Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 83

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْمِيثَاق مِفْعَال , مِنْ التَّوَثُّق بِالْيَمِينِ وَنَحْوهَا مِنْ الْأُمُور الَّتِي تُؤَكِّد الْقَوْل . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَاذْكُرُوا أَيْضًا يَا مَعْشَر بَنِي إسْرَائِيل إذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه . كَمَا : 1192 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل } أَيْ مِيثَاقكُمْ { لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقِرَاءَة مُخْتَلِفَة فِي قِرَاءَة قَوْله : { لَا تَعْبُدُونَ } فَبَعْضهمْ يَقْرَؤُهَا بِالتَّاءِ , وَبَعْضهمْ يَقْرَؤُهَا بِالْيَاءِ , وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاحِد . وَإِنَّمَا جَازَتْ الْقِرَاءَة بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَأَنْ يُقَال : { لَا تَعْبُدُونَ } ; و { لَا يَعْبُدُونَ } وَهُمْ غَيْب ; لِأَنَّ أَخْذ الْمِيثَاق بِمَعْنَى الِاسْتِحْلَاف , فَكَمَا تَقُول : اسْتَحْلَفْت أَخَاك لَيَقُومَنَّ , فَتُخْبِر عَنْهُ خَبَرك عَنْ الْغَائِب لِغَيْبَتِهِ عَنْك , وَتَقُول : اسْتَحْلَفْته لَتَقُومَنَّ , فَتُخْبِر عَنْهُ خَبَرك عَنْ الْمُخَاطَب ; لِأَنَّك قَدْ كُنْت خَاطَبْته بِذَلِكَ , فَيَكُون ذَلِكَ صَحِيحًا جَائِزًا , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } و { لَا يَعْبُدُونَ } . مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَى الْخِطَاب إذْ كَانَ الْخِطَاب قَدْ كَانَ بِذَلِكَ , وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فِي وَقْت الْخَبَر عَنْهُمْ . وَأَمَّا رَفْع لَا تَعْبُدُونَ فَبِالتَّاءِ الَّتِي فِي تَعْبُدُونَ , وَلَا يُنْصَب ب " أَنَّ " الَّتِي كَانَتْ تَصْلُح أَنْ تَدْخُل مَعَ : { لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } لِأَنَّهَا إذَا صَلَحَ دُخُولهَا عَلَى فعل فَحُذِفَتْ وَلَمْ تَدْخُل كَانَ وَجْه الْكَلَام فِيهِ الرَّفْع كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قُلْ أَفَغَيْر اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعَبْد أَيّهَا الْجَاهِلُونَ } فَرَفَعَ " أَعَبْد " إذْ لَمْ تَدْخُل فِيهَا أَنَّ بِالْأَلِفِ الدَّالَّة عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَال . وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُر الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَد اللَّذَّات هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي فَرَفَعَ " أَحْضُر " وَإِنْ كَانَ يَصْلُح دُخُول " أَنَّ " فِيهَا , إذْ حُذِفَتْ بِالْأَلِفِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال . وَإِنَّمَا صَلَحَ حَذْف " أَنَّ " مِنْ قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ } لِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهَا , فَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ الظَّاهِر عَلَيْهَا مِنْهَا . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } حِكَايَة , كَأَنَّك قُلْت : اسْتَحْلَفْنَاهُمْ لَا تَعْبُدُونَ , أَيْ قُلْنَا لَهُمْ : وَاَللَّه لَا تَعْبُدُونَ , وَقَالُوا : وَاَللَّه لَا يَعْبُدُونَ . وَاَلَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ قَرِيب مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } تَأَوَّلَهُ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1193 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : أَخَذَ مَوَاثِيقهمْ أَنْ يَخْلُصُوا لَهُ وَأَنْ لَا يَعْبُدُوا غَيْره . 1194 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } قَالَ : أَخَذْنَا مِيثَاقهمْ أَنْ يَخْلُصُوا لِلَّهِ وَلَا يَعْبُدُوا غَيْره . 1195 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } قَالَ : الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَة .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } . وَقَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } عَطْف عَلَى مَوْضِع " أَنَّ " الْمَحْذُوفَة فِي { لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّه وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا . فَرَفَعَ { لَا تَعْبُدُونَ } لَمَّا حَذَفَ " أَنَّ " , ثُمَّ عَطْف بِالْوَالِدَيْنِ عَلَى مَوْضِعهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مُعَاوِيَ إنَّنَا بَشَر فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا فَنَصَبَ " الْحَدِيد " عَلَى الْعَطْف بِهِ عَلَى مَوْضِع الْجِبَال ; لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا بَاءَ خَافِضَة كَانَتْ نَصْبًا , فَعَطَفَ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى الْجِبَال لَا عَلَى لَفْظهَا , فَكَذَلِكَ مَا وَصَفْت مِنْ قَوْله : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } . وَأَمَّا الْإِحْسَان فَمَنْصُوب بِفِعْلٍ مُضْمَر يُؤَدِّي مَعْنَاهُ قَوْله : { وَبِالْوَالِدَيْنِ } إذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام لَوْ أَظَهَرَ الْمَحْذُوف : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل بِأَنَّ لَا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّه , وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إلَى الْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا . فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ : { وَبِالْوَالِدَيْنِ } مِنْ أَنْ يُقَال : وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إلَى الْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا , إذْ كَانَ مَفْهُومًا أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَبِالْوَالِدَيْنِ فَأَحْسِنُوا إحْسَانًا ; فَجَعَلَ " الْبَاء " الَّتِي فِي " الْوَالِدَيْنِ " مِنْ صِلَة الْإِحْسَان مُقَدَّمَة عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّه , وَأُحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا . فَزَعَمُوا أَنَّ " الْبَاء " الَّتِي فِي " الْوَالِدَيْنِ " مِنْ صِلَة الْمَحْذُوف , أَعْنِي " أَحْسِنُوا " , فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ كَلَامَيْنِ . وَإِنَّمَا يُصْرَف الْكَلَام إلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوجَد لِاتِّسَاقِ الْكَلَام عَلَى كَلَام وَاحِد وَجْه , فَأَمَّا وَلِلْكَلَامِ وَجْه مَفْهُوم عَلَى اتِّسَاقه عَلَى كَلَام وَاحِد فَلَا وَجْه لِصَرْفِهِ إلَى كَلَامَيْنِ . وَأُخْرَى : أَنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالُوا لَقِيلَ : " وَإِلَى الْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا " ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَال : أَحْسَنَ فُلَان إلَى وَالِدَيْهِ , وَلَا يُقَال : أَحْسَنَ بِوَالِدَيْهِ , إلَّا عَلَى اسْتِكْرَاه لِلْكَلَامِ . وَلَكِنَّ الْقَوْل فِيهِ مَا قُلْنَا , وَهُوَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل بِكَذَا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا , عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْل . فَيَكُون وَالْإِحْسَان حِينَئِذٍ مَصْدَرًا مِنْ الْكَلَام لَا مِنْ لَفْظه كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِره . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا ذَلِكَ الْإِحْسَان الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ وَبِالْوَالِدَيْنِ الْمِيثَاق ؟ قِيلَ : نَظِير مَا فَرَضَ اللَّه عَلَى أُمَّتنَا لَهُمَا مِنْ فِعْل الْمَعْرُوف لَهُمَا وَالْقَوْل الْجَمِيل , وَخَفْض جَنَاح الذُّلّ رَحْمَة بِهِمَا وَالتَّحَنُّن عَلَيْهِمَا , وَالرَّأْفَة بِهِمَا وَالدُّعَاء بِالْخَيْرِ لَهُمَا , وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي نَدَبَ اللَّه عِبَاده أَنْ يَفْعَلُوا بِهِمَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَذِي الْقُرْبَى } وَبِذِي الْقُرْبَى أَنْ يَصِلُوا قَرَابَته مِنْهُمْ وَرَحِمه . وَالْقُرْبَى مَصْدَر عَلَى تَقْدِير " فُعْلَى " مِنْ قَوْلك : قَرُبَتْ مِنِّي رَحِم فُلَان قَرَابَة وَقُرْبَى وَقُرْبًا بِمَعْنًى وَاحِد . وَأَمَّا الْيَتَامَى فَهُمْ جَمْع يَتِيم , مِثْل أَسِير وَأُسَارَى ; وَيَدْخُل فِي الْيَتَامَى الذُّكُور مِنْهُمْ وَالْإِنَاث . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه وَحْده دُون مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى , أَنْ تَصِلُوا رَحِمه , وَتَعْرِفُوا حَقّه , وَبِالْيَتَامَى : أَنْ تَتَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَة , وَبِالْمَسَاكِينِ : أَنْ تُؤْتُوهُمْ حُقُوقهمْ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّه أَمْوَالكُمْ . وَالْمِسْكِين : هُوَ الْمُتَخَشِّع الْمُتَذَلِّل مِنْ الْفَاقَة وَالْحَاجَة , وَهُوَ " مِفْعِيل " مِنْ الْمَسْكَنَة , وَالْمَسْكَنَة هِيَ ذُلّ الْحَاجَة وَالْفَاقَة .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } . إنْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ قِيلَ : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } فَأَخْرَجَ الْكَلَام أَمْرًا وَلِمَا يَتَقَدَّمهُ أَمْر , بَلْ الْكَلَام جَارٍ مِنْ أَوَّل الْآيَة مَجْرَى الْخَبَر ؟ قِيلَ : إنَّ الْكَلَام وَإِنْ كَانَ قَدْ جَرَى فِي أَوَّل الْآيَة مَجْرَى الْخَبَر فَإِنَّهُ مِمَّا يَحْسُن فِي مَوْضِعه الْخِطَاب بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي , فَلَوْ كَانَ مَكَان : " لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه " " لَا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّه " عَلَى وَجْه النَّهْي مِنْ اللَّه لَهُمْ عَنْ عِبَادَة غَيْره كَانَ حَسَنًا صَوَابًا ; وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَة أَبِي بْن كَعْب . وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ وَجَازَ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا بِهِ لِأَنَّ أَخْذ الْمِيثَاق قَوْل , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا كَذَلِكَ : وَإِذْ قُلْنَا لِبَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّه , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِع آخَر : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّور خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } . 2 63 فَلَمَّا كَانَ حَسَنًا وَضَعَ الْأَمْر وَالنَّهْي فِي مَوْضِع : { لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } ; عَطْف بِقَوْلِهِ : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } عَلَى مَوْضِع { لَا تَعْبُدُونَ } ; وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا فِيهِ , لِمَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَاز وَضْع الْخِطَاب بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي مَوْضِع لَا تَعْبُدُونَ ; فَكَأَنَّهُ قِيلَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّه , وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا . وَهُوَ نَظِير مَا قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَب تَبْتَدِئ الْكَلَام أَحْيَانًا عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب فِي مَوْضِع الْحِكَايَات لَمَّا أُخْبِرْت عَنْهُ , ثُمَّ تَعُود إلَى الْخَبَر عَلَى وَجْه الْخِطَاب , وَتَبْتَدِئ أَحْيَانًا عَلَى وَجْه الْخِطَاب ثُمَّ تَعُود إلَى الْإِخْبَار عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب لِمَا فِي الْحِكَايَة مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَة لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّة إنْ تَقَلَّتْ يَعْنِي تَقَلَّيْت , وَأَمَّا " الْحُسْن " فَإِنَّ الْقِرَاءَة اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَته , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قِرَاءَة الْكُوفَة غَيْر عَاصِم : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا } بِفَتْحِ الْحَاء وَالسِّين . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : { حُسْنًا } بِضَمِّ الْحَاء وَتَسْكِين السِّين . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } عَلَى مِثَال " فُعْلَى " . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي فَرْق مَا بَيْن مَعْنَى قَوْله : حُسْنًا , وَحَسَنًا . فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : هُوَ عَلَى أَحَد وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُون يُرَاد بِالْحَسَنِ الْحُسْن , وَكِلَاهُمَا لُغَة , كَمَا يُقَال : الْبُخْل وَالْبَخَل . إمَّا أَنْ يَكُون جَعَلَ الْحُسْن هُوَ الْحَسَن فِي التَّشْبِيه , وَذَلِكَ أَنَّ الْحُسْن مَصْدَر , وَالْحَسَن هُوَ الشَّيْء الْحَسَن , وَيَكُون ذَلِكَ حِينَئِذٍ كَقَوْلِك : " إنَّمَا أَنْتَ أَكْل وَشُرْب " , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَخَيْل قَدْ دَلَفْت لَهَا بِخَيْلِ تَحِيَّة بِينهمْ ضَرْب وَجِيع فَجَعَلَ التَّحِيَّة ضَرْبًا . وَقَالَ آخَر : بَلْ " الْحُسْن " هُوَ الِاسْم الْعَامّ الْجَامِع جَمِيع مَعَانِي الْحُسْن , " وَالْحَسَن " هُوَ الْبَعْض مِنْ مَعَانِي الْحُسْن , قَالَ : وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذْ أَوْصَى بِالْوَالِدِينَ : { وَوَصِيّنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } 29 8 يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ وَصَّاهُ فِيهِمَا بِجَمِيعِ مَعَانِي الْحُسْن , وَأَمَرَ فِي سَائِر النَّاس بِبَعْض الَّذِي أَمَرَه بِهِ فِي وَالِدَيْهِ فَقَالَ : { وَقُولُوا للناس حُسْنًا } يَعْنِي بِذَلِكَ بَعْض مَعَانِي الْحُسْن . وَالَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِل فِي مَعْنِى " الْحُسْن " بِضَمّ الْحَاء وَسُكُون السِّين غَيْر بِعِيدٍ مِنَ الصَّوَاب , وَأَنَّه اسْم لِنَوْعِهِ الذي سُمِّيَ بِهِ . وَأَمَّا " الْحَسَن " فَإِنَّهُ صِفَة وَقَعَتْ لَمَّا وَصَفَ بِهِ , وَذَلِكَ يَقَع بِخَاصٍّ . وَإِذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ , فَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا } لِأَنَّ الْقَوْم إنَّمَا أُمِرُوا فِي هَذَا الْعَهْد الَّذِي قِيلَ لَهُمْ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ بِاسْتِعْمَالِ الْحَسَن مِنْ الْقَوْل دُون سَائِر مَعَانِي الْحُسْن , الَّذِي يَكُون بِغَيْرِ الْقَوْل , وَذَلِكَ نَعْت لِخَاصٍّ مِنْ مَعَانِي الْحُسْن وَهُوَ الْقَوْل . فَلِذَلِكَ أَخْتَرْت قِرَاءَته بِفَتْحِ الْحَاء وَالسِّين , عَلَى قِرَاءَته بِضَمِّ الْحَاء وَسُكُون السِّين . وَأَمَّا الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } فَإِنَّهُ خَالَفَ بِقِرَاءَتِهِ إيَّاهُ كَذَلِكَ قِرَاءَة أَهْل الْإِسْلَام , وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِهَا كَذَلِكَ خُرُوجهَا مِنْ قِرَاءَة أَهْل الْإِسْلَام لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خَطَئِهَا شَاهِد غَيْره , فَكَيْف وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ خَارِجَة مِن الْمَعْرُوف مِن كَلَام الْعَرَب ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد أَنْ تَتَكَلَّم بِفُعْلَى وَأَفْعَل إِلَّا بِالْأَلِف وَاللَّامِ أَوْ بِالْإِضَافَة , لَا يُقَال : جَاءَنِي أَحْسَن حَتَّى يَقُولُوا الْأَحْسَن , وَلَا يُقَال أَجْمَل حَتَّى يَقُولُوا الْأَجْمَل , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَل وَالْفُعْلَى لَا يَكَادَانِ يُوجَدَانِ صِفَة إلَّا لِمَعْهُودِ مَعْرُوف , كَمَا تَقُول : بَلْ أَخُوك الْأَحْسَن , وَبَلْ أُخْتك الْحُسْنًا , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال : امْرَأَة حُسْنًا , وَرَجُل أَحَسَن . وَأَمَّا تَأْوِيل الْقَوْل الْحَسَن الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ الَّذِينَ وَصَفَ أَمَرَهُمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل فِي هَذِهِ الْآيَة أَنْ يَقُولُوهُ لِلنَّاسِ , فَهُوَ مَا : 1196 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } أَمَرَهُمْ أَيْضًا بَعْد هَذَا الْخُلُق أَنْ يَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا : أَنْ يَأْمُرُوا بِلَا إلَه إلَّا اللَّه مَنْ لَمْ يَقُلْهَا وَرَغِبَ عَنْهَا حَتَّى يَقُولُوهَا كَمَا قَالُوهَا , فَإِنَّ ذَلِكَ قُرْبَة مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : لَيِّن الْقَوْل مِنْ الْأَدَب الْحَسَن الْجَمِيل , وَالْخُلُق الْكَرِيم , وَهُوَ مِمَّا ارْتَضَاهُ اللَّه وَأَحَبَّهُ . 1197 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } قَالَ : قُولُوا لِلنَّاسِ مَعْرُوفًا . 1198 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } قَالَ : صِدْقًا فِي شَأْن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1199 - وَحُدِّثْت عَنْ يَزِيد بْن هَارُونَ , قَالَ : سَمِعْت سُفْيَان الثَّوْرِيّ , يَقُول فِي قَوْله : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } قَالَ : مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ , وَانْهَوْهُمْ عَنْ الْمُنْكَر . 1200 - حَدَّثَنِي هَارُونَ بْن إدْرِيس الْأَصَمّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , عَنْ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } قَالَ : مَنْ لَقِيت مِنْ النَّاس فَقُلْ لَهُ حَسَنًا مِنْ الْقَوْل . قَالَ : وَسَأَلْت أَبَا جَعْفَر , فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ . 1201 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك , عَنْ أَبِي جَعْفَر وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح فِي قَوْله : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } قَالَ : لِلنَّاسِ كُلّهمْ . * - حَدَّثَنِي يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك , عن عطاء مثله .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } أَدُّوهَا بِحُقُوقِهَا الْوَاجِبَة عَلَيْكُمْ فِيهَا . كَمَا : 1202 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن مَسْعُود , قَالَ : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } هَذِهِ , وَإِقَامَة الصَّلَاة تَمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتِّلَاوَة وَالْخُشُوع وَالْإِقْبَال عَلَيْهَا فِيهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا الزَّكَاة } . قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل مَعْنَى الزَّكَاة وَمَا أَصْلهَا . وَأَمَّا الزَّكَاة الَّتِي كَانَ اللَّه أَمَرَ بِهَا بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ ذَكَرَ أَمْرهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , فَهِيَ مَا : 1203 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَآتُوا الزَّكَاة } قَالَ : إيتَاء الزَّكَاة مَا كَانَ اللَّه فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالهمْ مِنْ الزَّكَاة , وَهِيَ سُنَّة كَانَتْ لَهُمْ غَيْر سُنَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; كَانَتْ زَكَاة أَمْوَالهمْ قُرْبَانًا تَهْبِط إلَيْهِ نَار فَتَحْمِلهَا , فَكَانَ ذَلِكَ تَقْبَلهُ , وَمَنْ لَمْ تَفْعَل النَّار بِهِ ذَلِكَ كَانَ غَيْر مُتَقَبَّل . وَكَانَ الَّذِي قَرَّبَ مِنْ مَكْسَب لَا يَحِلّ مِنْ ظُلْم أَوْ غَشْم , أَوْ أَخَذَ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَبَيَّنَهُ لَهُ . 1204 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَآتُوا الزَّكَاة } يَعْنِي بِالزَّكَاةِ : طَاعَة اللَّه وَالْإِخْلَاص .


الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل أَنَّهُمْ نَكَثُوا عَهْده وَنَقَضُوا مِيثَاقه , بَعْدَمَا أَخَذَ اللَّه مِيثَاقهمْ عَلَى الْوَفَاء لَهُ بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا غَيْره , وَأَنْ يُحْسِنُوا إلَى الْآبَاء وَالْأُمَّهَات , وَيَصِلُوا الْأَرْحَام , وَيَتَعَطَّفُوا عَلَى الْأَيْتَام , وَيُؤَدُّوا حُقُوق أَهْل الْمَسْكَنَة إلَيْهِمْ , وَيَأْمُرُوا عِبَاد اللَّه بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَيَحُثُّوهُمْ عَلَى طَاعَته , وَيُقِيمُوا الصَّلَاة بِحُدُودِهَا وَفَرَائِضهَا , وَيُؤْتُوا زَكَاة أَمْوَالهمْ . فَخَالَفُوا أَمْره فِي ذَلِكَ كُلّه , وَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ , إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه مِنْهُمْ فَوَفَّى لِلَّهِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقه . كَمَا : 1205 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا فَرَضَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه أَمْرهمْ فِي كِتَابه مِنْ بَنِي إسْرَائِيل - هَذَا الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقهمْ بِهِ , أَعَرَضُوا عَنْهُ اسْتِثْقَالًا وَكَرَاهِيَة , وَطَلَبُوا مَا خَفَّ عَلَيْهِمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّه فَقَالَ : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } يَقُول : أَعَرَضْتُمْ عَنْ طَاعَتِي { إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ } قَالَ : الْقَلِيل الَّذِينَ اخْتَرْتهمْ لِطَاعَتِي , وَسَيَحِلُّ عِقَابِي بِمِنْ تَوَلَّى وَأَعْرَضَ عَنْهَا ; يَقُول : تَرَكهَا اسْتِخْفَافًا بِهَا . 1206 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } أَيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنَى بِسَائِرِ الْآيَة أَسْلَافهمْ ; كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ } ثُمَّ تَوَلَّى سَلَفكُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , وَلَكِنَّهُ جَعَلَ خِطَابًا لِبَقَايَا نَسْلهمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى قَبْل . ثُمَّ قَالَ : وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَر بَقَايَاهُمْ مُعْرِضُونَ أَيْضًا عَنْ الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ وَتَارِكُوهُ تَرْك أَوَائِلكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْله : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } خِطَاب لِمَنْ كَانَ بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل , وَذَمّ لَهُمْ بِنَقْضِهِمْ الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة وَتَبْدِيلهمْ أَمْر اللَّه وَرُكُوبهمْ مَعَاصِيه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أسوار العفاف .. قبس من سورة النور

    أسوار العفاف: هذه الكلمات قَبْسة من مشكاة «النور» ورَشْفة من شَهْدها، فالنور لم يبتدئ العظيم في القرآن العظيم سواها بتعظيم. هي سورة الطُهر والفضيلة تغسل قلوب المؤمنين والمؤمنات غسلاً فما تُبقي فيها دنسًا، وهي حين استهلَّت قالت «سورةٌ» لتبني أسوارًا خمسة شاهقة متينة تحوط العفة وتحمي الطُهر. العِرض فيها كقلب المدينة الحَصان لا يُعلى على أسوارها ولا يُستطاع لها نقْبًا، فلن تتسلَّل إليها الأيدي الخائنة إلا بغدرة خوّان من داخلها، فإذا غَدرت جارحة فقد ثُلم في جدار العفة ثُلْمة. فمن أجل العفاف تنزَّلت «النور» .. ولأجل العفاف كُتِبَت «أسوار العفاف».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332597

    التحميل:

  • الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهذا جزءٌ لطيفٌ .. للإمام العالم، صاحب العلوم والفنون جلال الدين السيوطي - رحمه الله -، سال قلمه حبًّا لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسطَّر هذه الكلمات الرائعات، وجمع هذه الأحاديث المباركات، في فضائل سيدة نساء أهل الجنات، زوج عليٍّ أبي تُراب، وأم الريحانتين الحسن والحسين - رضي الله تعالى عن الجميع -، والتي سمَّاها: «الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة ابنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».

    المدقق/المراجع: حسن الحسيني

    الناشر: جمعية الآل والأصحاب http://www.aal-alashab.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335472

    التحميل:

  • الاستقامة لابن تيمية تصويبات وتعليقات

    الاستقامة لابن تيمية - تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم - تصويبات وتعليقات: فإن كتاب الاستقامة من أهم مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الردّ على الصوفية ونقدهم، وقد حققه د. محمد رشاد سالم - رحمه الله - على نسخة خطية وحيدة، وصفها المحقق قائلاً:- " والنسخة قديمة، وخطها نسخ قديم معتاد، وورق المخطوطة قديم متآكل به آثار أرضه.. والأخطاء اللغوية والنحوية في المخطوطة كثيرة جداً، كما توجد عبارات ناقصة في كثير من المواضع، قد تصل أحياناً إلى سطر كامل." وقد بذل المحقق - رحمه الله - جهداً كبيراً في تحقيق الكتاب وضبطه، وتخريج الأحاديث، وتوثيق النقول وعزوها، وتصويب الأخطاء، وتعديل جملة من العبارات. ويتضمن هذا البحث أمرين: أولاهما: تصويبات واستدراكات على ما أثبته المحقق من تعديلات وتعليقات. ثانياً: يحوي هذا البحث على تعليقات ونقول من سائر مصنفات ابن تيمية، والتي توضح العبارات المشتبهات في كتاب الاستقامة، وتبيّن المحملات، وتزيد كلام المؤلف بياناً وجلاءً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272834

    التحميل:

  • صدقة التطوع في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    صدقة التطوع في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «صدقة التطوع في الإسلام» بيَّنت فيها: مفهوم صدقة التطوع، وفضائلها العظيمة، وأفضل صدقات التطوع، والإخلاص شرط في قبول التطوع، وآداب الصدقة، وإطعام الطعام، وثواب الصدقة به، والصدقة على الحيوان، وصدقة القرض الحسن، والصدقة الجارية والوقف، وأن الصدقات من صفات المؤمنين، وصدقة الوصية بعد الموت، وأنّ الهدية، والعطية، والهبة تكون صدقات بالنية، ثم بيَّنت أنواع صدقات التطوع على حسب أنواعها، وذكرت مبطلات الصدقات، وبيَّنت موضوعات متنوعة في الصدقات، وذكرت فضل صدقة إعتاق الرقاب المسلمة، وبيّنت وصول ثواب الصدقات المهداة إلى أموات المسلمين، ثم ذكرت القناعة والعفّة، ثم أنواع المسألة الجائزة والممنوعة, وذكرت الزهد والورع».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193661

    التحميل:

  • وفروا اللحى وأحفوا الشوارب

    وفروا اللحى وأحفوا الشوارب: رسالة في بيان حكم إعفاء اللحية، وتعريف الشارب وصفة الأخذ منه، وتعريف اللحية وما يكره فيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1937

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة