Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 58

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة } وَالْقَرْيَة الَّتِي أَمَرَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا , فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءُوا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : بَيْت الْمَقْدِس . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 837 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة } قَالَ : بَيْت الْمَقْدِس . 838 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة } أَمَّا الْقَرْيَة فَقَرْيَة بَيْت الْمَقْدِس . 839 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة } يَعْنِي بَيْت الْمَقْدِس . 840 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : سَأَلْته يَعْنِي ابْن زَيْد عَنْ قَوْله : { اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة فَكُلُوا مِنْهَا } قَالَ : هِيَ أَرِيحَا , وَهِيَ قَرْيَة مِنْ بَيْت الْمَقْدِس .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَة حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَاب . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّغَد فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا , وَذَكَرْنَا أَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَادْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } أَمَّا الْبَاب الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ , فَإِنَّهُ قِيلَ : هُوَ بَاب الْحِطَّة مِنْ بَيْت الْمَقْدِس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 841 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } قَالَ : بَاب الْحِطَّة مِنْ بَاب إيلِيَاء مِنْ بَيْت الْمَقْدِس . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 842 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَادْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } أَمَّا الْبَاب فَبَاب مِنْ أَبْوَاب بَيْت الْمَقْدِس . 843 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَادْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } أَنَّهُ أَحَد أَبْوَاب بَيْت الْمَقْدِس , وَهُوَ يُدْعَى بَاب حِطَّة . وَأَمَّا قَوْله : { سُجَّدًا } فَإِنْ ابْن عَبَّاس كَانَ يَتَأَوَّلهُ بِمَعْنَى الرُّكَّع . 844 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } قَالَ : رُكَّعًا مِنْ بَاب صَغِير . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الزِّبْرِقَان النَّخَعِيُّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد , عَنْ ابْن عَبَّاس . فِي قَوْله : { اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعًا . وَأَصْل السُّجُود : الِانْحِنَاء لِمَنْ سَجَدَ لَهُ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ , فَكُلّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ سَاجِد , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : بِجَمْعٍ تَضِلّ الْبُلْق فِي حَجَرَاته تَرَى الْأُكْم فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : سُجَّدًا : خَاشِعَة خَاضِعَة . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أَعْشَى بَنِي قَيْس بْن ثَعْلَبَة : يُرَاوِح مِنْ صَلَوَات الْمَلِيك طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا فَذَلِكَ تَأْوِيل ابْن عَبَّاس قَوْله : { سُجَّدًا } رُكَّعًا , لِأَنَّ الرَّاكِع مُنْحَنٍ , وَإِنْ كَانَ السَّاجِد أَشَدّ انْحِنَاء مِنْهُ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا حِطَّة } وَتَأْوِيل قَوْله : { حِطَّة } : فِعْلَة , مِنْ قَوْل الْقَائِل : حَطَّ اللَّه عَنْك خَطَايَاك فَهُوَ يَحُطّهَا حِطَّة , بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّة وَالْحِدَّة وَالْمُدَّة مِنْ رَدَدْت وَحَدَدْت وَمَدَدْت . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ : 845 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ أَنَا مَعْمَر : { وَقُولُوا حِطَّة } قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَةُ : أَيْ اُحْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا . 846 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَقُولُوا حِطَّة } : يَحُطّ اللَّه بِهَا عَنْكُمْ ذَنْبكُمْ وَخَطَايَاكُمْ . 847 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ ابْن عَبَّاس : { قُولُوا حِطَّة } قَالَ : يَحُطّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ . 848 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { حِطَّة } : مَغْفِرَة . 849 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { حِطَّة } قَالَ : يُحِطّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ . 850 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ لِي عَطَاء فِي قَوْله : { وَقُولُوا حِطَّة } قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ يَحُطّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُولُوا لَا إلَه إلَّا اللَّه . كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيله : قُولُوا الَّذِي يَحُطّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ , وَهُوَ قَوْل لَا إلَه إلَّا اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 851 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى وَسَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم الْمِصْرِيّ , قَالَا : أَخْبَرَنَا حَفْص بْن عُمَر , ثنا الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة : { وَقُولُوا حِطَّة } قَالَ : قُولُوا لَا إلَه إلَّا اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى قَوْل عِكْرِمَة , إلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَوْل الَّذِي أُمِرُوا بِقِيلِهِ الِاسْتِغْفَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 852 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الزِّبْرِقَان النَّخَعِيُّ , ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَقُولُوا حِطَّة } قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ نَظِير قَوْل عِكْرِمَة , إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا الْقَوْل الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ هُوَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الْأَمْر حَقّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 853 - حَدَّثَنَا عَنْ المنجاب , قَالَ : ثنا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَقُولُوا حِطَّة } قَالَ : قُولُوا هَذَا الْأَمْر حَقّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله رُفِعَتْ الْحِطَّة , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : رُفِعَتْ الْحِطَّة بِمَعْنَى " قُولُوا " لِيَكُنْ مِنْكُمْ حِطَّة لِذُنُوبِنَا , كَمَا تَقُول لِلرَّجُلِ سمعك . وقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ كَلِمَة أَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَقُولُوهَا مَرْفُوعَة , وَفَرْض عَلَيْهِمْ قِيلهَا كَذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : رُفِعَتْ الْحِطَّة بِضَمِيرِ " هَذِهِ " , كَأَنَّهُ قَالَ : وَقُولُوا هَذِهِ حِطَّة . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ مَرْفُوعَة بِضَمِيرٍ مَعْنَاهُ الْخَبَر , كَأَنَّهُ قَالَ : قُولُوا مَا هُوَ حِطَّة , فَتَكُون حِطَّة حِينَئِذٍ خَبَرًا ل " وَمَا " . وَاَلَّذِي هُوَ أَقْرَب عِنْدِي فِي ذَلِكَ إلَى الصَّوَاب وَأَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْكِتَاب , أَنْ يَكُون رَفَعَ حِطَّة بِنِيَّةِ خَبَر مَحْذُوف قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر التِّلَاوَة , وَهُوَ دُخُولنَا الْبَاب سُجَّدًا حِطَّة , فَكَفَى مِنْ تَكْرِيره بِهَذَا اللَّفْظ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر مِنْ التَّنْزِيل , وَهُوَ قَوْله : { وَادْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا } كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّة مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَة إلَى رَبّكُمْ } 7 164 يَعْنِي مَوْعِظَتنَا إيَّاهُمْ مَعْذِرَة إلَى رَبّكُمْ . فَكَذَلِكَ عِنْدِي تَأْوِيل قَوْله : { وَقُولُوا حِطَّة } يَعْنِي بِذَلِكَ : { وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة . . . وَادْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا وَقُولُوا } دُخُولنَا ذَلِكَ سُجَّدًا { حِطَّة } لِذُنُوبِنَا , وَهَذَا الْقَوْل عَلَى نَحْو تَأْوِيل الرَّبِيع بْن أَنَس وَابْن جُرَيْجٍ وَابْن زَيْد الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيل قَوْل عِكْرِمَة , فَإِنَّ الْوَاجِب أَنْ تَكُون الْقِرَاءَة بِالنَّصْبِ فِي " حِطَّة " , لِأَنَّ الْقَوْم إنْ كَانُوا أَمَرُوا أَنْ يَقُولُوا : لَا إلَه إلَّا اللَّه , أَوْ أَنْ يَقُولُوا : نَسْتَغْفِر اللَّه , فَقَدْ قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا هَذَا الْقَوْل , ف " قُولُوا " وَاقِع حِينَئِذٍ عَلَى الْحِطَّة , لِأَنَّ الْحِطَّة عَلَى قَوْل عِكْرِمَة هِيَ قَوْل لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَإِذْ كَانَتْ هِيَ قَوْل لَا إلَه إلَّا اللَّه , فَالْقَوْل عَلَيْهَا وَاقِع , كَمَا لَوْ أَمَرَ رَجُل رَجُلًا بِقَوْلِ الْخَيْر , فَقَالَ لَهُ : " قُلْ خَيْرًا " نَصْبًا , وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا أَنْ يَقُول لَهُ " قُلْ خَيْر " إلَّا عَلَى اسْتِكْرَاه شَدِيد . وَفِي إجْمَاع الْقُرَّاء عَلَى رَفْع " الْحِطَّة " بَيَان وَاضِح عَلَى خِلَاف الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَة مِنْ التَّأْوِيل فِي قَوْله : { وَقُولُوا حِطَّة } . وَكَذَلِكَ الْوَاجِب عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَةُ فِي قَوْله : { وَقُولُوا حِطَّة } أَنْ تَكُون الْقِرَاءَة فِي " حِطَّة " نَصْبًا , لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا وَضَعُوا الْمَصَادِر مَوَاضِع الْأَفْعَال وَحَذَفُوا الْأَفْعَال أَنْ يَنْصِبُوا الْمَصَادِر , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أُبِيدُوا بِأَيْدِي عُصْبَة وَسُيُوفهمْ عَلَى أُمَّهَات الْهَام ضَرْبًا شَآمِيَا وَكَقَوْلِ الْقَائِل لِلرَّجُلِ : سَمْعًا وَطَاعَة , بِمَعْنَى : أَسْمَع سَمْعًا وَأَطِيع طَاعَة , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَعَاذ اللَّه } 12 23 بِمَعْنَى نَعُوذ بِاَللَّهِ.

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { نَغْفِر لَكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { نَغْفِر لَكُمْ } نَتَغَمَّد لَكُمْ بِالرَّحْمَةِ خَطَايَاكُمْ وَنَسْتُرهَا عَلَيْكُمْ , فَلَا نَفْضَحكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا . وَأَصْل الْغَفْر : التَّغْطِيَة وَالسِّتْر , فَكُلّ سَاتِر شَيْئًا فَهُوَ غَافِره . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنْ الْحَدِيد الَّتِي تُتَّخَذ جُنَّة لِلرَّأْسِ " مِغْفَر " , لِأَنَّهَا تُغَطِّي الرَّأْس وَتَجُنّهُ , وَمِثْله غَمَدَ السَّيْف , وَهُوَ مَا يَغْمِدهُ فَيُوَارِيه ; وَلِذَلِكَ قِيلَ لزئبر الثَّوْب " عُفْرَة " , لِتَغْطِيَتِهِ الثَّوْب , وَحَوْله بَيْن النَّاظِر وَالنَّظَر إلَيْهَا . وَمِنْهُ قَوْل أَوْس بْن حُجْر : فَلَا أَعْتِب ابْن الْعَمّ إنْ كَانَ جَاهِلًا وَأَغْفِر عَنْهُ الْجَهْل إنْ كَانَ أَجْهَلَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَأَغْفِر عَنْهُ الْجَهْل : أَسْتُر عَلَيْهِ جَهْله بِحِلْمِي عَنْهُ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَطَايَاكُمْ } وَالْخَطَايَا جَمْع خَطِّيَّة بِغَيْرِ هَمْز كَمَا الْمَطَايَا جَمْع مَطِيَّة , وَالْحَشَايَا جَمَعَ حَشِيَّة . وَإِنَّمَا تُرِكَ جَمْع الْخَطَايَا بِالْهَمْزِ , لِأَنَّ تَرْك الْهَمْز فِي خَطِيئَة أَكْثَر مِنْ الْهَمْز , فَجَمَعَ عَلَى خَطَايَا , عَلَى أَنَّ وَاحِدَتهَا غَيْر مَهْمُوزَة . وَلَوْ كَانَتْ الْخَطَايَا مَجْمُوعَة عَلَى خَطِيئَة بِالْهَمْزِ لَقِيلَ خَطَائِي عَلَى مِثْل قَبِيلَة وَقَبَائِل , وَصَحِيفَة وَصَحَائِف . وَقَدْ تُجْمَع خَطِيئَة بِالتَّاءِ فَيُهْمَز فَيُقَال خَطِيئَات , وَالْخَطِيئَة فَعِيلَة مِنْ خَطِئَ الرَّجُل يَخْطَأ خِطْئًا , وَذَلِكَ إذَا عَدَلَ عَنْ سَبِيل الْحَقّ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ لَعَمْر اللَّه قَدْ خَطِئَا وَخَابَا يَعْنِي أَضَلَّا الْحَقّ وَأَثِمَا .


الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } وَتَأْوِيل ذَلِكَ مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ ابْن عَبَّاس , وَهُوَ مَا : 854 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ ابْن عَبَّاس : { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا زِيدَ فِي إحْسَانه , وَمَنْ كَانَ مُخْطِئًا نَغْفِر لَهُ خَطِيئَته . فَتَأْوِيل الْآيَة : وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة مُبَاحًا لَكُمْ كُلّ مَا فِيهَا مِنْ الطَّيِّبَات , مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ حِسَاب , وَادْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا , وَقُولُوا : سُجُودنَا هَذَا لِلَّهِ حِطَّة مِنْ رَبّنَا لِذُنُوبِنَا يَحُطّ بِهِ آثَامِنَا , نَتَغَمَّد لَكُمْ ذُنُوب الْمُذْنِب مِنْكُمْ فَنَسْتُرهَا عَلَيْهِ , وَنَحُطّ أَوَزَارَهُ عَنْهُ , وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ مِنْكُمْ إلَى إحْسَاننَا السَّالِف عِنْده إحْسَانًا . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ عَظِيم جَهَالَتهمْ , وَسُوء طَاعَتهمْ رَبّهمْ وَعِصْيَانهمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ , مَعَ عَظِيم آلَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِنْدهمْ , وَعَجَائِب مَا أَدَّاهُمْ مِنْ آيَاتهمْ عِبْرَة , مُوَبِّخًا بِذَلِكَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَات , وَمُعَلِّمهمْ أَنَّهُمْ إنْ تَعَدَّوْا فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَجُحُودهمْ نُبُوَّته مَعَ عَظِيم إحْسَان اللَّه بِمَبْعَثِهِ فِيهِمْ إلَيْهِمْ , وَعَجَائِب مَا أَظَهَرَ عَلَى يَده مِنْ الْحُجَج بَيْن أَظْهُرهمْ , أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ . وَقَصَّ عَلَيْنَا أَنْبَاءَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْر الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاء } الْآيَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آداب التثاؤب والعطاس

    آداب التثاؤب والعطاس : فالإِسلام رسم للمسلم طريقًا يسير عليه في جميع شئون الحياة، عظيمها وصغيرها، جليلها ودقيقها؛ ومن ذلك: أرشد العاطس والمتثائب إلى آداب يفعلها مصلحة له ولغيره، وحذره مما فيه مضرة عليه أو على غيره. وفي هذه الرسالة بيان بعض هذه الآداب؛ لجهل كثير من المسلمين بأكثرها فكم مرة سمع إذا عطس الرجل وحمد الله وقيل له: يرحمك الله لم يعلم ما يقول فيرد بقوله: شكرًا! بل البعض يجهل ما يقول عند العطاس، وكيف يشمت العاطس. وأما التثاؤب فقلَّ من الناس من يكون فيه على نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - فكم من متثائب بقي فمه مفتوحًا بل البعض يخرج صوتًا مع تثاؤبه، وفي هذا تفويت الأجر العظيم من الله تعالى على المسلم؛ لترك سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/275305

    التحميل:

  • أسئلة وأجوبة حول عقيدة الولاء والبراء

    أسئلة وأجوبة حول عقيدة الولاء والبراء: مجموعة أسئلة حول عقيدة أهل السنة في الولاء والبراء، يجيب عليها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44752

    التحميل:

  • الطب النبوي

    الطب النبوي: كتاب يتضمن فصول نافعة في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره حيث يبين الكاتب فيه الحكمة التي تعجز عقول أكبر الأطباء عن الوصول إليها.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370718

    التحميل:

  • أعمال ثوابها كقيام الليل

    إن من رحمة الله - عز وجل - بعباده، أنه وهبهم أعمالا يسيرة يعدل ثوابها قيام الليل، فمن فاته قيام الليل أو عجز عنه فلا يُفوت عليه هذه الأعمال لتثقيل ميزانه، وهذه ليست دعوة للتقاعس عن قيام الليل، إذ لم يفهم سلفنا الصالح - رحمهم الله تعالى - ذلك، بل كانوا ينشطون في كل ميادين الخير.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291300

    التحميل:

  • محاسن الصدق ومساوئ الكذب

    في هذه الرسالة بيان بعض محاسن الصدق ومساوئ الكذب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209197

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة