Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 9

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَخِدَاع الْمُنَافِق رَبّه وَالْمُؤْمِنِينَ إظْهَاره بِلِسَانِهِ مِنْ الْقَوْل وَالتَّصْدِيق خِلَاف الَّذِي فِي قَلْبه مِنْ الشَّكّ وَالتَّكْذِيب لِيَدْرَأ عَنْ نَفْسه بِمَا أَظْهَر بِلِسَانِهِ حُكْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - اللَّازِم مَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَاله مِنْ التَّكْذِيب لَوْ لَمْ يُظْهِر بِلِسَانِهِ مَا أَظَهَرَ مِنْ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار - مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء , فَذَلِكَ خِدَاعه رَبّه وَأَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَكُون الْمُنَافِق لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مُخَادِعًا وَهُوَ لَا يَظْهَر بِلِسَانِهِ خِلَاف مَا هُوَ لَهُ مُعْتَقِد إلَّا تَقِيَّة ؟ قِيلَ : لَا تَمْتَنِع الْعَرَب أَنْ تُسَمِّي مِنْ أَعْطَى بِلِسَانِهِ غَيْر الَّذِي هُوَ فِي ضَمِيره تَقِيَّة لِيَنْجُوَ مِمَّا هُوَ لَهُ خَائِف , فَنَجَا بِذَلِكَ مِمَّا خَافَهُ مُخَادِعًا لِمَنْ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِاَلَّذِي أَظْهَر لَهُ مِنْ التَّقِيَّة , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق سُمِّيَ مُخَادِعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِإِظْهَارِهِ مَا أَظْهَر بِلِسَانِهِ تَقِيَّة مِمَّا تَخَلَّصَ بِهِ مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَالْعَذَاب الْعَاجِل , وَهُوَ لِغَيْرِ مَا أَظْهَر مُسْتَبْطَن , وَذَلِكَ مِنْ فِعْله وَإِنْ كَانَ خِدَاعًا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِل الدُّنْيَا فَهُوَ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ مِنْ فِعْله خَادِع ; لِأَنَّهُ يُظْهِر لَهَا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِهَا أَنَّهُ يُعْطِيهَا أُمْنِيَّتهَا وَيَسْقِيهَا كَأْس سُرُورهَا , وَهُوَ مُوَرِّدهَا بِهِ حِيَاض عَطْبهَا , وَمُجَرِّعهَا بِهِ كَأْس عَذَابهَا , وَمُذِيقهَا مِنْ غَضَب اللَّه وَأَلِيم عِقَابه مَا لَا قَبْل لَهَا بِهِ . فَذَلِكَ خَدِيعَته نَفْسه ظَنًّا مِنْهُ مَعَ إسَاءَته إلَيْهَا فِي أَمْر مَعَادهَا أَنَّهُ إلَيْهَا مُحْسِن , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } إعْلَامًا مِنْهُ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِإِسَاءَتِهِمْ إلَى أَنْفُسهمْ فِي إسْخَاطهمْ رَبّهمْ بِكُفْرِهِمْ وَشَكَّهُمْ وَتَكْذِيبهمْ غَيْر شَاعِرِينَ وَلَا دَارِينَ , وَلَكِنَّهُمْ عَلَى عَمْيَاء مِنْ أَمْرهمْ مُقِيمُونَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ كَانَ ابْن زَيْد يَقُول . 268 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ , أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد , عَنْ قَوْله اللَّه جَلَّ ذِكْره : { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } إلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَرَسُوله وَاَلَّذِينَ آمَنُوا , أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِمَا أَظَهَرُوا . وَهَذِهِ الْآيَة مِنْ أَوْضَح الدَّلِيل عَلَى تَكْذِيب اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَوْل الزَّاعِمِينَ : إنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب مِنْ عِبَاده إلَّا مَنْ كَفَرَ بِهِ عِنَادًا , بَعْد عِلْمه بِوَحْدَانِيَّته , وَبَعْد تَقَرُّر صِحَّة مَا عَانَدَ رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيده وَالْإِقْرَار بِكُتُبِهِ وَرُسُله عِنْده ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ النِّفَاق وَخِدَاعهمْ إيَّاهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِل مُقِيمُونَ , وَأَنَّهُمْ بِخِدَاعِهِمْ الَّذِي يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ بِهِ يُخَادِعُونَ رَبّهمْ وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ مَخْدُوعُونَ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ مِنْ نُبُوَّة نَبِيّه وَاعْتِقَاد الْكُفْر بِهِ , وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ فِي زَعْمهمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ , وَهُمْ عَلَى الْكُفْر مُصِرُّونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُفَاعَلَة لَا تَكُون إلَّا مِنْ فَاعِلِينَ , كَقَوْلِك : ضَارَبْت أَخَاك , وَجَالَسْت أَبَاك ; إذَا كَانَ كُلّ وَاحِد مَجَالِس صَاحِبه وَمُضَارِبه . فَأَمَّا إذَا كَانَ الْفِعْل مِنْ أَحَدهمَا فَإِنَّمَا يُقَال : ضَرَبْت أَخَاك وَجَلَسْت إلَى أَبِيك , فَمَنْ خَادَعَ الْمُنَافِق فَجَازَ أَنْ يُقَال فِيهِ : خَادِع اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ . قِيلَ : قَدْ قَالَ بَعْض الْمَنْسُوبِينَ إلَى الْعِلْم بِلُغَاتِ الْعَرَب : إنَّ ذَلِكَ حَرْف جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَة , أَعْنِي " يُخَادِع " بِصُورَةِ " يُفَاعِل " وَهُوَ بِمَعْنَى " يَفْعَل " فِي حُرُوف أَمْثَالهَا شَاذَّة مِنْ مَنْطِق الْعَرَب , نَظِير قَوْلهمْ : قَاتَلَك اللَّه , بِمَعْنَى قَتْلك اللَّه . وَلَيْسَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَاَلَّذِي قَالَ , بَلْ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاعُل الَّذِي لَا يَكُون إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ مَا يُعْرَف مِنْ مَعْنَى " يُفَاعَل وَمُفَاعَل " فِي كُلّ كَلَام الْعَرَب , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِق يُخَادِع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِكَذِبِهِ بِلِسَانِهِ عَلَى مَا قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفه , وَاَللَّه تَبَارَكَ اسْمه خَادِعه بِخِذْلَانِهِ عَنْ حُسْن الْبَصِيرَة بِمَا فِيهِ نَجَاة نَفْسه فِي آجَلّ مَعَاده , كَاَلَّذِي أَخْبَرَ فِي قَوْله : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرًا لِأَنْفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا } 3 178 وَبِالْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِل بِهِ فِي الْآخِرَة بِقَوْلِهِ : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُوركُمْ } 57 13 الْآيَة , فَذَلِكَ نَظِير سَائِر مَا يَأْتِي مِنْ مَعَانِي الْكَلَام بِفَاعِلِ وَمُفَاعِل . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل النَّحْو مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : لَا تَكُون الْمُفَاعَلَة إلَّا مِنْ شَيْئَيْنِ , وَلَكِنَّهُ إنَّمَا قِيلَ : يُخَادِعُونَ اللَّه عِنْد أَنْفُسهمْ بِظَنِّهِمْ أَنْ لَا يُعَاقَبُوا , فَقَدْ عَلِمُوا خِلَاف ذَلِكَ فِي أَنْفُسهمْ بِحُجَّةِ اللَّه تَبَارَكَ اسْمه الْوَاقِعَة عَلَى خَلْقه بِمُعْرِفَتِهِ { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : { وَمَا يَخْدَعُونَ } يَقُول : يَخْدَعُونَ أَنْفُسهمْ بِالتَّخْلِيَةِ بِهَا . وَقَدْ تَكُون الْمُفَاعَلَة مِنْ وَاحِد فِي أَشْيَاء كَثِيرَة .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ لَيْسَ الْمُنَافِقُونَ قَدْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَيْل الْحَقّ عَنْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ وَذَرَارِيّهمْ حَتَّى سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ كَانُوا مَخْدُوعِينَ فِي أَمْر آخِرَتهمْ ؟ قِيلَ : خَطَأ أَنْ يُقَال إنَّهُمْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّا إذَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوَجَبْنَا لَهُمْ حَقِيقَة خَدْعَة جَازَتْ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , كَمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا : قَتَلَ فُلَان فُلَانًا , أَوَجَبْنَا لَهُ حَقِيقَة قَتْل كَانَ مِنْهُ لِفُلَانٍ . وَلَكِنَّا نَقُول : خَادَعَ الْمُنَافِقُونَ رَبّهمْ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يَخْدَعُوهُمْ بَلْ خَدَعُوا أَنْفُسهمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , دُون غَيْرهَا , نَظِير مَا تَقُول فِي رَجُل قَاتَلَ آخَر فَقَتَلَ نَفْسه وَلَمْ يَقْتُل صَاحِبه : قَاتَلَ فُلَان فُلَانًا وَلَمْ يَقْتُل إلَّا نَفْسه , فَتُوجِب لَهُ مُقَاتِلَة صَاحِبه , وَتَنْفِي عَنْهُ قَتْله صَاحِبه , وَتُوجِب لَهُ قَتْل نَفْسه . فَكَذَلِكَ تَقُول : خَادَعَ الْمُنَافِق رَبّه وَالْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يَخْدَع إلَّا نَفْسه , فَتَثْبُت مِنْهُ مُخَادَعَة رَبّه وَالْمُؤْمِنِينَ , وَتَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُون خَدَعَ غَيْر نَفْسه ; لِأَنَّ الْخَادِع هُوَ الَّذِي قَدْ صَحَّتْ لَهُ الْخَدِيعَة وَوَقَعَ مِنْهُ فِعْلهَا . فَالْمُنَافِقُونَ لَمْ يَخْدَعُوا غَيْر أَنْفُسهمْ , لِأَنَّ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَال وَأَهْل فَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ مَلِكُوهُ عَلَيْهِمْ فِي حَال خِدَاعهمْ إيَّاهُ عَنْهُ بِنِفَاقِهِمْ وَلَا قَبْلهَا فَيَسْتَنْقِذُوهُ بِخِدَاعِهِمْ مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا دَافَعُوا عَنْهُ بِكَذِبِهِمْ وَإِظْهَارهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ غَيْر الَّذِي فِي ضَمَائِرهمْ , وَيْحكُمْ اللَّه لَهُمْ فِي أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ وَذَرَارِيّهمْ فِي ظَاهِر أُمُورهمْ بِحُكْمِ مَا انْتَسَبُوا إلَيْهِ مِنْ الْمِلَّة , وَاَللَّه بِمَا يَخْفُونَ مِنْ أُمُورهمْ عَالِم . وَإِنَّمَا الْخَادِع مَنْ خَتَلَ غَيْره عَنْ شَيْئِهِ , وَالْمَخْدُوع غَيْر عَالِم بِمَوْضِعِ خَدِيعَة خَادِعه . فَأَمَّا وَالْمُخَادِع عَارِف بِخِدَاعِ صَاحِبه إيَّاهُ , وَغَيْر لَاحِقه مِنْ خِدَاعه إيَّاهُ مَكْرُوه , بَلْ إنَّمَا يَتَجَافَى لِلظَّانِّ بِهِ أَنَّهُ لَهُ مُخَادِع اسْتِدْرَاجًا لِيَبْلُغ غَايَة يَتَكَامَل لَهُ عَلَيْهِ الْحُجَّة لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَوْقِع عِنْد بُلُوغه إيَّاهَا . وَالْمُسْتَدْرَج غَيْر عَالِم بِحَالِ نَفْسه عِنْد مُسْتَدْرَجه , وَلَا عَارِف بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ضَمِيره , وَأَنَّ إمْهَال مُسْتَدْرَجِيهِ إيَّاهُ تَرَكَهُ مُعَاقَبَته عَلَى جُرْمه لِيَبْلُغ الْمُخَاتِل الْمُخَادِع مِنْ اسْتِحْقَاقه عُقُوبَة مُسْتَدْرَجه بِكَثْرَةِ إسَاءَته وَطُول عِصْيَانه إيَّاهُ وَكَثْرَة صَفْح الْمُسْتَدْرَج وَطُول عَفْوه عَنْهُ أَقْصَى غَايَة , فَإِنَّمَا هُوَ خَادَعَ نَفْسه لَا شَكَّ دُون مَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسه أَنَّهُ لَهُ مُخَادِع . وَلِذَلِكَ نَفَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْمُنَافِق أَنْ يَكُون خَدَعَ غَيْر نَفْسه , إذْ كَانَتْ الصِّفَة الَّتِي وَصَفْنَا صِفَته . وَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ خِدَاع الْمُنَافِق رَبّه وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ , وَأَنَّهُ غَيْر سَائِر بِخِدَاعِهِ ذَلِكَ إلَى خَدِيعَة صَحِيحَة إلَّا لِنَفْسِهِ دُون غَيْرهَا لِمَا يُوَرِّطهَا بِفِعْلِهِ مِنْ الْهَلَاك وَالْعَطْب , فَالْوَاجِب إذًا أَنْ يَكُون الصَّحِيح مِنْ الْقِرَاءَة : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } دُون : " وَمَا يُخَادِعُونَ " , لِأَنَّ لَفْظ الْمُخَادِع غَيْر مُوجِب تَثْبِيت خَدِيعَة عَلَى صِحَّة , وَلَفْظ خَادِع مُوجِب تَثْبِيت خَدِيعَة عَلَى صِحَّة . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنَافِق قَدْ أَوَجَبَ خَدِيعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ بِمَا رَكِبَ مِنْ خِدَاعه رَبّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ بِنِفَاقِهِ , فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الصِّحَّة لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } وَمِنْ الدَّلَالَة أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَمَا يَخْدَعُونَ } أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَمَا يُخَادِعُونَ " أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّل الْآيَة , فَمُحَال أَنْ يَنْفِي عَنْهُمْ مَا قَدْ أَثَبَتَ أَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوهُ , لِأَنَّ ذَلِكَ تَضَادّ فِي الْمَعْنَى , وَذَلِكَ غَيْر جَائِز مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَشْعُرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا يَشْعُرُونَ } : وَمَا يَدْرُونَ , يُقَال : مَا شَعَرَ فُلَان بِهَذَا الْأَمْر , وَهُوَ لَا يَشْعُر بِهِ إذَا لَمْ يَدْرِ وَلَمْ يَعْلَم شَعَرًا وَشُعُورًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَقُّوا بِسَهْمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَد ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا حَبَّذَا الْوَضَح يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " لَمْ يَشْعُر بِهِ " : لَمْ يَدْرِ بِهِ أَحَد وَلَمْ يَعْلَم . فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ الْمُنَافِقِينَ , أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّ اللَّه خَادِعهمْ بِإِمْلَائِهِ لَهُمْ وَاسْتِدْرَاجه إيَّاهُمْ الَّذِي هُوَ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إبْلَاغ إلَيْهِمْ فِي الْحُجَّة وَالْمَعْذِرَة , وَمِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ خَدِيعَة , وَلَهَا فِي الْآجِل مَضَرَّة . كَاَلَّذِي : 269 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : سَأَلْت ابْن زَيْد عَنْ قَوْله : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : مَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ ضَرُّوا أَنْفُسهمْ بِمَا أَسَرُّوا مِنْ الْكُفْر وَالنِّفَاق . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ , حَتَّى بَلَغَ { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء } 58 18 قَدْ كَانَ الْإِيمَان يَنْفَعهُمْ عِنْدكُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من مشكلات الشباب

    من مشكلات الشباب: رسالة حرَّرها فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -، وقد عالجَ فيها بعضًا من مشاكل الشباب، وخصائص الشباب المستقيم وضده المنحرف أو المتردد الحائر، وأسباب الانحراف، والإشكالات التي قد ترِد على الأذهان والإجابات بشأنها.

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/349281

    التحميل:

  • كتاب العلم

    كتاب العلم : يحتوي على نصائح وتوجيهات في منهجية طلب العلم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144939

    التحميل:

  • المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية تاريخها ومخاطرها

    المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية : فإن أعداء الله عباد الصليب وغيرهم من الكافرين، أنزلوا بالمسلمين استعماراً من طراز آخر هو: " الاستعمار الفكري " وهو أشد وأنكى من حربهم المسلحة! فأوقدوها معركة فكرية خبيثة ماكرة، وناراً ماردة، وسيوفاً خفية على قلوب المسلمين باستعمارها عقيدة وفكراً ومنهج حياة؛ ليصبح العالم الإسلامي غربياً في أخلاقه ومقوماته، متنافراً مع دين الإسلام الحق، وكان أنكى وسائله: جلب " نظام التعليم الغربي " و" المدارس الاستعمارية – الأجنبية العالمية " إلى عامة بلاد العالم الإسلامي، ولم يبق منها بلد إلا دخلته هذه الكارثة، وفي هذا الكتاب بيان تاريخ هذه المدارس ومخاطرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117118

    التحميل:

  • رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوى

    رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوى [ نسخة مصورة ] : مجلدان من 977 صفحة، يحتويان على سبعة رسائل في بيان حكم الاحتفال بالمولد النبوي وهي: 1- المورد في عمل المولد، للشيخ تاج الدين الفاكهاني. 2- حكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه : للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. 3- حكم الإحتفال بالمولد النبوي : للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. 4 - الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي : للشيخ حمود بن عبد الله التويجري. 5- الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف : للشيخ أبي بكر الجزائري. 6 - القول الفصل في حكم التوسل بخير الرسل : للشيخ إسماعيل محمد الأنصاري. 7 - الاحتفال بالمولد بين الإتباع والإبتداع : للشيخ محمد بن سعيد بن شقير.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com - دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172280

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ صالح الفوزان ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة شرح فضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305087

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة