Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 78

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ قَصَّ اللَّه قَصَصهمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , وَأَيْأَس أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إيمَانهمْ , فَقَالَ لَهُمْ : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيق مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَام اللَّه ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْد مَا عَقَلُوهُ } وَهُمْ إذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا . كَمَا : 1118 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } يَعْنِي مِنْ الْيَهُود . 1119 - وحَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 1120 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } قَالَ : أُنَاس مِنْ يَهُود . قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِالْأُمِّيِّينَ : الَّذِينَ لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّا أُمَّة أُمِّيَّة لَا نَكْتُب وَلَا نَحْسِب " يُقَال مِنْهُ رَجُل أُمِّيّ بَيْن الْأُمِّيَّة . كَمَا : 1121 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور عَنْ إبْرَاهِيم : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } قَالَ : مِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْسِن أَنْ يَكْتُب . 1122 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } قَالَ : أُمِّيُّونَ لَا يَقْرَءُونَ الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود . وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْل خِلَاف هَذَا الْقَوْل , وَهُوَ مَا : 1123 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } قَالَ : الْأُمِّيُّونَ قَوْم لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللَّه , وَلَا كِتَابًا أَنَزَلَهُ اللَّه , فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ , ثُمَّ قَالُوا لِقَوْمٍ سَفَلَة جُهَّال : { هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه } . وَقَالَ : قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ , ثُمَّ سَمَّاهُمْ أُمِّيِّينَ لِجُحُودِهِمْ كُتُب اللَّه وَرُسُله . وَهَذَا التَّأْوِيل تَأْوِيل عَلَى خِلَاف مَا يُعْرَف مِنْ كَلَام الْعَرَب الْمُسْتَفِيض بَيْنهمْ , وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمِّيّ عِنْد الْعَرَب هُوَ الَّذِي لَا يَكْتُب . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَرَى أَنَّهُ قِيلَ لِلْأُمِّيِّ أُمِّيّ نِسْبَة لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَكْتُب إلَى أُمّه , لِأَنَّ الْكِتَاب كَانَ فِي الرِّجَال دُون النِّسَاء , فَنَسَبَ مَنْ لَا يَكْتُب وَلَا يَخُطّ مِنْ الرِّجَال إلَى أُمّه فِي جَهْله بِالْكِتَابَةِ دُون أَبِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله : " إنَّا أُمَّة أُمِّيّه لَا نَكْتُب وَلَا نَحْسِب " وَكَمَا قَالَ : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ } 62 2 فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْأُمِّيّ فِي كَلَام الْعَرَب مَا وَصَفْنَا , فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا قَالَهُ النَّخَعِيُّ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْسِن أَنْ يَكْتُب .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } لَا يَعْلَمُونَ مَا فِي الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه وَلَا يَدْرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللَّه مِنْ حُدُوده وَأَحْكَامه وَفَرَائِضه كَهَيْئَةِ الْبَهَائِم , كَاَلَّذِي : 1124 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله , { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } إنَّمَا هُمْ أَمْثَال الْبَهَائِم لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا . * - حَدَّثَنَا بِشْر عَنْ مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } يَقُول : لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ . 1125 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } لَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ . 1126 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } قَالَ : لَا يَدْرُونَ بِمَا فِيهِ . 1127 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا , لَا يَقْرَءُونَ التَّوْرَاة لَيْسَتْ تَسْتَظْهِر إنَّمَا تَقْرَأ هَكَذَا , فَإِذَا لَمْ يَكْتُب أَحَدهمْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْرَأ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله , { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } قَالَ : لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا عَنَى بِالْكِتَابِ : التَّوْرَاة , وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ كِتَاب مَعْرُوف بِعَيْنِهِ . وَمَعْنَاهُ : وَمِنْهُمْ فَرِيق لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْكِتَاب الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ الَّذِي هُوَ عِنْدهمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُونَهُ وَيَدَّعُونَ الْإِقْرَار بِهِ مِنْ أَحْكَام اللَّه وَفَرَائِضه وَمَا فِيهِ مِنْ حُدُوده الَّتِي بَيْنهَا فِيهِ { إلَّا أَمَانِيّ } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 1128 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { إلَّا أَمَانِيّ } يَقُول : إلَّا قَوْلًا يَقُولُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا . 1129 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } إلَّا كَذِبًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1130 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { إلَّا أَمَانِيّ } يَقُول : يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّه مَا لَيْسَ لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { إلَّا أَمَانِيّ } يَقُول : يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّه الْبَاطِل وَمَا لَيْسَ لَهُمْ 1131 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } يَقُول : إلَّا أَحَادِيث . 1132 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } قَالَ : أُنَاس مِنْ يَهُود لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنْ الْكِتَاب شَيْئًا , وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ بِغَيْرِ مَا فِي كِتَاب اللَّه , وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ الْكِتَاب , أَمَانِيّ يَتَمَنَّوْنَهَا . 1133 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { إلَّا أَمَانِيّ } يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّه مَا لَيْسَ لَهُمْ . 1134 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إلَّا أَمَانِيّ } قَالَ : تَمَنَّوْا فَقَالُوا : نَحْنُ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَلَيْسُوا مِنْهُمْ . وَأَوْلَى مَا رَوَيْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { إلَّا أَمَانِيّ } بِالْحَقِّ وَأَشْبَهَهُ بِالصَّوَابِ , الَّذِي قَالَهُ ابْن عَبَّاس , الَّذِي رَوَاهُ عَنْ الضَّحَّاك , وَقَوْل مُجَاهِد : إنَّ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُمْ لَا يَفْقُهُونَ مِنْ الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَلَى مُوسَى شَيْئًا , وَلَكِنَّهُمْ يَتَخَرَّصُونَ الْكَذِب وَيَتَقَوَّلُونَ الْأَبَاطِيل كَذِبًا وَزُورًا . وَالتَّمَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِع , هُوَ تَخَلُّق الْكَذِب وَتَخَرُّصه وَافْتِعَاله , يُقَال مِنْهُ : تَمَنَّيْت كَذَا : إذَا افْتَعَلْته وَتَخَرَّصْتُهُ . وَمِنْهُ الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " مَا تَغَنَّيْت وَلَا تَمَنَّيْت " . يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَا تَمَنَّيْت : مَا تَخَرَّصْتُ الْبَاطِل وَلَا اخْتَلَقْت الْكَذِب وَالْإِفْك . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْله : { إلَّا أَمَانِيّ } مِنْ غَيْره مِنْ الْأَقْوَال , قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ مَا يَتَمَنَّوْنَ مِنْ الْأَكَاذِيب ظَنًّا مِنْهُمْ لَا يَقِينًا . وَلَوْ كَانَ مَعَنِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتْلُونَهُ بِمَ يَكُونُوا ظَانِّينَ , وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ : يَشْتَهُونَهُ ; لِأَنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ إذَا تَدَبَّرَهُ عَلِمَهُ , وَلَا يَسْتَحِقّ الَّذِي يَتْلُو كِتَابًا قَرَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَدَبَّرهُ بِتَرْكِهِ التَّدْبِير أَنْ يُقَال : هُوَ ظَانّ لِمَا يَتْلُو إلَّا أَنْ يَكُون شَاكًّا فِي نَفْس مَا يَتْلُوهُ لَا يَدْرِي أَحَقّ هُوَ أَمْ بَاطِل . وَلَمْ يَكُنْ الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يَتْلُونَ التَّوْرَاة عَلَى عَصْر نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُود فِيمَا بَلَغَنَا شَاكِّينَ فِي التَّوْرَاة أَنَّهَا مِنْ عِنْد اللَّه . وَكَذَلِكَ التَّمَنِّي الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْمُشْتَهَى غَيْر جَائِز أَنْ يُقَال : هُوَ ظَانّ فِي تُمَنِّيهِ , لِأَنَّ التَّمَنِّي مِنْ الْمُتَمَنِّي إذَا تَمَنَّى مَا قَدْ وَجَدَ عَيْنه فَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال : هُوَ شَاكّ فِيمَا هُوَ بِهِ عَالِم ; لِأَنَّ الْعِلْم وَالشَّكّ مَعْنَيَانِ يَنْفِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه لَا يَجُوز اجْتِمَاعهمَا فِي حِيزَ وَاحِد , وَالْمُتَمَنِّي فِي حَال تَمَنِّيه مَوْجُود غَيْر جَائِز أَنْ يُقَال : هُوَ يَظُنّ تَمَنِّيه . وَإِنَّمَا قِيلَ : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } وَالْأَمَانِيّ مِنْ غَيْر نَوْع الْكِتَاب , كَمَا قَالَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إلَّا اتِّبَاع الظَّنّ } 4 157 وَالظَّنّ مِنْ الْعِلْم بِمَعْزِلٍ , وَكَمَا قَالَ : { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْده مِنْ نِعْمَة تُجْزَى إلَّا ابْتِغَاء وَجْه رَبّه الْأَعْلَى } . 92 19 : 20 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْن قَيْس عِتَاب غَيْر طَعْن الْكُلَى وَضَرْب الرِّقَاب وَكَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : حَلَفْت يَمِينًا غَيْر ذِي مَثْنَوِيَّة وَلَا عِلْم إلَّا حَسَن ظَنَّ بِغَائِبِ فِي نَظَائِر لَمَّا ذَكَرْنَا يَطُول بِإِحْصَائِهَا الْكِتَاب . وَيَخْرُج ب " إلَّا " مَا بَعْدهَا مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلهَا , وَمِنْ صِفَته , وَإِنْ كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ غَيْر شَكْل الْآخَر وَمِنْ غَيْر نَوْعه , وَيُسَمِّي ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة اسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا لِانْقِطَاعِ الْكَلَام الَّذِي يَأْتِي بَعْد إلَّا عَنْ مَعْنَى مَا قَبْلهَا . وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي كُلّ مَوْضِع حَسُنَ أَنْ يُوضَع فِيهِ مَكَان " إلَّا " " لَكِنْ " , فَيُعْلَم حِينَئِذٍ انْقِطَاع مَعْنَى الثَّانِي عَنْ مَعْنَى الْأَوَّل , أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْت : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ } ثُمَّ أَرَدْت وَضْع " وَلَكِنْ " مَكَان " إلَّا " وَحَذْف " إلَّا " , وَجَدْت الْكَلَام صَحِيحًا مَعْنَاهُ صِحَّته وَفِيهِ " إلَّا " ؟ وَذَلِكَ إذَا قُلْت : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب } لَكِنْ أَمَانِيّ , يَعْنِي لَكِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ , وَكَذَلِكَ قَوْله : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إلَّا اتِّبَاع الظَّنّ } لَكِنْ اتِّبَاع الظَّنّ , بِمَعْنَى : لَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنّ , وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا النَّوْع مِنْ الْكَلَام عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ قَرَأَ : { إلَّا أَمَانِيّ } مُخَفَّفَة , وَمَنْ خَفَّفَ ذَلِكَ وَجْهه إلَى نَحْو جَمْعهمْ الْمِفْتَاح مَفَاتِح , وَالْقُرْقُور قَرَاقِر , وَإِنَّ يَاء الْجَمْع لَمَا حُذِفَتْ خُفِّفَتْ الْيَاء الْأَصْلِيَّة , أَعْنِي مِنْ الْأَمَانِيّ , كَمَا جَمَعُوا الْأُثْفِيَّة أَثَافِي مُخَفَّفَة , كَمَا قَالَ زُهَيْر بْن أَبِي سُلْمَى : أَثَافِيَ سُفْعًا فِي مُعَرَّس مِرْجَل وَنُؤْيًا كَجِذْمِ الْحَوْض لَمْ يَتَثَلَّم وَأَمَّا مَنْ ثَقَّلَ : { أَمَانِيّ } فَشَدَّدَ يَاءَهَا فَإِنَّهُ وَجَّهَ ذَلِكَ إلَى نَحْو جَمْعهمْ الْمِفْتَاح مَفَاتِيح , وَالْقُرْقُور قَرَاقِير , وَالزُّنْبُور زَنَابِير , فَاجْتَمَعَتْ يَاء فعاليل وَلَامهَا وَهُمَا جَمِيعًا يَاء أَنَّ فَأُدْغِمَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتَا يَاء وَاحِدَة مُشَدَّدَة . فَأَمَّا الْقِرَاءَة الَّتِي لَا يَجُوز غَيْرهَا عِنْدِي لِقَارِئٍ فِي ذَلِكَ فَتَشْدِيد يَاء الْأَمَانِيّ , لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاء عَلَى أَنَّهَا الْقِرَاءَة الَّتِي مَضَى عَلَى الْقِرَاءَة بِهَا السَّلَف مُسْتَفِيض , ذَلِكَ بَيْنهمْ غَيْر مَدْفُوعَة صِحَّته , وَشُذُوذ الْقَارِئ بِتَخْفِيفِهَا عَمَّا عَلَيْهِ الْحُجَّة مُجْمِعَة فِي ذَلِكَ وَكَفَى خَطَأ عَلَى قَارِئ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِهَا إجْمَاعًا عَلَى تَخْطِئَته .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } وَمَا هُمْ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلهمْ إنْ نَحْنُ إلَّا بَشَر مِثْلكُمْ } 14 11 يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا نَحْنُ إلَّا بَشَر مِثْلكُمْ . وَمَعْنَى قَوْله : { إلَّا يَظُنُّونَ } لَا يَشُكُّونَ وَلَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَته وَصِحَّته , وَالظَّنّ فِي هَذَا الْمَوْضِع الشَّكّ , فَمَعْنَى الْآيَة : وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكْتُب وَلَا يَخُطّ وَلَا يَعْلَم كِتَاب اللَّه وَلَا يَدْرِي مَا فِيهِ إلَّا تَخَرُّصًا وَتَقَوُّلًا عَلَى اللَّه الْبَاطِل ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُحِقّ فِي تَخَرُّصه وَتَقَوُّله الْبَاطِل . وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِأَنَّهُمْ فِي تَخَرُّصهمْ عَلَى ظَنّ أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ وَهُمْ مُبْطِلُونَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَأَحْبَارهمْ أُمُورًا حَسِبُوهَا مِنْ كِتَاب اللَّه , وَلَمْ تَكُنْ مِنْ كِتَاب اللَّه , فَوَصَفَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ التَّصْدِيق بِاَلَّذِي يُوقِنُونَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَتَّبِعُونَ مَا هُمْ فِيهِ شَاكُّونَ , وَفِي حَقِيقَته مُرْتَابُونَ مِمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ كُبَرَاؤُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَأَحْبَارهمْ عِنَادًا مِنْهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَمُخَالَفَة مِنْهُمْ لِأَمْرِ اللَّه وَاغْتِرَارًا مِنْهُمْ بِإِمْهَالِ اللَّه إيَّاهُمْ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } قَالَ فِيهِ الْمُتَأَوِّلُونَ مِنْ السَّلَف 1135 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } إلَّا يَكْذِبُونَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1136 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إلَّا أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } أَيْ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ , وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُبُوَّتك بِالظَّنِّ . 1137 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } قَالَ : يَظُنُّونَ الظُّنُون بِغَيْرِ الْحَقّ . 1138 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : يَظُنُّونَ الظُّنُون بِغَيْرِ الْحَقّ . 1139 - حَدَّثَنَا عَنْ عُمَارَة , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إقامة الحجة بذكر أدلة وجوب إعفاء اللحية ويليها فتاوى

    رسالة مختصرة في حكم اللحية في الإسلام وفي حكم إعفائها، وحكم حلقها وتقصيرها وحكم إطالة الشارب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335004

    التحميل:

  • أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب

    أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب: كتابٌ بيَّن فيه مؤلفه ما ورد في شهر رجب من فضائل، وأنها كلها لا تثبت، وذكر البدع التي أحدثها الناس في هذا الشهر الكريم؛ كصلاة الرغائب، وتخصيصه بالصيام، أو العمرة، وغير ذلك من العبادات، وذكر الكلام عن الإسراء والمعراج وأنه لم يصح أن هذه الحادثة كانت في شهر رجب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/311911

    التحميل:

  • الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية

    الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية: في هذا الكتاب القيِّم يعرِض الشيخ - رحمه الله - مناهج وعقائد إحدى الطرق الصوفية المبتدعة المخالفة لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الشيخ كان من دعاة هذه الطريقة فإنه يتحدَّث عن أحوال عاشها وأقوال وأعمال مارسها، ولما تاب من ذلك عرضَ تلك العقائد المخالفة على الشيخ العلامة ابن باز - رحمه الله -، فحثَّه على نشر هذه الأحوال للتحذير من تلك الطائفة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343863

    التحميل:

  • مصحف المدينة برواية ورش

    تحتوي هذه الصفحة على نسخة مصورة pdf من مصحف المدينة النبوية برواية ورش عن نافع.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5267

    التحميل:

  • مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى الله تعالى

    مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى الله تعالى: قال المصنف في مقدمة الكتاب: «فهذه رسالة مختصرة في «مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى اللَّه تعالى»، بيَّنتُ فيها نماذج من المواقف المشرفة في الدعوة إلى اللَّه سبحانه وتعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337971

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة