Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 62

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَهُمْ الْمُصَدِّقُونَ رَسُول اللَّه فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد اللَّه , وَإِيمَانهمْ بِذَلِكَ : تَصْدِيقهمْ بِهِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا . وَأَمَّا الَّذِينَ هَادُوا , فَهُمْ الْيَهُود , وَمَعْنَى هَادُوا : تَابُوا , يُقَال مِنْهُ : هَادَ الْقَوْم يَهُودُونَ هَوْدًا وَهَادَة . وَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ الْيَهُود يَهُود مِنْ أَجْل قَوْلهمْ : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } . 7 156 914 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : إنَّمَا سَمَّيْت الْيَهُود مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ قَالُوا : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } . 7 156

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالنَّصَارَى } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالنَّصَارَى جَمْع , وَاحِدهمْ نَصْرَان , كَمَا وَاحِد سُكَارَى سَكْرَان , وَوَاحِد النَّشَاوَى نَشْوَان . وَكَذَلِكَ جَمْع كُلّ نَعْت كَانَ وَاحِده عَلَى فِعْلَان , فَإِنَّ جَمَعَهُ عَلَى فَعَالَى ; إلَّا أَنَّ الْمُسْتَفِيض مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي وَاحِد النَّصَارَى نَصْرَانِيّ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ سَمَاعًا " نَصْرَان " بِطَرْحِ الْيَاء , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَرَاهُ إذَا زَارَ الْعَشِيّ مُحَنِّفًا وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهُوَ نَصْرَان شَامِس وَسُمِعَ مِنْهُمْ فِي الْأُنْثَى نَصْرَانَة , قَالَ الشَّاعِر : فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَد رَأَسَهَا كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَة لَمْ تَحَنَّف يُقَال : أَسْجُد : إذَا مَال . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعهمْ أَنْصَار بِمَعْنَى النَّصَارَى , قَالَ الشَّاعِر : لَمَا رَأَيْت نَبَطًا أَنْصَارَا شَمَّرْت عَنْ رُكْبَتَيْ الْإِزَارَا كُنْت لَهُمْ مِنْ النَّصَارَى جَارَا وهذه الأبيات الَّتِي ذَكَرْتهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى لِنُصْرَةِ بَعْضهمْ بَعْضًا وَتَنَاصُرهمْ بَيْنهمْ . وَقَدْ قِيلَ إنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا " نَاصِرَة " . 915 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : النَّصَارَى إنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا نَاصِرَة . وَيَقُول آخَرُونَ : لِقَوْلِهِ : { مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّه } . 61 14 وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ ابْن عَبَّاس مِنْ طَرِيق غَيْر مُرْتَضَى أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إنَّمَا سُمِّيَتْ النَّصَارَى نَصَارَى , لِأَنَّ قَرْيَة عِيسَى ابْن مَرْيَم كَانَتْ تُسَمَّى نَاصِرَة , وَكَانَ أَصْحَابه يُسَمَّوْنَ النَّاصِرِيِّينَ , وَكَانَ يُقَال لِعِيسَى : النَّاصِرِيّ . 916 - حُدِّثْت بِذَلِكَ عَنْ هِشَام بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس . 917 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : إنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا بَقَرِيَّة يُقَال لَهَا نَاصِرَة يَنْزِلهَا عِيسَى ابْن مَرْيَم , فَهُوَ اسْم تَسَمَّوْا بِهِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى } قَالَ : تَسَمَّوْا بَقَرِيَّة يُقَال لَهَا نَاصِرَة , كَانَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَم يَنْزِلهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالصَّابِئِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّابِئُونَ جَمْع صَابِئ , وَهُوَ الْمُسْتَحْدِث سِوَى دِينه دِينًا , كَالْمُرْتَدِّ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام عَنْ دِينه . وَكُلّ خَارِج مِنْ دِين كَانَ عَلَيْهِ إلَى آخَر غَيْره تُسَمِّيه الْعَرَب صَابِئًا , يُقَال مِنْهُ : صَبَأَ فُلَان يَصْبَأ صَبْأً , وَيُقَال : صَبَأَتْ النُّجُوم : إذَا طَلَعَتْ , وَصَبَأَ عَلَيْنَا فُلَان مَوْضِع كَذَا وَكَذَا , يَعْنِي بِهِ طَلَعَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ يَلْزَمهُ هَذَا الِاسْم مِنْ أَهْل الْمِلَل . فَقَالَ بَعْضهمْ : يَلْزَم ذَلِكَ كُلّ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِين إلَى غَيْر دِين . وَقَالُوا : الَّذِينَ عَنَى اللَّه بِهَذَا الِاسْم قَوْم لَا دِين لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 918 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { الصَّابِئُونَ } لَيْسُوا بِيَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا دِين لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرَطْأَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بزة , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 919 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حِكَام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الصَّابِئُونَ بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود لَا تُؤْكَل ذَبَائِحهمْ وَلَا تُنْكَح نِسَاؤُهُمْ . 920 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حِكَام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ حَجَّاج , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ الْحَسَن مِثْل ذَلِكَ . 921 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح : الصَّابِئِينَ بَيْن الْيَهُود وَالْمَجُوس لَا دِين لَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم ; قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : الصَّابِئِينَ بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود , لَا دِين لَهُمْ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قُلْت لِعَطَاءٍ : " الصَّابِئِينَ " زَعَمُوا أَنَّهَا قَبِيلَة مِنْ نَحْو السَّوَاد لَيْسُوا بِمَجُوسٍ وَلَا يَهُود وَلَا نَصَارَى . قَالَ : قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ : قَدْ صَبَأَ . 922 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الصَّابِئُونَ } قَالَ : الصَّابِئُونَ : دِين مِنْ الْأَدْيَان , كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمُوصِل يَقُولُونَ : " لَا إلَه إلَّا اللَّه " , وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَل وَلَا كِتَاب وَلَا نَبِيّ إلَّا قَوْل لَا إلَه إلَّا اللَّه . قَالَ : وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّه , فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه : هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ . يُشْبِهُونَهُمْ بِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 923 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَاد : أَنَّ الصَّابِئِينَ يُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة وَيُصَلُّونَ الْخَمْس . قَالَ : فَأَرَادَ أَنْ يَضَع عَنْهُمْ الْجِزْيَة . قَالَ : فَخَبَر بَعْد أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة . 924 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَالصَّابِئِينَ } قَالَ : الصَّابِئُونَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور . 925 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : الصَّابِئُونَ فِرْقَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَقْرَءُونَ الزَّبُور . قَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيُّ : وَبَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 926 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سُئِلَ السُّدِّيّ عَنْ الصَّابِئِينَ فَقَالَ : طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَعَمَل صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } مَنْ صَدَّقَ وَأَقَرَّ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات يَوْم الْقِيَامَة وَعَمَل صَالِحًا فَأَطَاعَ اللَّه , فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } فَلَهُمْ ثَوَاب عَمَلهمْ الصَّالِح عِنْد رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَأَيْنَ تَمَام قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ } ؟ قِيلَ : تَمَامه جُمْلَة قَوْله : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } لِأَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَتَرَكَ ذِكْر مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ اسْتِغْنَاء بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْره . فَإِنْ قَالَ : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَام ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يُؤْمِن الْمُؤْمِن ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْمُؤْمِن الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنْته مِنْ انْتِقَال مِنْ دِين إلَى دِين كَانْتِقَالِ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إلَى الْإِيمَان , وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إنَّ الَّذِينَ عَنَوْا بِذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب عَلَى إيمَانه بِعِيسَى , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , حَتَّى أَدْرَكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ , فَقِيلَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ إذْ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَلَكِنْ مَعْنَى إيمَان الْمُؤْمِن فِي هَذَا الْمَوْضِع ثَبَاته عَلَى إيمَانه وَتَرْكه تَبْدِيله . وَأَمَّا إيمَان الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ , فَالتَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , فَمَنْ يُؤْمِن مِنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَيَعْمَل صَالِحًا , فَلَمْ يُبَدِّل وَلَمْ يُغَيِّر , حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ , فَلَهُ ثَوَاب عَمَله وَأَجْره عِنْد رَبّه , كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , وَإِنَّمَا لَفْظه مِنْ لَفْظ وَاحِد , وَالْفِعْل مَعَهُ مُوَحَّد ؟ قِيلَ : " مَنْ " وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَلِيه مِنْ الْفِعْل مُوَحَّدًا , فَإِنَّ مَعْنَى الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالتَّذْكِير وَالتَّأْنِيث , لِأَنَّهُ فِي كُلّ هَذِهِ الْأَحْوَال عَلَى هَيْئَة وَاحِدَة وَصُورَة وَاحِدَة لَا يَتَغَيَّر , فَالْعَرَب تُوَحِّد مَعَهُ الْفِعْل وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى جَمْع لِلَفْظِهِ , وَتَجْمَع أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْل لِمَعْنَاهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْك أَفَأَنْت تُسْمِع الصُّمّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُر إلَيْك أَفَأَنْت تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ } 10 42 : 43 فَجَمَعَ مُرَّة مَعَ مَنْ الْفِعْل لِمَعْنَاهُ , وَوَحَّدَ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْل ; لِأَنَّهُ فِي لَفْظ الْوَاحِد , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا وَقُولَا لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا فَقَالَ : تَخَلَّفُوا , وَجَعَلَ " مَنْ " بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ . وَقَالَ الْفَرَزْدَق : تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتنِي لَا تَخُوننِي نَكُنْ مِثْل مَنْ يَا ذِئْب يَصْطَحِبَانِ فَثَنَّى يَصْطَحِبَانِ لِمَعْنَى " مَنْ " . فَكَذَلِكَ قَوْله : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } وَحَّدَ آمَنَ وَعَمَل صَالِحًا لِلَّفْظِ مِنْ , وَجَمَعَ ذِكْرهمْ فِي قَوْله : { فَلَهُمْ أَجْرهمْ } لِمَعْنَاهُ , لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى جَمْع . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ذِكْره : وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَال الْقِيَامَة , وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَعَيْشهَا عِنْد مُعَايَنَتهمْ مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مِنْ الثَّوَاب وَالنَّعِيم الْمُقِيم عِنْده . ذِكْر مَنْ قَالَ عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ } مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 927 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } الْآيَة , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب سَلْمَان الْفَارِسِيّ , وَكَانَ سَلْمَان مِنْ جندسابور , وَكَانَ مِنْ أَشْرَافهمْ , وَكَانَ ابْن الْمَلِك صَدِيقًا لَهُ مُوَاخِيًا , لَا يَقْضِي وَاحِد مِنْهُمْ أَمْرًا دُون صَاحِبه , وَكَانَا يَرْكَبَانِ إلَى الصَّيْد جَمِيعًا . فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الصَّيْد إذْ رَفَعَ لَهُمَا بَيْت مِنْ عَبَاء , فَأَتَيَاهُ فَإِذَا هُمَا فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْن يَدَيْهِ مُصْحَف يَقْرَأ فِيهِ وَهُوَ يَبْكِي , فَسَأَلَاهُ مَا هَذَا , فَقَالَ : الَّذِي يُرِيد أَنْ يَعْلَم هَذَا لَا يَقِف مَوْقِفكُمَا , فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْلَمَا مَا فِيهِ فَانْزِلَا حَتَّى أَعِلْمكُمَا , فَنَزَلَا إلَيْهِ , فَقَالَ لَهُمَا : هَذَا كِتَاب جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه , أَمَرَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ , وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَته , فِيهِ : أَنْ لَا تَزْنِيَ , وَلَا تَسْرِق , وَلَا تَأْخُذ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ . فَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ , وَهُوَ الْإِنْجِيل الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَلَى عِيسَى . فَوَقَعَ فِي قُلُوبهمَا وَتَابَعَاهُ فَأَسْلَمَا , وَقَالَ لَهُمَا : إنَّ ذَبِيحَة قَوْمكُمَا عَلَيْكُمَا حَرَام , فَلَمْ يَزَالَا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ , حَتَّى كَانَ عِيد لِلْمَلِكِ , فَجَعَلَ طَعَامًا , ثُمَّ جَمَعَ النَّاس وَالْأَشْرَاف , وَأَرْسَلَ إلَى ابْن الْمَلِك فَدَعَاهُ إلَى صَنِيعه لِيَأْكُل مَعَ النَّاس , فَأَبَى الْفَتَى وَقَالَ : إنِّي عَنْك مَشْغُول , فَكُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابك , فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ مِنْ الرُّسُل , أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُل مِنْ طَعَامهمْ , فَبَعَثَ الْمَلِك إلَى ابْنه , فَدَعَاهُ وَقَالَ : مَا أَمَرَك هَذَا ؟ قَالَ : إنَّا لَا نَأْكُل مِنْ ذَبَائِحكُمْ , إنَّكُمْ كُفَّار لَيْسَ تَحِلّ ذَبَائِحكُمْ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : مَنْ أَمَرَك بِهَذَا ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّاهِب أَمَرَهُ بِذَلِكَ , فَدَعَا الرَّاهِب فَقَالَ : مَاذَا يَقُول ابْنِي ؟ قَالَ : صَدْق ابْنك , قَالَ لَهُ : لَوْلَا أَنَّ الدَّم فِينَا عَظِيم لَقَتَلَتْك , وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ أَرْضنَا ! فَأَجَّلَهُ أَجَلًا . فَقَالَ سَلْمَان : فَقُمْنَا نَبْكِي عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُمَا : إنْ كُنْتُمَا صَادِقِينَ , فَإِنَّا فِي بَيْعَة بِالْمَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا نَعْبُد اللَّه فِيهَا , فَأْتُونَا فِيهَا . فَخَرَجَ الرَّاهِب , وَبَقِيَ سَلْمَان وَابْن الْمَلِك ; فَجَعَلَ يَقُول لَابْن الْمَلِك : انْطَلَقَ بِنَا , وَابْن الْمَلِك يَقُول : نَعَمْ , وَجَعَلَ ابْن الْمَلِك يَبِيع مَتَاعه يُرِيد الْجَهَاز . فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى سَلْمَان , خَرَجَ سَلْمَان حَتَّى أَتَاهُمْ , فَنَزَلَ عَلَى صَاحِبه وَهُوَ رَبّ الْبَيْعَة , وَكَانَ أَهْل تِلْكَ الْبَيْعَة مِنْ أَفَضْل الرُّهْبَان , فَكَانَ سَلْمَان : مَعَهُمْ يَجْتَهِد فِي الْعِبَادَة , وَيُتْعِب نَفْسه , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : إنَّك غُلَام حَدَث تَتَكَلَّف مِنْ الْعِبَادَة مَا لَا تُطِيق , وَأَنَا خَائِف أَنَّ تَفْتُر وَتَعْجِز , فَارْفُقْ بِنَفْسِك وَخَفِّفْ عَلَيْهَا ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَرَأَيْت الَّذِي تَأْمُرنِي بِهِ أَهُوَ أَفَضْل , أَوْ الَّذِي أَصْنَع ؟ قَالَ : بَلْ الَّذِي تَصْنَع ؟ قَالَ : فَخَلّ عَنِّي . ثُمَّ إنَّ صَاحِب الْبَيْعَة دَعَاهُ فَقَالَ : أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة لِي , وَأَنَا أَحَقّ النَّاس بِهَا , وَلَوْ شِئْت أَنْ أُخْرِج هَؤُلَاءِ مِنْهَا لَفَعَلْت ؟ وَلَكِنِّي رَجُل أَضْعَف عَنْ عِبَادَة هَؤُلَاءِ , وَأَنَا أُرِيد أَنْ أَتَحُولُ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَة إلَى بَيْعَة أُخْرَى هُمْ أَهْوَن عِبَادَة مِنْ هَؤُلَاءِ , فَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِيم هَهُنَا فَأَقِمْ , وَإِنْ شِئْت أَنْ تَنْطَلِق مَعِي فَانْطَلِقْ . قَالَ لَهُ سَلْمَان : أَيْ الْبَيْعَتَيْنِ أَفَضْل أَهْلًا ؟ قَالَ : هَذِهِ . قَالَ سَلْمَان : فَأَنَا أَكُون فِي هَذِهِ . فَأَقَامَ سَلْمَان بِهَا وَأَوْصَى صَاحِب الْبَيْعَة عَالِم الْبَيْعَة بِسَلْمَان , فَكَانَ سَلْمَان يَتَعَبَّد مَعَهُمْ . ثُمَّ إنَّ الشَّيْخ الْعَالِم أَرَادَ أَنْ يَأْتِي بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ لِسَلْمَان : إنْ أَرَدْت أَنْ تَنْطَلِق مَعِي فَانْطَلِقْ , وَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِيم فَأَقِمْ . فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَيّهمَا أَفَضْل أَنَطْلِقُ مَعَك أَمْ أُقِيم ؟ قَالَ : لَا بَلْ تَنْطَلِق مَعِي . فَانْطَلَقَ مَعَهُ فَمَرُّوا بِمَقْعَدٍ عَلَى ظَهْر الطَّرِيق مُلْقَى , فَلَمَّا رَآهُمَا نَادَى : يَا سَيِّد الرُّهْبَان ارْحَمْنِي يَرْحَمك اللَّه , فَلَمْ يُكَلِّمهُ , وَلَمْ يَنْظُر إلَيْهِ , وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ الشَّيْخ لِسَلْمَان : اُخْرُجْ فَاطْلُبْ الْعِلْم فَإِنَّهُ يَحْضُر هَذَا الْمَسْجِد عُلَمَاء أَهْل الْأَرْض . فَخَرَجَ سَلْمَان يَسْمَع مِنْهُمْ , فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : مَا لَك يَا سَلْمَان ؟ قَالَ : أَرَى الْخَيْر كُلّه قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلنَا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَأَتْبَاعهمْ , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : يَا سَلْمَان لَا تَحْزَن , فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيّ لَيْسَ مِنْ نَبِيّ بِأَفْضَل تَبَعًا مِنْهُ وَهَذَا زَمَانه الَّذِي يَخْرَج فِيهِ , وَلَا أَرَانِي أُدْرِكهُ , وَأَمَّا أَنْتَ فَشَابّ لَعَلَّك أَنْ تُدْرِكهُ , وَهُوَ يَخْرُج فِي أَرْض الْعَرَب , فَإِنْ أَدْرَكْته فَآمِنْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلَامَته بِشَيْءٍ . قَالَ : نَعَمْ , هُوَ مَخْتُومٌ فِي ظَهْره بِخَاتَمِ النُّبُوَّة , وَهُوَ يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة . ثُمَّ رَجَعَا حَتَّى بَلَغَا مَكَان الْمَقْعَد , فَنَادَاهُمَا فَقَالَ : يَا سَيِّد الرُّهْبَان ارْحَمْنِي يَرْحَمك اللَّه , فَعَطَفَ إلَيْهِ حِمَاره , فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ , فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْض وَدَعَا لَهُ , وَقَالَ : قُمْ بِإِذْنِ اللَّه , فَقَامَ صَحِيحًا يَشْتَدّ , فَجَعَلَ سَلْمَان يَتَعَجَّب وَهُوَ يَنْظُر إلَيْهِ يَشْتَدّ . وَسَارَ الرَّاهِب فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمَان وَلَا يَعْلَم سَلْمَان . ثُمَّ إنَّ سَلْمَان فَزِعَ فَطَلَبَ الرَّاهِب , فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْعَرَب مِنْ كَلْب فَسَأَلَهُمَا : هَلْ رَأَيْتُمَا الرَّاهِب ؟ فَأَنَاخَ أَحَدهمَا رَاحِلَته , قَالَ : نَعَمْ رَاعِي الصِّرْمَة هَذَا , فَحَمَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى الْمَدِينَة . قَالَ سَلْمَان : فَأَصَابَنِي مِنْ الْحُزْن شَيْء لَمْ يُصِبْنِي مِثْله قَطّ . فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَة مِنْ جُهَيْنَة فَكَانَ يَرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَام لَهَا يَتَرَاوَحَانِ الْغَنَم هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا , فَكَانَ سَلْمَان يَجْمَع الدَّرَاهِم يَنْتَظِر خُرُوج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَرْعَى , إذْ أَتَاهُ صَاحِبه الَّذِي يَعْقُبهُ , فَقَالَ : أَشَعَرْت أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ الْيَوْم الْمَدِينَة رَجُل يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَقِمْ فِي الْغَنَم حَتَّى آتِيك لَهُ . فَهَبَطَ سَلْمَان إلَى الْمَدِينَة , فَنَظَرَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَار حَوْله . فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مَا يُرِيد , فَأَرْسَلَ ثَوْبه . حَتَّى خَرَجَ خَاتَمه , فَلَمَّا رَآهُ أَتَاهُ وَكَلَّمَهُ , ثُمَّ انْطَلَقَ , فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ بِبَعْضِهِ شَاة وَبِبَعْضِهِ خُبْزًا , ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ , فَقَالَ : " مَا هَذَا " ؟ قَالَ سَلْمَان : هَذِهِ صَدَقَة قَالَ : " لَا حَاجَة لِي بِهَا فَأَخْرَجَهَا فَيَأْكُلهَا الْمُسْلِمُونَ " . ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ آخَر خُبْزًا وَلَحْمًا , فَأَتَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " مَا هَذَا " ؟ قَالَ : هَذِهِ هَدِيَّة , قَالَ : " فَاقْعُدْ " , فَقَعَدَ فَأَكَلَا جَمِيعًا مِنْهَا . فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثهُ إذْ ذَكَرَ أَصْحَابه , فَأَخْبَرَهُ خَبَرهمْ , فَقَالَ : كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤْمِنُونَ بِك , وَيَشْهَدُونَ أَنَّك سَتُبْعَثُ نَبِيًّا ; فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَان مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا سَلْمَان هُمْ مِنْ أَهْل النَّار " . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَان , وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ سَلْمَان : لَوْ أَدْرَكُوك صَدَّقُوك وَاتَّبَعُوك , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . فَكَانَ إيمَان الْيَهُود أَنَّهُ مَنْ تَمَسّك بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّة مُوسَى حَتَّى جَاءَ عِيسَى , فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى فَلَمْ يَدَعهَا وَلَمْ يَتْبَع عِيسَى كَانَ هَالِكًا . وَإِيمَان النَّصَارَى أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِع عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ , حَتَّى جَاءَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَنْ لَمْ يَتْبَع مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ وَيَدَع مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّة عِيسَى وَالْإِنْجِيل كَانَ هَالِكًا . 928 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } الْآيَة . قَالَ سَلْمَان الْفَارِسِيّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّصَارَى وَمَا رَأَى مِنْ أَعْمَالهمْ , قَالَ : لَمْ يَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَام . قَالَ سَلْمَان : فَأَظْلَمَتْ عَلَيَّ الْأَرْض . وَذَكَر اجْتِهَادهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا سَلْمَان فَقَالَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَابك " . ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ عَلَى دِين عِيسَى وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَام قَبْل أَنْ يَسْمَع بِي فَهُوَ عَلَى خَيْر وَمَنْ سَمِعَ بِي الْيَوْم وَلَمْ يُؤْمِن بِي فَقَدْ هَلَكَ " . وَقَالَ ابْن عَبَّاس بِمَا : 929 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ } إلَى قَوْله : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْخَاسِرِينَ } . 3 85 وَهَذَا الْخَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَرَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ قَدْ وَعَدَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ عَلَى عَمَله فِي الْآخِرَة الْجَنَّة , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ } . 3 85 فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , { فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وَاَلَّذِي قُلْنَا مِنْ التَّأْوِيل الْأَوَّل أَشَبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّص بِالْأَجْرِ عَلَى الْعَمَل الصَّالِح مَعَ الْإِيمَان بَعْض خَلْقه دُون بَعْض مِنْهُمْ , وَالْخَبَر بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } عَنْ جَمِيع مَا ذَكَرَ فِي أَوَّل الْآيَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً

    تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً : في هذا الملف تعقيبات على كتاب السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172270

    التحميل:

  • خطر الجريمة الخلقية

    خطر الجريمة الخلقية : في هذه الرسالة بيان أضرار الزنا وما يلحق به وفوائد غض البصر وأهم الطرق لمكافحة الزنا والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209195

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الجدال والمراء ]

    الجدال والمراء آفتان عظيمتان، ومرضان خطيران، يفسدان الدين والدنيا، ويهلكان الحرث والنسل ويجلبان الشرور والآثام، على الفرد والمجتمع. ولذا ينبغي على المسلم أن يترك الجدال والمراء ولو كان محقاً لأنهما يقسيان القلوب، ويزرعان الشحناء والبغضاء، ويتسببان في رفض الحق وتقرير الباطل.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339986

    التحميل:

  • معلم التجويد

    معلم التجويد : كتيب ميسر مرتب على ثمانية أبواب: الأول: في تعريف القرآن، وبيان بعض فضله، وشرف أهله. الثاني: في بيان الترتيل. الثالث: في بيان طريق ميسر لختم القرآن. الرابع: في فضائل بعض الآيات والسور. الخامس: في بيان سجدات القرآن. السادس: في نبذة يسيرة من علم القراءات. السابع: في فرائد من فوائد لها صلة بالقرآن. الثامن: في أحكام متعلقة بإكرام المصحف. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والمقرئ الشيخ أحمد بن خليل بن شاهين، والشيخ عبد الله بن علي بصفر - حفظهم الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166515

    التحميل:

  • يوم في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم

    يوم في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن غالب الناس في هذا الزمن بين غالٍ وجافٍ، فمنهم من غلا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى وصل به الأمر إلى الشرك - والعياذ بالله - من دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به، وفيهم من غفل عن اتباع هديه - صلى الله عليه وسلم - وسيرته فلم يتخذها نبراسًا لحياته ومعلمًا لطريقه. ورغبة في تقريب سيرته ودقائق حياته إلى عامة الناس بأسلوب سهل ميسر كانت هذه الورقات القليلة التي لا تفي بكل ذلك. لكنها وقفات ومقتطفات من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - وشمائله، ولم أستقصها، بل اقتصرت على ما أراه قد تفلت من حياة الناس، مكتفيًا عند كل خصلة ومنقبة بحديثين أو ثلاثة، فقد كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - حياة أمة وقيام دعوة ومنهاج حياة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/78853

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة