Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 109

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) (البقرة) mp3
" فَاعْفُوا " وَالْأَصْل اِعْفُوُوا حُذِفَتْ الضَّمَّة لِثِقَلِهَا , ثُمَّ حُذِفَتْ الْوَاو لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَالْعَفْو : تَرْك الْمُؤَاخَذَة بِالذَّنْبِ . وَالصَّفْح : إِزَالَة أَثَره مِنْ النَّفْس . صَفَحْت عَنْ فُلَان إِذَا أَعْرَضْت عَنْ ذَنْبه . وَقَدْ ضَرَبْت عَنْهُ صَفْحًا إِذَا أَعْرَضْت عَنْهُ وَتَرَكْته , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " أَفَنَضْرِب عَنْكُمْ الذِّكْر صَفْحًا " [ الزُّخْرُف : 5 ] .

هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ " [ التَّوْبَة : 29 ] إِلَى قَوْله : " صَاغِرُونَ " [ التَّوْبَة : 29 ] عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : النَّاسِخ لَهَا " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " [ التَّوْبَة : 5 ] . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : كُلّ آيَة فِيهَا تَرْك لِلْقِتَالِ فَهِيَ مَكِّيَّة مَنْسُوخَة بِالْقِتَالِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَحُكْمه بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَكِّيَّة ضَعِيف ; لِأَنَّ مُعَانَدَات الْيَهُود إِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ .

قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح , رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَار عَلَيْهِ قَطِيفَة فَدَكِيَّة وَأُسَامَة وَرَاءَهُ , يَعُود سَعْد بْن عُبَادَة فِي بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج قَبْل وَقْعَة بَدْر , فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول - وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُسْلِم عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ - فَإِذَا فِي الْمَجْلِس أَخْلَاط مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْيَهُود , وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِس عَجَاجَة الدَّابَّة خَمَّرَ اِبْن أُبَيّ أَنْفه بِرِدَائِهِ وَقَالَ : لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا ! فَسَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ , فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن , فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول : أَيّهَا الْمَرْء , لَا أَحْسَن مِمَّا تَقُول إِنْ كَانَ حَقًّا ! فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسنَا , [ اِرْجِعْ إِلَى رَحْلك ] فَمَنْ جَاءَك فَاقْصُصْ عَلَيْهِ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة : بَلَى يَا رَسُول اللَّه , فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسنَا , فَإِنَّا نُحِبّ ذَلِكَ . فَاسْتَتَبَّ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُود حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ , فَلَمْ يَزَلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضهُمْ حَتَّى سَكَنُوا , ثُمَّ رَكِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّته فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْد بْن عُبَادَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( [ يَا سَعْد ] أَلَمْ تَسْمَع إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَاب - يُرِيد عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ - قَالَ كَذَا وَكَذَا ) فَقَالَ : أَيْ رَسُول اللَّه , بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! اُعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ , فَوَاَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَاب بِالْحَقِّ لَقَدْ جَاءَك اللَّه بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك , وَلَقَدْ اِصْطَلَحَ أَهْل هَذِهِ الْبُحَيْرَة عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ , فَلَمَّا رَدَّ اللَّه ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاك شَرِقَ بِذَلِكَ , فَذَلِكَ فِعْل مَا رَأَيْت , فَعَفَا عَنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَاب كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى , وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا " [ آل عِمْرَان : 186 ] , وَقَالَ : " وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْل الْكِتَاب " فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّل فِي الْعَفْو عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ , فَلَمَّا غَزَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّه بِهِ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيد الْكُفَّار وَسَادَات قُرَيْش , فَقَفَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه غَانِمِينَ مَنْصُورِينَ , مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ صَنَادِيد الْكُفَّار وَسَادَات قُرَيْش , قَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَة الْأَوْثَان : هَذَا أَمْر قَدْ تَوَجَّهَ , فَبَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَام , فَأَسْلَمُوا .


يَعْنِي قَتْل قُرَيْظَة وَجَلَاء بَنِي النَّضِير .


عُمُوم , وَمَعْنَاهُ عِنْد الْمُتَكَلِّمِينَ فِيمَا يَجُوز وَصْفه تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِالْقَدِيرِ , فَهُوَ سُبْحَانه قَدِير قَادِر مُقْتَدِر . وَالْقَدِير أَبْلَغ فِي الْوَصْف مِنْ الْقَادِر , قَالَهُ الزَّجَّاجِيّ . وَقَالَ الْهَرَوِيّ : وَالْقَدِير وَالْقَادِر بِمَعْنًى وَاحِد , يُقَال : قَدَرْت عَلَى الشَّيْء أَقْدِر قَدْرًا وَقَدَرًا وَمَقْدِرَة وَمَقْدُرَة وَقُدْرَانًا , أَيْ قُدْرَة . وَالِاقْتِدَار عَلَى الشَّيْء : الْقُدْرَة عَلَيْهِ . فَاَللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَادِر مُقْتَدِر قَدِير عَلَى كُلّ مُمْكِن يَقْبَل الْوُجُود وَالْعَدَم . فَيَجِب عَلَى كُلّ مُكَلَّف أَنْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَادِر , لَهُ قُدْرَة بِهَا فَعَلَ وَيَفْعَل مَا يَشَاء عَلَى وَفْق عِلْمه وَاخْتِيَاره . وَيَجِب عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَم أَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَة يَكْتَسِب بِهَا مَا أَقْدَرَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ عَلَى مَجْرَى الْعَادَة , وَأَنَّهُ غَيْر مُسْتَبِدّ بِقُدْرَتِهِ . وَإِنَّمَا خَصَّ هُنَا تَعَالَى صِفَته الَّتِي هِيَ الْقُدْرَة بِالذِّكْرِ دُون غَيْرهَا , لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْر فِعْل مُضَمَّنه الْوَعِيد وَالْإِخَافَة , فَكَانَ ذِكْر الْقُدْرَة مُنَاسِبًا لِذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم . فَهَذِهِ عِشْرُونَ آيَة عَلَى عَدَد الْكُوفِيِّينَ , أَرْبَع آيَات فِي وَصْف الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ تَلِيهَا آيَتَانِ فِي ذِكْر الْكَافِرِينَ , وَبَقِيَّتهَا فِي الْمُنَافِقِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الرِّوَايَة فِيهَا عَنْ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَهُ مُجَاهِد أَيْضًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة

    الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة: يدرس هذا الكتاب قضية الإيمان بالملائكة، وهي قضيةٌ مهمة من قضايا العقيدة، ويبحث معنى الإيمان بالملائكة، وصفات الملائكة، كما يدرس طرفًا من أعمال الملائكة المُكلَّفين بها، ثم يعرض لأوجه الاختلاف بين عمل الملائكة وعمل الشياطين، ويختتم الكتاب بأثر الإيمان بالملائكة في حياة الإنسان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314807

    التحميل:

  • فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة

    فضل أهل البيت: مَن هم أهل البيت؟، مُجمل عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أهل البيت، فضائل أهل البيت في القرآن الكريم، فضائل أهل البيت في السنَّة المطهَّرة، علوُّ مكانة أهل البيت عند الصحابة وتابعيهم بإحسان، مقارنة بين عقيدة أهل السُّنَّة وعقيدة غيرهم في أهل البيت، تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2125

    التحميل:

  • المسابقات القرآنية المحلية والدولية

    تقرير موجز عن المسابقات القرآنية المحلية - في المملكة العربية السعودية حرسها الله بالإسلام - والدولية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111038

    التحميل:

  • حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والاخلال

    حقوق النبي بين الإجلال والاخلال : هذه الرسالة تحتوي على سبع مقالات تدور حول حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي: دمعة على حب النبي - صلى الله عليه وسلم -، محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه، اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضوء الوحيين، حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي، ظاهرة الاحتفال بالمولد النبوي وآثارها، مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي، قوادح عقدية في بردة البوصيري.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168870

    التحميل:

  • الطيرة

    الطيرة : في هذه الرسالة جمع لبعض ما تناثر في باب الطيرة؛ رغبة في إلقاء الضوء حول هذه المسلك، وتبيان ضرره، وعلاجه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172691

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة