Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ } تَأْوِيل ذَلِكَ اُذْكُرُوا أَيْضًا إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل : يَا قَوْم إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ . وَظُلْمهمْ إيَّاهَا كَانَ فِعْلهمْ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِهَا مِمَّا أَوَجَبَ لَهُمْ الْعُقُوبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَكَذَلِكَ كُلّ فَاعِلٍ فِعْلًا يَسْتَوْجِب بِهِ الْعُقُوبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى فَهُوَ ظَالِم لِنَفْسِهِ بِإِيجَابِهِ الْعُقُوبَة لَهَا مِنْ اللَّه تَعَالَى . وَكَانَ الْفِعْل الَّذِي فَعَلُوهُ فَظَلَمُوا بِهِ أَنْفُسهمْ , هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ ارْتِدَادهمْ بِاِتِّخَاذِهِمْ الْعِجْل رَبًّا بَعْد فِرَاق مُوسَى إيَّاهُمْ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ ذَنْبهمْ وَالْإِنَابَة إلَى اللَّه مِنْ رِدَّتهمْ بِالتَّوْبَةِ إلَيْهِ , وَالتَّسْلِيم لِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَوْبَتهمْ مِنْ الذَّنْب الَّذِي رَكَبُوهُ قَتْلهمْ أَنْفُسهمْ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَة : الْأَوْبَة مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه إلَى مَا يَرْضَاهُ مِنْ طَاعَته . فَاسْتَجَابَ الْقَوْم لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ التَّوْبَة مِمَّا رَكَبُوا مِنْ ذُنُوبهمْ إلَى رَبّهمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ . كَمَا : 784 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ . حَدَّثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ } قَالَ : عَمِدُوا إلَى الْخَنَاجِر , فَجَعَلَ يَطْعَن بَعْضهمْ بَعْضًا . 785 - حَدَّثَنِي عَبَّاس بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد , قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , أَخْبَرَ فِي الْقَاسِم بْن أَبِي بزة أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهَدًا قَالَا : قَامَ بَعْضهمْ إلَى بَعْض بِالْخَنَاجِرِ يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا لَا يَحِنّ رَجُل عَلَى رَجُل قَرِيب وَلَا بِعِيدٍ , حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ , فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ , فَتَكَشَّفَ عَنْ سَبْعِينَ أَلْف قَتِيل , وَإِنَّ اللَّه أَوْحَى إلَى مُوسَى أَنَّ حَسْبِي قَدْ اكْتَفَيْت , فَذَلِكَ حِين أَلْوَى بِثَوْبِهِ . 786 - حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم , قَالَ : حَدَّثَنَا إبْرَاهِيم بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عَيْنَة , قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ : { تُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ عِنْد بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } قَالَ : أَمَرَ مُوسَى قَوْمه عَنْ أَمْر رَبّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسهمْ , قَالَ : فَاحْتَبَى الَّذِينَ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْل فَجَلَسُوا , وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَى الْعِجْل وَأَخَذُوا الْخَنَاجِر بِأَيْدِيهِمْ وَأَصَابَتْهُمْ ظُلْمَة شَدِيدَة , فَجَعَلَ يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا . فَانْجَلَتْ الظُّلْمَة عَنْهُمْ , وَقَدْ أَجْلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْف قَتِيل , كُلّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَة , وَكُلّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَة . 787 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه { قَالَ يَا قَوْم أَلَمْ يَعِدكُمْ رَبّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا } إلَى قَوْله : { فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيّ } 20 86 : 87 { وَأَلْقَى } مُوسَى { الْأَلْوَاح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ } { قَالَ يَا ابْن أُمّ لَا تَأْخُذ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَنِي إسْرَائِيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلِي } 20 94 فَتَرَك هَارُونَ وَمَال إلَى السَّامِرِيّ , ف { قَالَ مَا خَطْبك يَا سَامِرِيّ } إلَى قَوْله : { ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمّ نَسْفًا } 20 95 : 97 ثُمَّ أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ , ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالْمِبْرَدِ , ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْيَمّ , فَلَمْ يَبْقَ بَحْر يَجْرِي يَوْمئِذٍ إلَّا وَقَعَ فِيهِ شَيْء مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اشْرَبُوا مِنْهُ ! فَشَرِبُوا , فَمَنْ كَانَ يُحِبّهُ خَرَجَ عَلَى شَارِبِيهِ الذَّهَب , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل بِكُفْرِهِمْ } 2 93 . فَلَمَّا سَقَطَ فِي أَيْدِي بَنِي إسْرَائِيل حِين جَاءَ مُوسَى , { وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمنَا رَبّنَا وَيَغْفِر لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 7 149 فَأَبَى اللَّه أَنْ يَقْبَل تَوْبَة بَنِي إسْرَائِيل إلَّا بِالْحَالِ الَّتِي كَرِهُوا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حِين عَبَدُوا الْعِجْل , فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : { يَا قَوْم إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ بِاِتِّخَاذِكُمْ الْعِجْل فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ } قَالَ : فَصُفُّوا صَفَّيْنِ ثُمَّ اجْتَلَدُوا بِالسُّيُوفِ . فَاجْتَلَدَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ بِالسُّيُوفِ , فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا , حَتَّى كَثُرَ الْقَتْل حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلَكُوا حَتَّى قُتِلَ بَيْنهمْ سَبْعُونَ أَلْفًا , وَحَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونَ : رَبّنَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيل , رَبّنَا الْبَقِيَّة الْبَقِيَّة ! فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضَعُوا السِّلَاح , وَتَابَ عَلَيْهِمْ . فَكَانَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا , وَمَنْ يَقِي كَانَ مُكَفَّرًا عَنْهُ . فَذَلِكَ قَوْله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } 788 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { بِاِتِّخَاذِكُمْ الْعِجْل } قَالَ : كَانَ مُوسَى أَمَرَ قَوْمه - عَنْ أَمْر رَبّه - أَنْ يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ , فَجَعَلَ الرَّجُل يَقْتُل أَبَاهُ وَيَقْتُل وَلَده , فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ . 789 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ } الْآيَة . قَالَ : فَصَارُوا صَفَّيْنِ , فَجَعَلَ يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا , فَبَلَغَ الْقَتْلَى مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : قَدْ تِيبَ عَلَى الْقَاتِل وَالْمَقْتُول . 790 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْث , قَالَ : حَدَّثَني عُقَيْل , عَنْ ابْنِ شِهَاب , قال : لَمَّا أُمِرَتْ بَنُو إِسْرَائِيل بِقَتْل أَنْفُسِهَا بَرَزُوا وَمَعَهُمْ مُوسَى , فَتَضَارَبُوا بِالسُّيُوفِ , وَتَطَاعَنُوا بِالْخَنَاجِرِ , وَمُوسَى رَافِع يَدَيْهِ . حَتَّى إذَا فَتَرَ أَتَاهُ بَعْضهمْ قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه اُدْعُ اللَّه لَنَا ! وَأَخَذُوا بِعَضُدَيْهِ يَشُدُّونَ يَدَيْهِ , فَلَمْ يَزَلْ أَمْرهمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى إذَا قَبِلَ اللَّه تَوْبَتهمْ قَبَضَ أَيْدِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , فَأَلْقَوْا السِّلَاح . وَحَزِنَ مُوسَى وَبَنُو إسْرَائِيل لِلَّذِي كَانَ مِنْ الْقَتْل فِيهِمْ , فَأَوْحَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إلَى مُوسَى : لَا يَحْزُنك , أَمَّا مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَحَيّ عِنْدِي يُرْزَق , وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ فَقَدْ قَبِلْت تَوْبَته . فَسُرّ بِذَلِكَ مُوسَى وَبَنُو إسْرَائِيل . 791 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ وَقَتَادَةُ فِي قَوْله : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ } قَالَ : قَامُوا صَفَّيْنِ فَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا حَتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا . قَالَ قَتَادَةَ : كَانَتْ شَهَادَة لِلْمَقْتُولِ وَتَوْبَة لِلْحَيِّ . 792 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ لِي عَطَاء : سَمِعْت عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : قَامَ بَعْضهمْ إلَى بَعْض يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا , مَا يَتَوَقَّى الرَّجُل أَخَاهُ وَلَا أَبَاهُ وَلَا ابْنه وَلَا أَحَدًا حَتَّى نَزَلَتْ التَّوْبَة . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , وَقَالَ ابْن عَبَّاس : بَلَغَ قَتْلَاهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا , ثُمَّ رَفَعَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ الْقَتْل , وَتَابَ عَلَيْهِمْ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَامُوا صَفَّيْنِ , فَاقْتَتَلُوا بَيْنهمْ , فَجَعَلَ اللَّه الْقَتْل لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهَادَة , وَكَانَتْ تَوْبَة لِمَنْ بَقِيَ . وَكَانَ قَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا أَنَّ اللَّه عَلِمَ أَنَّ نَاسًا مِنْهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْعِجْل بَاطِل فَلَمْ يَمْنَعهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ إلَّا مَخَافَة الْقِتَال , فَلِذَلِكَ أَمَرَ أَنَّ يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا . 793 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه , وَأَحْرَقَ الْعِجْل وَذَرَّاهُ فِي الْيَمّ ; خَرَجَ إلَى رَبّه بِمَنْ اخْتَارَ مِنْ قَوْمه , فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة , ثُمَّ بُعِثُوا . سَأَلَ مُوسَى رَبّه التَّوْبَة لِبَنِي إسْرَائِيل مِنْ عِبَادَة الْعِجْل , فَقَالَ : لَا , إلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسهمْ . قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى : نَصْبِر لِأَمْرِ اللَّه , فَأَمَرَ مُوسَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَبَدَ الْعِجْل أَنْ يَقْتُل مَنْ عَبْده , فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ وَأَصْلَتْ عَلَيْهِمْ الْقَوْم السُّيُوف , فَحَمَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ , وَبَكَى مُوسَى وَبَهَشَ إلَيْهِ النِّسَاء وَالصِّبْيَان يَطْلُبُونَ الْعَفْو عَنْهُمْ , فَتَابَ عَلَيْهِمْ وَعَفَا عَنْهُمْ , وَأَمَرَ مُوسَى أَنْ تُرْفَع عَنْهُمْ السُّيُوف . 794 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : مَال ابْن زَيْد : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه , وَكَانُوا سَبْعُونَ رَجُلًا قَدْ اعْتَزَلُوا مَعَ هَارُونَ الْعِجْل لَمْ يَعْبُدُوهُ . فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : انْطَلِقُوا إلَى مَوْعِد رَبّكُمْ , فَقَالُوا : يَا مُوسَى أَمَّا مِنْ تَوْبَة ؟ قَالَ : بَلَى { فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ عِنْد بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } الْآيَة . . . . فَاخْتَرَطُوا السُّيُوف والجرزة وَالْخَنَاجِر وَالسَّكَاكِين . قَالَ : وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ ضَبَابَة , قَالَ : فَجَعَلُوا يَتَلَامَسُونَ بِالْأَيْدِي , وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا . قَالَ : وَيَلْقَى الرَّجُل أَبَاهُ وَأَخَاهُ فَيَقْتُلهُ وَلَا يَدْرِي , وَيَتَنَادَوْنَ فِيهَا : رَحِمَ اللَّه عَبْدًا صَبَرَ حَتَّى يَبْلُغ اللَّه رِضَاهُ . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الْآيَات مَا فِيهِ بَلَاء مُبِين } 44 33 قَالَ : فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاء , وَتِيبَ عَلَى أَحْيَائِهِمْ . وَقَرَأَ : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } . فَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ الْأَخْبَار الَّتِي رَوَيْنَاهَا كَانَ تَوْبَة الْقَوْم مِنْ الذَّنْب الَّذِي أَتَوْهُ فِيمَا بَيْنهمْ وَبَيْن رَبّهمْ بِعِبَادَتِهِمْ الْعِجْل مَعَ نَدَمهمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : ارْجِعُوا إلَى طَاعَة خَالِقكُمْ وَإِلَى مَا يُرْضِيه عَنْكُمْ . كَمَا : 795 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ } أَيْ إلَى خَالِقكُمْ . وَهُوَ مَنْ بَرَأَ اللَّه الْخَلْق يَبْرَؤُهُ فَهُوَ بَارِئ . وَالْبَرِيَّة : الْخَلْق , وَهِيَ فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , غَيْر أَنَّهَا لَا تَهْمِز كَمَا لَا يَهْمِز مَلَك , وَهُوَ مِنْ " ل ء ك " , لَكِنَّهُ جَرَى بِتَرْكِ الْهَمْزَة , كَذَلِكَ قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : إلَّا سُلَيْمَان إذْ قَالَ الْمَلِيك لَهُ قُمْ فِي الْبَرِيَّة فَاحْدُدْهَا عَنْ الْفَنَد وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْبَرِيَّة إنَّمَا لَمْ تُهْمَز لِأَنَّهَا فَعِيلَة مِنْ الْبَرَى , وَالْبَرَى : التُّرَاب . فَكَأَنَّ تَأْوِيله عَلَى قَوْل مَنْ تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ أَنَّهُ مَخْلُوق مِنْ التُّرَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّمَا أُخِذَتْ الْبَرِيَّة مِنْ قَوْلك بَرَيْت الْعُود , فَلِذَلِكَ لَمْ يُهْمَز . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَرْك الْهَمْز مِنْ بَارِئِكُمْ جَائِز , وَالْإِبْدَال مِنْهَا جَائِز , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي بَارِيكُمْ فَغَيْر مُسْتَنْكَر أَنْ تَكُون الْبَرِيَّة مِنْ بَرَى اللَّه الْخَلْق بِتَرْكِ الْهَمْزَة .

وَأَمَّا قَوْله : { ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ عِنْد بَارِئِكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ تَوْبَتكُمْ بِقَتْلِكُمْ أَنْفُسكُمْ وَطَاعَتكُمْ رَبّكُمْ خَيْر لَكُمْ عِنْد بَارِئِكُمْ ; لِأَنَّكُمْ تَنْجُونَ بِذَلِكَ مِنْ عِقَاب اللَّه فِي الْآخِرَة عَلَى ذَنْبكُمْ , وَتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الثَّوَاب مِنْهُ .

وَقَوْله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أَيْ بِمَا فَعَلْتُمْ مِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ مَنْ قَتَلَ بَعْضكُمْ بَعْضًا . وَهَذَا مِنْ الْمَحْذُوف الَّذِي اُسْتُغْنِيَ بِالظَّاهِرِ مِنْهُ عَنْ الْمَتْرُوك , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ , فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ , ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ عِنْد بَارِئِكُمْ , فَتُبْتُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ . فَتَرَك ذِكْر قَوْله " فَتُبْتُمْ " إذْ كَانَ فِي قَوْله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } دَلَالَة بَيِّنَة عَلَى اقْتِضَاء الْكَلَام فَتُبْتُمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } رَجَعَ لَكُمْ وَبِكُمْ إلَى مَا أَحْبَبْتُمْ مِنْ الْعَفْو عَنْ ذُنُوبكُمْ , وَعَظِيم مَا رَكَبْتُمْ , وَالصَّفْح عَنْ جُرْمكُمْ .


{ إنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } يَعْنِي الرَّاجِع لِمَنْ أَنَابَ إلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إلَى مَا يُحِبّ مِنْ الْعَفْو عَنْهُ . وَيَعْنِي بِالرَّحِيمِ : الْعَائِد إلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ الْمُنْجِيَة مِنْ عُقُوبَته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أسباب الإرهاب والعنف والتطرف

    أسباب الإرهاب والعنف والتطرف: إن مما ابتليت به الأمة الإسلامية ولشد ما ابتليت به اليوم! قضية العنف والغلو والتطرف التي عصفت زوابعها بأذهان البسطاء من الأمة وجهالها، وافتتن بها أهل الأهواء الذين زاغت قلوبهم عن اتباع الحق فكانت النتيجة الحتمية أن وقع الاختلاف بين أهل الأهواء وافترقوا إلى فرق متنازعة متناحرة همها الأوحد إرغام خصومها على اعتناق آرائها بأي وسيلة كانت، فراح بعضهم يصدر أحكامًا ويفعل إجراما يفجِّرون ويكفِّرون ويعيثون في الأرض فسادا ويظهر فيهم العنف والتطرف إفراطا وتفريطا، ولعمر الله: إنها فتنة عمياء تستوجب التأمل وتستدعي التفكير في الكشف عن جذورها في حياة المسلمين المعاصرين، وهذا يعد من أهم عوامل التخلص من الخلل الذي أثقل كاهل الأمة وأضعف قوتها وفرق كلمتها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116858

    التحميل:

  • حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين

    حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين : قال العلامة الكبير ابن باز - رحمه الله - في تقريظه لهذه الرسالة « .. فهذه الرسالة مهمة في حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد أهل الإسلام، جمعها العلامة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - جزاه الله خيرا وزاده علما وتوفيقا - ردا على ما نشرته بعض الجرائد المصرية في جواز إحداث الكنائس في البلاد الإسلامية. وقد قرأت هذه الرسالة من أولها إلى آخرها فألفيتها رسالة قيمة، قد ذكر فيها مؤلفها ما ورد في بناء الكنائس والبيع وسائر المعابد الكفرية من الأحاديث النبوية والآثار وكلام أهل العلم في المذاهب الأربعة، وقد أجاد وأفاد وختمها برسالتين جليلتين عظيمتي الفائدة للإمام العلامة أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. ولا ريب أن موضوع الرسالة مهم جداً ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه اختلاط الكفار بالمسلمين ونشاط النصارى في بناء الكنائس في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما بعض دول الجزيرة العربية. وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية كنجد والحجاز وبلدان الخليج واليمن أشد إثما وأعظم جرما؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، ونهى أن يجتمع فيها دينان، وتبعه أصحابه في ذلك. ولما استخلف عمر - رضي الله عنه - أجلى اليهود من خيبر عملا بهذه السنة؛ ولأن الجزيرة العربية هي مهد الإسلام ومنطلق الدعاة إليه ومحل قبلة المسلمين فلا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله سبحانه كما لا يجوز أن يقر فيها من يعبد غيره. ولما حصل من التساهل في هذا الأمر العظيم رأيت أن نشر هذه الرسالة مفيد جدا إن شاء الله، بل من أهم المهمات ولهذا أمرت بطبعها ونشرها وتوزيعها على حساب رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نصحا للأمة وبراءة للذمة ومساهمة في إنكار هذا المنكر العظيم والدعوة إلى إنكاره والتحذير منه، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يطهر بلاد المسلمين عموما والجزيرة العربية خصوصا من جميع المعابد الشركية، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين إلى إزالتها والقضاء عليها طاعة لله سبحانه وامتثالا لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام وسيرا على منهج سلف الأمة وتحقيقا لما دعا إليه علماء الإسلام من إزالة الكنائس والمعابد الشركية المحدثة في بلاد المسلمين، إنه جواد كريم ».

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107604

    التحميل:

  • مفهوم الحكمة في الدعوة

    مفهوم الحكمة في الدعوة: فهذه كلمات في الحكمة والدعوة دعا إليها - في تقديري - ما يلحظ في الساحة من نشاط يقوم به رجال أفاضل يدعون إلى الله، ويلاقون في دعوتهم ما يلاقيه من يقوم بمهمتهم في الماضي والحاضر وفي كل حين، فهي سنة الله في الحاضرين والغابرين. والدعوة إلى الله هي طريق المرسلين. وقد لاقى أنبياء الله في ذلك ما لاقوا من العنت والصدود والإباء والاستكبار من لدن فئات كثيرة، وطبقات كبيرة من الملأ الذين استكبروا. وفي هذه الكلمات سوف ينحصر الكلام على الحكمة بيانا لمعناها وإيضاحا لمدلولاتها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144922

    التحميل:

  • تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الـمبطلين

    تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الـمبطلين : تحتوي هذه الرسالة على عدة مسائل منها: - منهج المبطلين في إثارة الأباطيل عن القرآن. - الجمع الكتابي للقرآن الكريم. - هل القرآن الكريم من إنشاء محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ - المصادر المزعومة للقرآن الكريم. - هل تغير النص القرآني في عصر الصحابة الكرام؟ - الأباطيل المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. - الأباطيل المتعلقة بما في القرآن عن أنبياء الله تعالى. - الأباطيل المتعلقة بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم -. - القرآن والمسيحية. - الأخطاء المزعومة في القرآن الكريم. - الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن الكريم. - التناقضات المزعومة في القرآن الكريم. - المرأة في القرآن.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228829

    التحميل:

  • نهاية العالم

    نهاية العالم: في هذا الرابط نسخة pdf من كتاب نهاية العالم للشيخ العريفي، وهو كتاب يتناول أشراط الساعة الصغرى والكبرى متضمناً صور وخرائط وتوضيحات.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/275250

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة