Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره عَنْ مَلَائِكَته بِالْأَوْبَةِ إلَيْهِ , وَتَسْلِيم عِلْم مَا لَمْ يُعَلِّمُوهُ لَهُ , وَتَبَرِّيهِمْ مِنْ أَنْ يَعْلَمُوا أَوْ يَعْلَم أَحَد شَيْئًا إلا ما عَلِمَهُ تَعَالَى ذِكْره . وَفِي هَذِهِ الْآيَات الثَّلَاث الْعِبْرَة لِمَنْ اُعْتُبِرَ , وَالذِّكْرَى لِمَنْ ادَّكَرَ , وَالْبَيَان لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب أَوْ أَلْقَى السَّمْع وَهُوَ شَهِيد , عَمَّا أَوْدَعَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ آيَ هَذَا الْقُرْآن مِنْ لَطَائِف الْحِكَم الَّتِي تَعْجِز عَنْ أَوْصَافهَا الْأَلْسُن . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ احْتَجَّ فِيهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى مَنْ كَانَ بَيْن ظَهْرَانَيْهِ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل بِاطِّلَاعِهِ إيَّاهُ مِنْ عُلُوم الْغَيْب الَّتِي لَمْ يَكُنْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَطْلَعَ عَلَيْهَا مِنْ خَلْقه إلَّا خَاصًّا , وَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا عِلْمه إلَّا بِالْإِنْبَاءِ وَالْإِخْبَار , لِتَتَقَرَّر عِنْدهمْ صِحَّة نُبُوَّته , وَيَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَتَاهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْده , وَدَلَّ فِيهَا عَلَى أَنَّ كُلّ مُخْبِر خَبَرًا عَمَّا قَدْ كَانَ أَوْ عَمَّا هُوَ كَائِن مِمَّا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَأْتِهِ بِهِ خَبَر وَلَمْ يُوضَع لَهُ عَلَى صِحَّته بُرْهَان فَمُتَقَوَّل مَا يَسْتَوْجِب بِهِ مِنْ رَبّه الْعُقُوبَة . أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ذِكْره رَدَّ عَلَى مَلَائِكَته قِيلهمْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك قَالَ إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَعَرَّفَهُمْ أَنَّ قِيل ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُمْ بِمَا عَرَّفَهُمْ مِنْ قُصُور عِلْمهمْ عِنْد عَرْضه مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْل الْأَسْمَاء , فَقَالَ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَفْزَع إلَّا الْإِقْرَار بِالْعَجْزِ وَالتَّبَرِّي إلَيْهِ أَنْ يَعْلَمُوا إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ بِقَوْلِهِمْ : { سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا } فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَوْضَح الدَّلَالَة وَأَبْيَن الْحُجَّة عَلَى كَذِب مَقَالَة كُلّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عُلُوم الْغَيْب مِنْ الحزاه وَالْكَهَنَة والعافة وَالْمُنَجِّمَة . وَذَكَرَ بها الَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب سَوَالِف نِعَمه عَلَى آبَائِهِمْ , وَأَيَادِيه عِنْد أَسْلَافهمْ , عِنْد إنَابَتهمْ إلَيْهِ , وَإِقْبَالهمْ إلَى طَاعَته ; مُسْتَعْطِفهمْ بِذَلِكَ إلَى الرَّشَاد , وَمُسْتَعْتِبهمْ بِهِ إلَى النَّجَاة , وَحَذَّرَهُمْ بِالْإِصْرَارِ وَالتَّمَادِي فِي الْبَغْي وَالضَّلَال , حُلُول الْعِقَاب بِهِمْ نَظِير مَا أَحَلَّ بَعْدُوهُ إبْلِيس , إذْ تَمَادَى فِي الْغَيّ وَالْخَسَار . قَالَ : وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا } فَهُوَ كَمَا : 562 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : قَالُوا : { سُبْحَانك } تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكُون أَحَد يَعْلَم الْغَيْب غَيْره , تُبْنَا إلَيْك , لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا : تَبَرَّءُوا مِنْهُمْ مِنْ عِلْم الْغَيْب , إلَّا مَا عَلَّمْتنَا كَمَا عَلَّمْت آدَم . وَسُبْحَان مَصْدَر لَا تَصَرُّف لَهُ , وَمَعْنَاهُ : نُسَبِّحك كَأَنَّهُمْ قَالُوا : نُسَبِّحك تَسْبِيحًا , وَنُنَزِّهك تَنْزِيهًا , وَنُبَرِّئك مِنْ أَنْ نَعْلَم شَيْئًا غَيْر مَا عَلَّمْتنَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ : أَنَّك أَنْتَ يَا رَبّنَا الْعَلِيم مِنْ غَيْر تَعْلِيم بِجَمِيعِ مَا قَدْ كَانَ وَمَا وَهُوَ كَائِن , وَالْعَالِم لِلْغُيُوبِ دُون جَمِيع خَلْقك . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَفَوْا عَنْ أَنْفُسهمْ بِقَوْلِهِمْ : { لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا } أَنْ يَكُون لَهُمْ عِلْم إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ رَبّهمْ , وَأَثْبَتُوا مَا نَفَوْا عَنْ أَنْفُسهمْ مِنْ ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ بِقَوْلِهِمْ : { إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم } يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْعَالِم مِنْ غَيْر تَعْلِيم , إذْ كَانَ مِنْ سِوَاك لَا يَعْلَم شَيْئًا إلَّا بِتَعْلِيمِ غَيْره إيَّاهُ . وَالْحَكِيم : هُوَ ذُو الْحِكْمَة . كَمَا 563 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , الْعَلِيم : الَّذِي قَدْ كَمَلَ فِي عِلْمه ; وَالْحَكِيم : الَّذِي قَدْ كَمَلَ فِي حُكْمه وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى الْحَكِيم : الْحَاكِم , كَمَا أَنَّ الْعَلِيم بِمَعْنَى الْعَالِم , وَالْخَبِير بِمَعْنَى الْخَابِر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • سؤالات ابن وهف لشيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن باز

    سؤالات ابن وهف لشيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن باز: قال المؤلف: فهذه أسئلة سألتها شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، فأجاب عليها باختصار ابتداءً من عام 1400هـ إلى يوم 23/11/1419هـ.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385671

    التحميل:

  • اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر

    اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: دراسة وافية للمناهج في هذا القرن يُبيِّن فيها الأصيل والدخيل والصحيح والسقيم والمقبول والمردود علَّنا نتدارك في رقننا الجديد مساوئ سابقة ونأخذ منها محاسنه فنكون بذلك قد خطَونا خطوات جادّة، ونكون بذلك قد استفدنا ممن قبلنا، ونُفيد من بعدنا في تنقية التفسير ومناهجه مما أصابَه من الشوائب عبر القرون الماضية منذ أن كان صافيًا نقيًّا إلى يومنا هذا فنعود به كما كان، ويصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها.

    الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت http://www.resalah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364170

    التحميل:

  • المجروحين

    المجروحين: أحد كتب الجرح صنفها الحافظ ابن حبان - رحمه الله -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141418

    التحميل:

  • في بيتنا خادمة

    في بيتنا خادمة: تحتوي هذه الرسالة على العناصر التالية: هل نحن بحاجة إلى خادمة؟ اختيار الخادمة، ما هو المطلوب من الخادمة؟ إيجابيات الخادمات، معاملة الخدم، معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع خادمه، فتاوى الاختلاط مع الخادمات، فتوى في حكم استقدام الخادمة من الخارج بدون محرم، هل نستطيع أن نتخلص من الخادمة؟ فضل القيام على إعانة الزوجة وخدمة الأهل.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228673

    التحميل:

  • مكانة الدعوة إلى الله وأسس دعوة غير المسلمين

    مكانة الدعوة إلى الله وأسس دعوة غير المسلمين: كتابٌ بيَّن فيه المؤلف - حفظه الله - أهمية الدعوة إلى الله تعالى; ومكانتها; والأسس والضوابط التي ينبغي أن يسير عليها الدعاة في دعوتهم غير المسلمين إلى الإسلام.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316783

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة