Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 6

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة , وَفِيمَنْ نَزَلَتْ , فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول , كَمَا : 245 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبّك , وَإِنْ قَالُوا إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا قَدْ جَاءَنَا مِنْ قَبْلك . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة , نَزَلَتْ فِي الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بِنَوَاحِي الْمَدِينَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْبِيخًا لَهُمْ فِي جُحُودهمْ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَكْذِيبهمْ بِهِ , مَعَ عِلْمهمْ بِهِ وَمَعْرِفَتهمْ بِأَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ وَإِلَى النَّاس كَافَّة . 246 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : أَنَّ صَدْر سُورَة الْبَقَرَة إلَى الْمِائَة مِنْهَا نَزَلَ فِي رِجَال سَمَّاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَنْسَابهمْ مِنْ أَحْبَار الْيَهُود , وَمِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج . كَرِهْنَا تَطْوِيل الْكِتَاب بِذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَوْل آخَر , وَهُوَ مَا : 247 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِص عَلَى أَنْ يُؤْمِن جَمِيع النَّاس , وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى ; فَأَخْبَرَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِن إلَّا مَنْ سَبَقَ مِنْ اللَّه السَّعَادَة فِي الذِّكْر الْأَوَّل , وَلَا يَضِلّ إلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه الشَّقَاء فِي الذِّكْر الْأَوَّل . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 248 - حُدِّثْت بِهِ عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : آيَتَانِ فِي قَادَة الْأَحْزَاب : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } إلَى قَوْله : { وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } قَالَ : وَهُمْ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار } 14 28 : 29 قَالَ : فَهُمْ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْم بَدْر . وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ تَأْوِيل ابْن عَبَّاس الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ ; وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ قَوْل مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلهمْ فِي ذَلِكَ مَذْهَب . فَأَمَّا مَذْهَب مِنْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس , فَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ قَوْم مِنْ أَهْل الْكُفْر بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ , وَأَنَّ الْإِنْذَار غَيْر نَافِعهمْ , ثُمَّ كَانَ مِنْ الْكُفَّار مَنْ قَدْ نَفَعَهُ اللَّه بِإِنْذَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ لِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَبِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بَعْد نُزُول هَذِهِ السُّورَة ; لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ إلَّا فِي خَاصّ مِنْ الْكُفَّار . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَتْ قَادَة الْأَحْزَاب لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَنْفَعهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِإِنْذَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ حَتَّى قَتَلَهُمْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ يَوْم بَدْر , عُلِمَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة . وَأَمَّا عِلَّتنَا فِي اخْتِيَارنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَهِيَ أَنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } عَقِيب خَبَر اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب , وَعَقِيب نَعْتهمْ وَصِفَتهمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُله . فَأَوْلَى الْأُمُور بِحِكْمَةِ اللَّه أَنْ يُتْلَى ذَلِكَ الْخَبَر عَنْ كُفَّارهمْ وَنُعُوتهمْ وَذَمّ أَسِبَابهمْ وَأَحْوَالهمْ , وَإِظْهَار شَتْمهمْ وَالْبَرَاءَة مِنْهُمْ ; لِأَنَّ مُؤْمِنِيهِمْ وَمُشْرِكِيهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْوَاله بِاخْتِلَافِ أَدِيَانهمْ , فَإِنَّ الْجِنْس يَجْمَع جَمِيعهمْ بِأَنَّهُمْ بَنُو إسْرَائِيل . وَإِنَّمَا احْتَجَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَوَّلِ هَذِهِ السُّورَة لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْيَهُود مِنْ أَحْبَار بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عِلْمهمْ بِنُبُوَّتِهِ مُنْكَرِينَ نُبُوَّته بِإِظْهَارِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانَتْ تُسِرّهُ الْأَحْبَار مِنْهُمْ وَتَكْتُمهُ فَيَجْهَلهُ عُظْمُ الْيَهُود وَتَعْلَمهُ الْأَحْبَار مِنْهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي أَطْلَعَهُ عَلَى عِلْم ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَنَزَلَ الْكِتَاب عَلَى مُوسَى , إذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَمْ يَكُنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَوْمه وَلَا عَشِيرَته يَعْلَمُونَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْل نُزُول الْفُرْقَان عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُمْكِنهُمْ ادِّعَاء اللُّبْس فِي أَمْره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنَّهُ نَبِيّ , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ فَمِنْ عِنْد اللَّه . وَأَنَّى يُمْكِنهُمْ ادِّعَاء اللُّبْس فِي صَدْق أُمِّيّ نَشَأَ بَيْن أُمِّيِّينَ لَا يَكْتُب , وَلَا يَقْرَأ , وَلَا يَحْسُب , فَيُقَال قَرَأَ الْكُتُب فَعَلِمَ أَوْ حَسِبَ فَنَجَّمَ , وَانْبَعَثَ عَلَى أَخْبَار قُرَّاء كُتُبه - قَدْ دَرَسُوا الْكُتُب وَرَأَسُوا الْأُمَم - يُخْبِرهُمْ عَنْ مَسْتُور عُيُوبهمْ , وَمَصُون عُلُومهمْ , وَمَكْتُوم أَخْبَارهمْ , وَخِفْيَات أُمُورهمْ الَّتِي جَهِلَهَا مَنْ هُوَ دُونهمْ مِنْ أَحْبَارهمْ ؟ ! إنَّ أَمْر مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ مُشْكِل , وَإِنَّ صِدْقه وَالْحَمْد لِلَّهِ لَبَيِّن . وَمِمَّا يُنْبِئ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } هُمْ أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ قُتِلُوا عَلَى الْكُفْر وَمَاتُوا عَلَيْهِ اقْتِصَاص اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبَأَهُمْ وَتَذْكِيره إيَّاهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُهُود وَالْمَوَاثِيق فِي أَمْر مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَعْد اقْتِصَاصه تَعَالَى ذِكْره مَا اقْتَصَّ مِنْ أَمْر الْمُنَافِقِينَ وَاعْتِرَاضه بَيْن ذَلِكَ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنْ الْخَبَر عَنْ إبْلِيس وَآدَم فِي قَوْله : { يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } 2 40 الْآيَات , وَاحْتِجَاجه لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِمْ بِمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا بَعْد جُحُودهمْ نُبُوَّته . فَإِذَا كَانَ الْخَبَر أَوَّلًا عَنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب وَآخِرًا عَنْ مُشْرِكِيهِمْ , فَأَوْلَى أَنْ يَكُون وَسَطًا عَنْهُ , إذْ كَانَ الْكَلَام بَعْضه لِبَعْضٍ تَبَع , إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ دَلَالَة وَاضِحَة بِعُدُولِ بَعْض ذَلِكَ عَمَّا اُبْتُدِئَ بِهِ مِنْ مَعَانِيه , فَيَكُون مَعْرُوفًا حِينَئِذٍ انْصِرَافه عَنْهُ . وَأَمَّا مَعْنَى الْكُفْر فِي قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } فَإِنَّهُ الْجُحُود . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحْبَار مِنْ يَهُود الْمَدِينَة جَحَدُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَتَرُوهُ عَنْ النَّاس وَكَتَمُوا أَمْره , وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ . وَأَصْل الْكُفْر عِنْد الْعَرَب تَغْطِيَة الشَّيْء , وَلِذَلِكَ سَمَّوْا اللَّيْل كَافِرًا لِتَغْطِيَةِ ظُلْمَته مَا لَبِسَتْهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَتَذَّكَّرَا ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْد مَا أَلْقَتْ ذُكَاء يَمِينهَا فِي كَافِر وَقَالَ لَبِيد بْن رَبِيعَة : فِي لَيْلَة كَفَرَ النُّجُوم غَمَامهَا يَعْنِي غَطَّاهَا . فَكَذَلِكَ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود غَطَّوْا أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوهُ النَّاس مَعَ عِلْمهمْ بِنُبُوَّتِهِ وَوُجُودهمْ صِفَته فِي كُتُبهمْ . فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنَزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } 2 159 وَهُمْ الَّذِينَ أَنَزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وَتَأْوِيل " سَوَاء " : مُعْتَدِل , مَأْخُوذ مِنْ التَّسَاوِي , كَقَوْلِك : مُتَسَاوٍ هَذَانِ الْأَمْرَانِ عِنْدِي , وَهُمَا عِنْدِي سَوَاء ; أَيْ هُمَا مُتَعَادِلَانِ عِنْدِي . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء } 8 58 يَعْنِي أَعْلِمْهُمْ وَآذِنْهُمْ بِالْحَرْبِ حَتَّى يَسْتَوِي عِلْمك وَعِلْمهمْ بِمَا عَلَيْهِ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَر . فَكَذَلِكَ قَوْله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } مُعْتَدِل عِنْدهمْ أَيْ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْك إلَيْهِمْ الْإِنْذَار أَمْ تَرْك الْإِنْذَار لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ , وَقَدْ خَتَمْت عَلَى قُلُوبهمْ وَسَمْعهمْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عُبَيْد اللَّه بْن قِيس الرُّقَيَّات : تُغِذّ بِي الشَّهْبَاء نَحْو ابْن جَعْفَر سَوَاء عَلَيْهَا لَيْلهَا وَنَهَارهَا يَعْنِي : بِذَلِكَ : مُعْتَدِل عِنْدهَا السَّيْر فِي اللَّيْل وَالنَّهَار , لِأَنَّهُ لَا فُتُور فِيهِ . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : وَلَيْل يَقُول الْمَرْء مِنْ ظُلُمَاته سَوَاء صَحِيحَات الْعُيُون وُعُورهَا لِأَنَّ الصَّحِيح لَا يُبْصِر فِيهِ إلَّا بَصَرًا ضَعِيفًا مِنْ ظُلْمَته . وَأَمَّا قَوْله : { أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } فَإِنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الْكَلَام ظُهُور الِاسْتِفْهَام وَهُوَ خَبَر ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع " أَيْ " , كَمَا تَقُول : لَا نُبَالِي أَقُمْت أَمْ قَعَدْت , وَأَنْت مُخْبِر لَا مُسْتَفْهِم لِوُقُوعِ ذَلِكَ مَوْقِع " أَيْ " , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا قُلْت ذَلِكَ : مَا نُبَالِي أَيّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْك , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ } لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَيْ هَذَيْنِ كَانَ مِنْك إلَيْهِمْ , حَسَن فِي مَوْضِعه مَعَ " سَوَاء " : أَفَعَلْت أَمْ لَمْ تَفْعَل . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّ حَرْف الِاسْتِفْهَام إنَّمَا دَخَلَ مَعَ " سَوَاء " وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامِ , لِأَنَّ الْمُسْتَفْهِم إذَا اسْتَفْهَمَ غَيْره فَقَالَ : أَزَيْد عِنْدك أَمْ عَمْرو ؟ مُسْتَثْبِت صَاحِبه أَيّهمَا عِنْده , فَلَيْسَ أَحَدهمَا أَحَقّ بِالِاسْتِفْهَامِ مِنْ الْآخَر . فَلَمَّا كَانَ قَوْله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ } بِمَعْنَى التَّسْوِيَة , أَشَبَه ذَلِكَ الِاسْتِفْهَام إذْ أَشَبَهه فِي التَّسْوِيَة , وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إذًا : مُعْتَدِل يَا مُحَمَّد عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتك مِنْ أَحْبَار يَهُود الْمَدِينَة بَعْد عِلْمهمْ بِهَا , وَكَتَمُوا بَيَان أَمْرك لِلنَّاسِ بِأَنَّك رَسُولِي إلَى خَلْقِي , وَقَدْ أَخَذْت عَلَيْهِمْ الْعَهْد وَالْمِيثَاق أَنْ لَا يَكْتُمُوا ذَلِكَ وَأَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ صِفَتك فِي كُتُبهمْ ; أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ إلَى الْحَقّ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِك وَبِمَا جِئْتهمْ بِهِ ; لِمَا : 249 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } أَيْ أَنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدهمْ مِنْ الْعِلْم مِنْ ذِكْر وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمِيثَاق لَك ; فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَك وَبِمَا عِنْدهمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرك , فَكَيْف يَسْمَعُونَ مِنْك إنْذَارًا وَتَحْذِيرًا وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدهمْ مِنْ عِلْمك ؟
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مع رجال الحسبة [ توجيهات وفتاوى ]

    مع رجال الحسبة [ توجيهات وفتاوى ]: يحتوي هذا الكتاب على لقاءات الشيخ - رحمه الله - برجال الحِسبة وتوجيهاته لهم، والفتاوى المكتوبة أو الصوتية عن هذا الموضوع.

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348430

    التحميل:

  • كشاف تحليلي لشروح ثلاثة الأصول وأدلتها

    في هذا الملف كشاف تحليلي لشروح ثلاثة الأصول وأدلتها تم إعداده من تحليل عبارات المتن، وشرح سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد العثيمين، وحاشية ابن قاسم، وشرح معالي الشيخ صالح آل الشيخ، وشرح الشيخ: عبد الله الفوزان. • والغرض منه أن يفيد منه المعلم ويستفيد منه الطالب الحاذق حتى يتقن دراسة هذه المتون القيمة دراسة المستبصر الذي يرجى نفعه للأمة بالدعوة إلى الله وبيان التوحيد والذب عن حماه وكشف شبهات أهل الشرك والبدع. • تم تقسيم الكشاف إلى دروس، كل درس يحتوي على عناصر وأسئلة. • أما عن ثلاثة الأصول وأدلتها فهي رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، وتحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها ، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285587

    التحميل:

  • المسجد وبيت المسلم

    المسجد وبيت المسلم: كتاب لفضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري - حفظه الله - يحتوي على ثلاثمائة ونيف وستين درساً، تفيد أئمة المساجد في تحضير الدروس.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2599

    التحميل:

  • وإنك لعلى خلق عظيم [ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ]

    وإنك لعلى خلق عظيم : هذه الرسالة تعرف بالإسلام من خلال شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول بعنوان: السيرة النبوية والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم. الجزء الثاني بعنوان: ما أنا عليه وأصحابي. الجزء الثالث بعنوان: الدين الحق بالأدلة القاطعة.

    المدقق/المراجع: صفي الرحمن المباركفوري

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203880

    التحميل:

  • إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

    قال المؤلف: أما بعد: فهذه رسالة في «إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، والتبرج، والسفور، وخلوة الأجنبي بالمرأة، وسفر المرأة بدون محرم، والاختلاط»، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: الحجاب. المبحث الثاني: التبرج. المبحث الثالث: السفور. المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة. المبحث الخامس: سفر المرأة بدون محرم. المبحث السادس: شبه دعاة السفور، والرد عليها. المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في الحجاب والسفور. المبحث الثامن: الاختلاط.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364920

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة