَر رَاضَى يُرَاضِي مُرَاضَاة وَرِضَاء . " تَتَّبِع " مَنْصُوب بِأَنْ وَلَكِنَّهَا لَا تَظْهَر مَعَ حَتَّى , قَالَهُ الْخَلِيل . وَذَلِكَ أَنَّ حَتَّى خَافِضَة لِلِاسْمِ , كَقَوْلِهِ : " حَتَّى مَطْلِع الْفَجْر " [ الْقَدْر : 5 ] وَمَا يَعْمَل فِي الِاسْم لَا يَعْمَل فِي الْفِعْل أَلْبَتَّةَ , وَمَا يَخْفِض اِسْمًا لَا يَنْصِب شَيْئًا . وَقَالَ النَّحَّاس : " تَتَّبِع " مَنْصُوب بِحَتَّى , و " حَتَّى " بَدَل مِنْ أَنْ . وَالْمِلَّة : اِسْم لِمَا شَرَعَهُ اللَّه لِعِبَادِهِ فِي كُتُبه وَعَلَى أَلْسِنَة رُسُله . فَكَانَتْ الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة سَوَاء , فَأَمَّا الدِّين فَقَدْ فُرِّقَ بَيْنه وَبَيْن الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة , فَإِنَّ الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة مَا دَعَا اللَّه عِبَاده إِلَى فِعْله , وَالدِّين مَا فَعَلَهُ الْعِبَاد عَنْ أَمْره .

تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَة جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد وَأَحْمَد بْن حَنْبَل عَلَى أَنَّ الْكُفْر كُلّه مِلَّة وَاحِدَة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مِلَّتهمْ " فَوَحَّدَ الْمِلَّة , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين " [ الْكَافِرُونَ : 6 ] , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ ) عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْإِسْلَام وَالْكُفْر , بِدَلِيلِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَرِث الْمُسْلِم الْكَافِر ) . وَذَهَبَ مَالِك وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِلَى أَنَّ الْكُفْر مِلَل , فَلَا يَرِث الْيَهُودِيّ النَّصْرَانِيّ , وَلَا يَرِثَانِ الْمَجُوسِيّ , أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ ) , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " مِلَّتهمْ " فَالْمُرَاد بِهِ الْكَثْرَة وَإِنْ كَانَتْ مُوَحَّدَة فِي اللَّفْظ بِدَلِيلِ إِضَافَتهَا إِلَى ضَمِير الْكَثْرَة , كَمَا تَقُول : أَخَذْت عَنْ عُلَمَاء أَهْل الْمَدِينَة - مَثَلًا - عِلْمهمْ , وَسَمِعْت عَلَيْهِمْ حَدِيثهمْ , يَعْنِي عُلُومهمْ وَأَحَادِيثهمْ .


الْمَعْنَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّد مِنْ هُدَى اللَّه الْحَقّ الَّذِي يَضَعهُ فِي قَلْب مَنْ يَشَاء هُوَ الْهُدَى الْحَقِيقِيّ , لَا مَا يَدَّعِيه هَؤُلَاءِ .


الْأَهْوَاء جَمْع هَوًى , كَمَا تَقُول : جَمَل وَأَجْمَال , وَلَمَّا كَانَتْ مُخْتَلِفَة جُمِعَتْ , وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَفْرَاد الْمِلَّة لَقَالَ هَوَاهُمْ . وَفِي هَذَا الْخِطَاب وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ لِلرَّسُولِ , لِتَوَجُّهِ الْخِطَاب إِلَيْهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لِلرَّسُولِ وَالْمُرَاد بِهِ أُمَّته , وَعَلَى الْأَوَّل يَكُون فِيهِ تَأْدِيب لِأُمَّتِهِ , إِذْ مَنْزِلَتهمْ دُون مَنْزِلَته . وَسَبَب الْآيَة أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ الْمُسَالَمَة وَالْهُدْنَة , وَيَعِدُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ , فَأَعْلَمَهُ اللَّه أَنَّهُمْ لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتَّى يَتَّبِع مِلَّتهمْ , وَأَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ . قَوْله تَعَالَى : " مِنْ الْعِلْم " سُئِلَ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَمَّنْ يَقُول : الْقُرْآن مَخْلُوق , فَقَالَ : كَافِر , فَقِيلَ : بِمَ كَفَّرْته ؟ فَقَالَ : بِآيَاتٍ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى : " وَلَئِنْ اِتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ بَعْد الَّذِي جَاءَك مِنْ الْعِلْم " [ الْبَقَرَة : 145 ] وَالْقُرْآن مِنْ عِلْم اللَّه . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوق فَقَدْ كَفَرَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الفوز الكبير في الجمع بين قراءتي عاصم وابن كثير

    الفوز الكبير في الجمع بين قراءتي عاصم وابن كثير: المذكرة جَمَعَت بين قراءة عاصم بن أبي النَّـجود الكوفي بروايتي شعبة بن عياش وحفص بن سليمان، وقراءة عبد الله بن كثير المكي بروايتي البزي وقنبل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2066

    التحميل:

  • مصحف المدينة برواية ورش

    تحتوي هذه الصفحة على نسخة مصورة pdf من مصحف المدينة النبوية برواية ورش عن نافع.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5267

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ صالح آل الشيخ ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ للدروس التي ألقاها معالي الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305089

    التحميل:

  • تعليم تدبر القرآن الكريم أساليب علمية ومراحل منهجية

    يناقش هذا البحث موضوع تدبر القرآن الكريم من منظور التربية وعلم النفس، ويبين القواعد الأساسية لتعليمه، ويقترح مراحل منهجية تتناسب مع مراحل نضج المتعلمين، كما يقترح عددًا من الوسائل والإجراءات التربوية لكل مرحلة منها. ويضع البحث عدداً من الخطوات العملية التي يقوم بها الفرد بنفسه لتحقيق التدبر.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385702

    التحميل:

  • المراحل الثمان لطالب فهم القرآن

    المراحل الثمان لطالب فهم القرآن: قال المؤلف: «فهذه رسالة « المرَاحِلُ الثَّمَان لطَالِب فَهْم القُرْآن »، وهي في أصلها دروس علمية ألقيت على عدد من المشرفات والمدرسات في مدارس تحفيظ القرآن النسائية، وهي رسالة علمية محضة، تتحدث عن أمر جليل القدر عظيم الأثر، يتعلق بكلام الملك الرحمن عز وجل».

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332061

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة