Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 64

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْد ذَلِكَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } ثُمَّ أَعَرَضْتُمْ . وَإِنَّمَا هُوَ " تفعلتم " مِنْ قَوْلهمْ : وَلَّانِي فُلَان دُبُره : إذَا اسْتَدْبَرَ عَنْهُ وَخَلَّفَهُ خَلْف ظَهْره , ثُمَّ يُسْتَعْمَل ذَلِكَ فِي كُلّ تَارِك طَاعَة أَمَرَ بِهَا عَزَّ وَجَلَّ مُعْرِض بِوَجْهِهِ , يُقَال : قَدْ تَوَلَّى فُلَان عَنْ طَاعَة فُلَان , وَتَوَلَّى عَنْ مُوَاصَلَته , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْله بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } 9 76 يَعْنِي بِذَلِكَ : خَالَفُوا مَا كَانُوا وَعَدُوا اللَّه مِنْ قَوْلهمْ : { لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْله لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ } 9 75 وَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ , وَمِنْ شَأْن الْعَرَب اسْتِعَارَة الْكَلِمَة وَوَضْعهَا مَكَان نَظِيرهَا , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّار يَا أُمّ مَالِك وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِل وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ لَيْسَ بِقَائِلٍ سِوَى الْحَقّ شَيْئًا وَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِل يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِل " ; أَنَّ الْإِسْلَام صَارَ فِي مَنْعه إيَّانَا مَا كُنَّا نَأْتِيه فِي الْجَاهِلِيَّة مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْنَا فِي الْإِسْلَام بِمَنْزِلَةِ السَّلَاسِل الْمُحِيطَة بِرِقَابِنَا الَّتِي تَحُول بَيْن مَنْ كَانَتْ فِي رَقَبَته مَعَ الْغُلّ الَّذِي فِي يَده وَبَيْن مَا حَاوَلَ أَنَّ يَتَنَاوَلهُ . وَنَظَائِر ذَلِكَ فِي كَلَام الْعَرَب أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى , فَكَذَلِكَ قَوْله : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْد ذَلِكَ } يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ الْعَمَل بِمَا أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ وَعُهُودكُمْ عَلَى الْعَمَل بِهِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَاد بَعْد إعْطَائِكُمْ رَبّكُمْ الْمَوَاثِيق عَلَى الْعَمَل بِهِ وَالْقِيَام بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فِي كِتَابكُمْ فَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاء ظُهُوركُمْ . وَكَنَّى بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْره : " ذَلِكَ " عَنْ جَمِيع مَا قَبْله فِي الْآيَة الْمُتَقَدِّمَة , أَعْنِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّور } .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْره : { فَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ } فَلَوْلَا أَنَّ اللَّه تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوْبَةِ بَعْد نَكْثكُمْ الْمِيثَاق الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ , إذْ رُفِعَ فَوْقكُمْ الطُّور , بِأَنَّكُمْ تَجْتَهِدُونَ فِي طَاعَته , وَأَدَاء فَرَائِضه , وَالْقِيَام بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَالِانْتِهَاء عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي الْكِتَاب الَّذِي آتَاكُمْ , فَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَرَحْمَته الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا , وَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ خَطِيئَتكُمْ الَّتِي رَكِبْتُمُوهَا بِمُرَاجَعَتِكُمْ طَاعَة رَبّكُمْ ; لَكُنْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِمَنْ كَانَ بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَيَّام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ أَسْلَافهمْ , فَأُخْرِجَ الْخَبَر مَخْرَج الْمُخْبِر عَنْهُمْ عَلَى نَحْو مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ أَنَّ الْقَبِيلَة مِنْ الْعَرَب تُخَاطِب الْقَبِيلَة عِنْد الْفَخَار أَوْ غَيْره بِمَا مَضَى مِنْ فَعَلَ أَسْلَاف الْمُخَاطِب بِأَسْلَافِ الْمُخَاطَب , فَتُضِيف فِعْل أَسْلَاف الْمُخَاطَب إلَى نَفْسهَا , فَتَقُول : فَعَلْنَا بِكُمْ , وَفَعَلْنَا بِكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض الشَّوَاهِد فِي ذَلِكَ مِنْ شَعْرهمْ فِيمَا مَضَى . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْخِطَاب فِي هَذِهِ الْآيَات إنَّمَا أَخَرَجَ بِإِضَافَةِ الْفِعْل إلَى الْمُخَاطَبِينَ بِهِ وَالْفِعْل لِغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ مَنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَوَائِل بَنِي إسْرَائِيل , فَصَيَّرَهُمْ اللَّه مِنْهُمْ مِنْ أَجْل وِلَايَتهمْ لَهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ سَامِعِيهِ كَانُوا عَالِمِينَ , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب خَرَّجَ خِطَابًا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل وَأَهْل الْكِتَاب ; إذْ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ خَبَر عَمَّا قَصَّ اللَّه مِنْ أَنْبَاء أَسْلَافهمْ , فَاسْتَغْنَى بِعِلْمِ السَّامِعِينَ بِذَلِكَ عَنْ ذِكْر أَسْلَافهمْ بِأَعْيَانِهِمْ . وَمِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدنِي لَئِيمَة وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهِ بُدَّا فَقَالَ : " إذَا مَا انْتَسَبْنَا " , و " إذَا " تَقْتَضِي مُسْتَقْبَلًا . ثُمَّ قَالَ : " لَمْ تَلِدنِي لَئِيمَة " , فَأَخْبَرَ عَنْ مَاضٍ مِنْ الْفِعْل . وَذَلِكَ أَنَّ الْوِلَادَة قَدْ مَضَتْ وَتَقَدَّمَتْ . وَإِنَّمَا فِعْل ذَلِكَ عِنْد الْمُحْتَجّ بِهِ لِأَنَّ السَّامِع قَدْ فَهِمَ مَعْنَاهُ , فَجَعَلَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ خِطَاب اللَّه أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدّ - بِإِضَافَةِ أَفْعَال أَسْلَافهمْ إلَيْهِمْ نَظِير ذَلِكَ . وَالْأَوَّل الَّذِي قُلْنَا هُوَ الْمُسْتَفِيض مِنْ كَلَام الْعَرَب وَخِطَابهَا . وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَة يَقُول فِي قَوْله : { فَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته } فِيمَا ذُكِرَ لَنَا نَحْو الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ . 948 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ ثنا أَبُو النَّضْر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { فَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته } قَالَ : فَضْل اللَّه : الْإِسْلَام , وَرَحْمَته : الْقُرْآن . 949 - وَحُدِّثْت عَنْ عُمَارَة ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَكُنْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : { فَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته } إيَّاكُمْ بِإِنْقَاذِهِ إيَّاكُمْ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْكُمْ مِنْ خَطِيئَتكُمْ وَجُرْمكُمْ , لَكُنْتُمْ الْبَاخِسِينَ أَنْفُسكُمْ حُظُوظهَا دَائِمًا , الْهَالِكِينَ بِمَا اجْتَرَمْتُمْ مِنْ نَقْضِ مِيثَاقكُمْ وَخِلَافكُمْ أَمْره وَطَاعَته . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا قَبْل بِالشَّوَاهِدِ عَنْ مَعْنَى الْخَسَار بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أصول في التفسير

    أصول في التفسير: قال المصنف - رحمه الله -: «فإن من المهم في كل فنٍّ أن يتعلمَ المرءُ من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكونَ علمه مبنيًّا على أُسس قوية ودعائم راسخة. ومن أجلِّ فنون العلم - بل هو أجلُّها وأشرفها -: علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله - عز وجل -، وقد وضع له أهلُ العلم أصولاً كما وضعوا لعلم الحديث أصولاً، ولعلم الفقه أصولاً. وقد كنتُ كتبتُ من هذا العلم ما تيسَّر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعضُ الناس أن أُفرِدها في رسالة؛ ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبتُه إلى ذلك».

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/349282

    التحميل:

  • موارد الظمآن لدروس الزمان

    كتاب ماتع يحتوي على حكم وأَحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأَخلاق حسان، سماه مؤلفه « موارد الظمآن لدروس الزمان ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/52462

    التحميل:

  • حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير في العلم والدين

    حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير في العلم والدين: تأليف: الطبيب سليمان قوش. • تميزت هذه الدراسة بما حشدته من آراء الأقدمين من الفلاسفة والأطباء والمتدينين وآراء المعاصرين الذين استقصوا أنواع الطفيليات والجراثيم الموجودة في الخنزير ولحمه والأمراض الناتجة عن أكل لحمه فكانت النتائج مخيفة والإحصائيات للإصابات والوفيات رهيبة مرعبة. • متتبعة القضية في مختلف الشرائع السماوية خاتمة ذلك ببحث لأحد الرهبان المبشرين وهو أحد شهود القضية من أهلها ومتعاطيها. • ثم كان القول الفصل من كتاب الله تعالى تأكيدا على أن تحريم الخنزير يتفق مع الفطرة البشرية من جانب، ومع العقيدة الإسلامية من جانب آخر، وأن الإسلام في النهاية لا يريد إلا الحياة الطيبة للجنس البشري.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205974

    التحميل:

  • إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه

    إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه: يحتوي هذا الكتاب على المباحث الآتية: - المبحث الأول: تعريف الإرهاب وتحريمه في الإسلام. - المبحث الثاني: تعريف الأمان وأركانه وصيغه. - المبحث الثالث: الأدلة على مشروعية الأمان من الكتاب والسنة. - المبحث الرابع: الفرق بين الأمان والذمة والهدنة. - المبحث الخامس: الواجب على المسلمين تجاه المستأمنين. - المبحث السادس: الواجب على المستأمنين في بلاد المسلمين.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116850

    التحميل:

  • هذا رسول الله

    هذا رسول الله : كتاب جديد ومتميز، تقوم فكرته على تقديم مجموعة مختارة من نصوص السنة النبوية يتعرَّف من خلالها على الإسلام ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، من خلال النصِّ النبويِّ مباشرة، من غير أن يكون بحاجة إلى شرح أو تفصيل؛ لذا فالكتاب سهلَ التناول، لا يحتاج القارئ غير المتخصص - مسلمٌ أو غير مسلم - إلى غيره معه لتوضيحه وبيانه، وقد قام بإعداده والتقديم له عدد من أهل العلم.

    الناشر: موقع الإسلام اليوم www.islamtoday.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330618

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة