Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَّمَ آدَم } قَالَ أَبُو جَعْفَر : 534 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : بَعَثَ رَبّ الْعِزَّة مَلَك الْمَوْت , فَأَخَذَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض مِنْ عَذْبهَا وَمَالِحهَا , فَخَلَقَ مِنْهُ آدَم . وَمِنْ ثُمَّ سُمِّيَ آدَم لِأَنَّهُ خَلَقَ مِنْ أَدِيَم الْأَرْض . 535 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ عَلِيّ قَالَ : إنَّ آدَم خَلَقَ مِنْ أَدِيَم الْأَرْض فِيهِ الطَّيِّب وَالصَّالِح وَالرَّدِيء , فَكُلّ ذَلِكَ أَنْتَ رَاءِ فِي وَلَده الصَّالِح وَالرَّدِيء . 536 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : خُلِقَ آدَم مِنْ أَدِيم الْأَرْض فَسُمِّيَ آدَم وَحَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : إنَّمَا سُمِّيَ آدَم لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض . 537 وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إنَّ مُلْك الْمَوْت لَمَّا بَعَثَ لِيَأْخُذ مِنْ الْأَرْض تُرْبَة آدَم , أَخَذَ مِنْ وَجْه الْأَرْض وَخَلَطَ فَلَمْ يَأْخُذ مِنْ مَكَان وَاحِد , وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَة حَمْرَاء وَبَيْضَاء وَسَوْدَاء ; فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَم مُخْتَلِفِينَ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ آدَم , لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرٌ يُحَقِّق مَا قَالَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْله فِي مَعْنَى آدَم , وَذَلِكَ مَا : 538 - حَدَّثَنِي بِهِ يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّة , عَنْ عَوْف , وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَعُمَر بْن شَبَّة , قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْف , وَحَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي عَدِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر وَعَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالُوا : حَدَّثَنَا عَوْف , وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل بْن أَبَانَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَة , عَنْ عَوْف الْأَعْرَابِيّ , عَنْ قسامة بْن زُهَيْر , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ " إنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم مِنْ قَبْضَة قَبَضَهَا مِنْ جَمِيع الْأَرْض , فَجَاءَ بَنُو آدَم عَلَى قَدْر الْأَرْض جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد وَالْأَبْيَض وَبَيْن ذَلِكَ وَالسَّهْل وَالْحَزَن وَالْخَبِيث وَالطَّيِّب " فَعَلَى التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَ آدَم مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض , يَجِب أَنْ يَكُون أَصْل آدَم فِعْلًا سُمِّيَ بِهِ أَبُو الْبَشَر , كَمَا سُمِّيَ أَحْمَد بِالْفِعْلِ مِنْ الْإِحْمَاد , وَأَسْعَد مِنْ الْإِسْعَاد , فَلِذَلِكَ لَمْ يُجَرّ , وَيَكُون تَأْوِيله حِينَئِذٍ : آدَم الْمَلَك الْأَرْض , يَعْنِي بِهِ بَلَغَ أَدْمَتهَا , وَأَدْمَتهَا وَجْههَا الظَّاهِر لِرَأْيِ الْعَيْن , كَمَا أَنَّ جَلْدَة كُلّ ذِي جَلْدَة لَهُ . أَدَمَة , وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ الْإِدَام إدَامًا , لِأَنَّهُ صَارَ كَالْجِلْدَةِ الْعُلْيَا مِمَّا هِيَ مِنْهُ , ثُمَّ نُقِلَ مِنْ الْفِعْل فَجَعَلَ اسْمًا لِلشَّخْصِ بِعَيْنِهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْأَسْمَاء الَّتِي عَلِمَهَا آدَم ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى الْمَلَائِكَة . فَقَالَ ابْن عَبَّاس مَا : 539 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : عَلَّمَ اللَّه آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا , وَهِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاء الَّتِي يَتَعَارَف بِهَا النَّاس : إنْسَان وَدَابَّة , وَأَرْض , وَسَهْل , وَبَحْر , وَجَبَل , وَحِمَار , وَأَشْبَاه ذَلِكَ مِنْ الْأُمَم وَغَيْرهَا . 540 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء . وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خَصِيف , عَنْ مُجَاهِد : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء . 541 - وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم الْحَرَمِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ قِيس بْن الرَّبِيع , عَنْ خَصِيف , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم الْغُرَاب وَالْحَمَامَة , وَاسْم كُلّ شَيْء . 542 - وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء , حَتَّى الْبَعِير وَالْبَقَرَة وَالشَّاة . 543 - وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ شَرِيك , عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب , عَنْ سَعِيد بْن مَعْبَد عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم الْقَصْعَة وَالْفَسْوَة وَالْفَسْيَة . وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيك , عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب , عَنْ الْحَسَن بْن سَعْد , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ : حَتَّى الفسوة والفسية . حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ قِيس عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب , عَنْ سَعِيد بْن مَعْبَد , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء حَتَّى الْهَنَة وَالْهُنَيَّة وَالْفَسْوَة وَالضَّرْطَة . وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُسْهِر , عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : عَلَّمَهُ الْقَصْعَة مِنْ الْقَصِيعَة , وَالْفَسْوَة مِنْ الْفَسْيَة . 544 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } حَتَّى بَلَغَ : { إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم } قَالَ : يَا آدَم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ! فَأَنْبَأَ كُلّ صِنْف مِنْ الْخَلْق بِاسْمِهِ وَأَلْجَأَهُ إلَى جِنْسه . 545 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء : هَذَا جَبَل , وَهَذَا بَحْر , وَهَذَا كَذَا وَهَذَا كَذَا , لِكُلِّ شَيْء , ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَشْيَاء عَلَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } 546 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ جَرِير بْن حَازِم وَمُبَارَك , عَنْ الْحَسَن , وَأَبِي بَكْر عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَةُ قَالَا : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء : هَذِهِ الْخَيْل , وَهَذِهِ الْبِغَال , وَالْإِبِل , وَالْجِنّ , وَالْوَحْش , وَجَعَلَ يُسَمِّي كُلّ شَيْء بِاسْمِهِ . 547 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : اسْم كُلّ شَيْء . وَقَالَ آخَرُونَ : عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا أَسَمَاء الْمَلَائِكَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 548 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ : أَسَمَاء الْمَلَائِكَة . وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّمَا عَلَّمَهُ أَسَمَاء ذُرِّيَّته كُلّهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 549 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } قَالَ : أَسَمَاء ذُرِّيَّته أَجْمَعِينَ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهَا بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّته ظَاهِر التِّلَاوَة قَوْل مَنْ قَالَ فِي قَوْله : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } إنَّهَا أَسَمَاء ذُرِّيَّته وَأَسْمَاء الْمَلَائِكَة , دُون أَسَمَاء سَائِر أَجْنَاس الْخَلْق . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة } يَعْنِي بِذَلِكَ أَعْيَان الْمُسَمِّينَ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَهَا آدَم , وَلَا تَكَاد الْعَرَب تُكَنِّي بِالْهَاءِ وَالْمِيم إلَّا عَنْ أَسَمَاء بَنِي آدَم وَالْمَلَائِكَة ; وَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَنْ أَسَمَاء الْبَهَائِم وَسَائِر الْخَلْق , سِوَى مَنْ وَصَفْنَا , فَإِنَّهَا تَكُنِّي عَنْهَا بِالْهَاءِ وَالْأَلِف , أَوْ بِالْهَاءِ وَالنُّون , فَقَالَتْ : عَرَضَهُنَّ , أَوْ عَرْضهَا . وَكَذَلِكَ تَفْعَل إذَا كُنْت عَنْ أَصْنَاف مِنْ الْخَلْق , كَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْر وَسَائِر أَصْنَاف الْأُمَم , وَفِيهَا أَسَمَاء بَنِي آدَم وَالْمَلَائِكَة , فَإِنَّهَا تَكُنِّي عَنْهَا بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْهَاء وَالنُّون , أَوْ الْهَاء وَالْأَلِف . وَرُبَّمَا كَنَّتْ عَنْهَا إذْ كَانَ كَذَلِكَ بِالْهَاءِ وَالْمِيم , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه خَلَقَ كُلّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنه وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع } 24 45 فَكَنَّى عَنْهَا بِالْهَاءِ وَالْمِيم , وَهِيَ أَصْنَاف مُخْتَلِفَة فِيهَا الْآدَمِيّ وَغَيْره . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَإِنَّ الْغَالِب الْمُسْتَفِيض فِي كَلَام الْعَرَب مَا وَصَفْنَا مِنْ إخْرَاجهمْ كِنَايَة أَسَمَاء أَجْنَاس الْأُمَم إذَا اخْتَلَطَتْ بِالْهَاءِ وَالْأَلِف , أَوْ الْهَاء وَالنُّون . فَلِذَلِكَ قُلْت : أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة أَنْ تَكُون الْأَسْمَاء الَّتِي عَلَّمَهَا آدَم أَسَمَاء أَعْيَان بَنِي آدَم وَأَسْمَاء الْمَلَائِكَة . وَإِنْ كَانَ مَا قَالَ ابْن عَبَّاس جَائِزًا عَلَى مِثَال مَا جَاءَ فِي كِتَاب اللَّه مِنْ قَوْله : { وَاَللَّه خَلَقَ كُلّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنه } 24 45 الْآيَة . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي حَرْف ابْن مَسْعُود : " ثُمَّ عَرَضَهُنَّ " , وَأَنَّهَا فِي حَرْف أُبَيّ : " ثُمَّ عَرَضَهَا " . وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس تَأَوَّلَ مَا تَأَوَّلَ مِنْ قَوْله : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء حَتَّى الْفَسْوَة وَالْفَسْيَة عَلَى قِرَاءَة أُبَيّ , فَإِنَّهُ فِيمَا بَلَغَنَا كَانَ يَقْرَأ قِرَاءَة أُبَيّ . وَتَأْوِيل ابْن عَبَّاس عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي مِنْ قِرَاءَته غَيْر مُسْتَنْكَر , بَلْ هُوَ صَحِيح مُسْتَفِيض فِي كَلَام الْعَرَب عَلَى نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَصْفِي ذَلِكَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة } قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرنَا التَّأْوِيل الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ عَلَى قِرَاءَتنَا وَرَسْم مُصْحَفنَا , وَأَنَّ قَوْله : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } بِالدَّلَالَةِ عَلَى بَنِي آدَم وَالْمَلَائِكَة أَوْلَى مِنْهُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَجْنَاس الْخَلْق كُلّهَا , وَإِنْ كَانَ غَيْر فَاسِد أَنْ يَكُون دَالًا عَلَى جَمِيع أَصْنَاف الْأُمَم لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا . وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } ثُمَّ عَرَضَ أَهْل الْأَسْمَاء عَلَى الْمَلَائِكَة . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة } نَحْو اخْتِلَافهمْ فِي قَوْله : { وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا } وَسَأَذْكُرُ قَوْل مَنْ انْتَهَى إلَيْنَا عَنْهُ فِيهِ قَوْل . 550 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة } ثُمَّ عَرَضَ هَذِهِ الْأَسْمَاء ; يَعْنِي أَسَمَاء جَمِيع الْأَشْيَاء الَّتِي عَلَّمَهَا آدَم مِنْ أَصْنَاف جَمِيع الْخَلْق . 551 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبَى صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } ثُمَّ عَرَضَ الْخَلْق عَلَى الْمَلَائِكَة . 552 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : أَسَمَاء ذُرِّيَّته كُلّهَا أَخَذَهُمْ مِنْ ظَهْره . قَالَ , ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة . 553 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَسْمَاء عَلَى الْمَلَائِكَة . 554 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } عَرَضَ أَصْحَاب الْأَسْمَاء عَلَى الْمَلَائِكَة 555 - وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ قِيس , عَنْ خَصِيف عَنْ مُجَاهِد : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة } يَعْنِي عَرَضَ الْأَسْمَاء الْحَمَامَة وَالْغُرَاب 556 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ جَرِير بْن حَازِم , وَمُبَارَك عَنْ الْحَسَن , وَأَبِي بَكْر عَنْ الْحَسَن , وَقَتَادَةُ قَالَا : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء هَذِهِ الْخَيْل وَهَذِهِ الْبِغَال وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ , وَجَعَلَ يُسَمِّي كُلّ شَيْء بِاسْمِهِ , وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ أُمَّة .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل قَوْله : { أَنْبِئُونِي } أَخْبِرُونِي , كَمَا : 557 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَنْبِئُونِي } يَقُول : أَخْبِرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ . وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئ أن حَيًّا حُلُول من حَرَام أو جُذَام يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَنْبَأَهُ : أَخْبَرَهُ وَأَعْلَمَهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : 558 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ } قَالَ : بِأَسْمَاءِ هَذِهِ الَّتِي حَدَّثْت بِهَا آدَم . حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِد : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول : بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ الَّتِي حَدَّثْت بِهَا آدَم .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ . 559 - فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَمْ أَجْعَل فِي الْأَرْض خَلِيفَة . 560 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ : { إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أَنَّ بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء . 561 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ جَرِير بْن حَازِم وَمُبَارَك عَنْ الْحَسَن وَأَبِي بَكْر عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَةُ قَالَا : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أَنِّي لَمْ أَخْلُق خَلْقًا إلَّا كُنْتُمْ أَعْلَم مِنْهُ , فَأَخْبِرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة تَأْوِيل ابْن عَبَّاس وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ مِنْ عَرَضْته عَلَيْكُمْ أَيَّتهَا الْمَلَائِكَة الْقَائِلُونَ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } مِنْ غَيْرنَا , أَمْ مِنَّا ؟ فَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك ; إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قِيلكُمْ أَنِّي إنْ جَعَلَتْ خَلِيفَتِي فِي الْأَرْض مِنْ غَيْركُمْ عَصَانِي ذُرِّيَّته , وَأَفْسَدُوا فِيهَا , وَسَفَكُوا الدِّمَاء , وَإِنْ جَعَلْتُكُمْ فِيهَا أَطَلَعْتُمُونِي , وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي بِالتَّعْظِيمِ لِي وَالتَّقْدِيس . فَإِنَّكُمْ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَسَمَاء هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَرَضْتهمْ عَلَيْكُمْ مِنْ خَلْقِي وَهُمْ مَخْلُوقُونَ مَوْجُودُونَ تَرَوْنَهُمْ وَتُعَايِنُونَهُمْ , وَعَلَّمَهُ غَيْركُمْ بِتَعْلِيمِي إيَّاهُ , فَأَنْتُمْ بِمَا هُوَ غَيْر مَوْجُود مِنْ الْأُمُور الْكَائِنَة الَّتِي لَمْ تُوجَد بَعْد , وَبِمَا هُوَ مُسْتَتِر مِنْ الْأُمُور الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة عَنْ أَعْيُنكُمْ أَحْرَى أَنْ تَكُونُوا غَيْر عَالَمِينَ , فَلَا تَسْأَلُونِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم , فَإِنِّي أَعْلَم بِمَا يُصْلِحكُمْ وَيُصْلِح خَلْقِي . وَهَذَا الْفِعْل مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } مِنْ جِهَة عِتَابه جَلَّ ذِكْره إيَّاهُمْ , نَظِير قَوْله جَلَّ جَلَاله لِنَبِيِّهِ نُوحَ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , إذْ قَالَ : { رَبّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَك الْحَقّ وَأَنْت أَحْكَم الْحَاكِمِينَ } 11 45 لَا تَسْأَلَنَّ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم إنِّي أَعِظك أَنَّ تَكُون مِنْ الْجَاهِلِينَ . فَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة سَأَلَتْ رَبّهَا أَنْ تَكُون خُلَفَاءَهُ فِي الْأَرْض يُسَبِّحُوهُ وَيُقَدِّسُوهُ فِيهَا , إذْ كَانَ ذُرِّيَّة مَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جَاعِله فِي الْأَرْض خَلِيفَة , يُفْسِدُونَ فِيهَا , وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْره : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ أَنِّي أَعْلَم أَنَّ بَعْضكُمْ فَاتِح الْمَعَاصِي وَخَاتِمهَا - وَهُوَ إبْلِيس - مُنْكَرًا بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره قَوْلهمْ . ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مَوْضِع هَفْوَتهمْ فِي قِيلهمْ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ , بِتَعْرِيفِهِمْ قُصُور عِلْمهمْ عَمَّا هُمْ لَهُ شَاهِدُونَ عِيَانًا , فَكَيْف بِمَا لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يُخْبِرُوا عَنْهُ بِعَرْضِهِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْقه الْمَوْجُودِينَ يَوْمئِذٍ , وَقِيله لَهُمْ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أَنَّكُمْ إنْ اسْتَخْلَفْتُكُمْ فِي أَرْضِي سَبَّحْتُمُونِي وَقَدَّسْتُمُونِي , وَإِنْ اسْتَخْلَفْت فِيهَا غَيْركُمْ عَصَانِي ذُرِّيَّته , وَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاء . فَلَمَّا اتَّضَحَ لَهُمْ مَوْضِع خَطَأ قِيلهمْ , وَبَدَتْ لَهُمْ هَفْوَة زَلَّتهمْ أَنَابُوا إلَى اللَّه بِالتَّوْبَةِ فَقَالُوا : { سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا } فَسَارِعُوا الرَّجْعَة مِنْ الْهَفْوَة , وَبَادِرُوا الْإِنَابَة مِنْ الزَّلَّة , كَمَا قَالَ نُوح حِين عُوتِبَ فِي مَسْأَلَته , فَقِيلَ لَهُ : لَا تَسْأَلَنَّ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم : { رَبّ إنِّي أَعُوذ بِك أَنْ أَسَأَلَك مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْم وَإِلَّا تَغْفِر لِي وَتَرْحَمنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ } 11 47 وَكَذَلِكَ فَعَلَ كُلّ مُسَدِّد لِلْحَقِّ مُوَفَّق لَهُ , سَرِيعَة إلَى الْحَقّ إنَابَته , قَرِيبَة إلَيْهِ أَوْبَته . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ قَوْله : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَة ادَّعَوْا شَيْئًا , إنَّمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْ جَهْلهمْ بِعِلْمِ الْغَيْب وَعِلْمه بِذَلِكَ وَفَضْله , فَقَالَ : أَنْبِئُونِي إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ; كَمَا يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ : أَنْبِئْنِي بِهَذَا إنْ كُنْت تَعْلَم , وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يَعْلَم ; يُرِيد أَنَّهُ جَاهِل . وَهَذَا قَوْل إذَا تَدَبَّرَهُ مُتَدَبِّر عَلِمَ أَنَّ بَعْضه مُفْسِد بَعْضًا , وَذَلِكَ أَنَّ قَائِله زَعَمَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إذْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَهْل الْأَسْمَاء : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ } وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ , وَلَا هُمْ ادَّعَوْا عِلْم شَيْء يُوجِب أَنْ يُوَبِّخُوا بِهَذَا الْقَوْل . وَزَعَمَ أَنَّ قَوْله : { إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } نَظِير قَوْل الرَّجُل لِلرَّجُلِ : أَنْبِئْنِي بِهَذَا إنْ كُنْت تَعْلَم , وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يَعْلَم ; يُرِيد أَنَّهُ جَاهِل . وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { إذْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إنَّمَا هُوَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , إمَّا فِي قَوْلكُمْ , وَإِمَّا فِي فِعْلكُمْ ; لِأَنَّ الصِّدْق فِي كَلَام الْعَرَب إنَّمَا هُوَ صِدْق فِي الْخَبَر لَا فِي الْعِلْم ; وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر مَعْقُول فِي لُغَة مِنْ اللُّغَات أَنْ يُقَال صَدَقَ الرَّجُل بِمَعْنَى عَلِمَ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُون اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى تَأْوِيل قَوْل هَذَا الَّذِي حَكَيْنَا قَوْله فِي هَذِهِ الْآيَة : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُمْ غَيْر صَادِقِينَ يُرِيد بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ . وَذَلِكَ هُوَ عَيْن مَا أَنَكْرَهُ , لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة لَمْ تَدَع شَيْئًا فَكَيْف جَازَ أَنْ يُقَال لَهُمْ : إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ ؟ هَذَا مَعَ خُرُوج هَذَا الْقَوْل الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ صَاحِبه مِنْ أَقْوَال جَمِيع الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين مِنْ أَهْل التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض أَهْل التَّفْسِير أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل قَوْله : { إذْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } بِمَعْنَى : إذْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . وَلَوْ كَانَتْ " إنْ " بِمَعْنَى " إذْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع لَوَجَبَ أَنْ تَكُون قِرَاءَتهَا بِفَتْحِ أَلِفهَا , لِأَنَّ " إذْ " إذَا تَقَدَّمَهَا فِعْل مُسْتَقْبِل صَارَتْ عِلَّة لِلْفِعْلِ وَسَبَبًا لَهُ , وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل : أَقَوْم إذْ قُمْت , فَمَعْنَاهُ : أَقَوْم مِنْ أَجْل أَنَّك قُمْت , وَالْأَمْر بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال . فَمَعْنَى الْكَلَام لَوْ كَانَتْ إنَّ بِمَعْنَى إذْ : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْل أَنَّكُمْ صَادِقُونَ . فَإِذَا وُضِعَتْ " إنْ " مَكَان ذَلِكَ , قِيلَ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ أَنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " مَفْتُوحَة الْأَلِف , وَفِي إجْمَاع جَمِيع قُرَّاء أَهْل الْإِسْلَام عَلَى كَسْر الْأَلِف مِنْ " إنَّ " دَلِيل وَاضِح عَلَى خَطَأ تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ " إنَّ " بِمَعْنَى " إذْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإمام ابن باز دروس ومواقف وعبر

    الإمام ابن باز دروس ومواقف وعبر : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب الإمام ابن باز دروس ومواقف وعبر، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307930

    التحميل:

  • ثاني اثنين [ تأملات في دلالة آية الغار على فضل أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ]

    ثاني اثنين [ تأملات في دلالة آية الغار على فضل أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ]: هذه الرسالة تحتوي على ومضَاتٍ ولمَحاتٍ مُشرقة، مُستنبطة من آيةٍ واحدة، وهو آية الغار في سورة التوبة؛ والتي قصدَ منها المؤلِّف فضلَ الصدِّيق والتذكير بصنائعه حتى لا تهون مكانته، ولا تنحسِر منزلتُه - رضي الله عنه -.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380433

    التحميل:

  • صحيح القصص النبوي [ 1 - 50 ]

    صحيح القصص النبوي : فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها؛ لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص. وكان من حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح والبيـان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي؛ وفي هذه الرسالة قام المؤلف - أثابه الله - بجمع خمسين قصة صحيحة من القصص النبوي مع تخريجها تخريجاً مختصراً.

    الناشر: موقع الشيخ الحويني www.alheweny.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330610

    التحميل:

  • صعقة الزلزال لنسف أباطيل الرفض والاعتزال

    صعقة الزلزال لنسف أباطيل الرفض والاعتزال: هذا الكتاب فيه ردودٌ قوية علمية مُؤصَّلة على المُعتزلة والروافض؛ من خلال آيات القرآن وتفسيرها التفسير الصحيح المُعتبَر عند أهل السنة والجماعة، ومن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة. في الجزء الأول من الكتاب: ذكر الشيخ - رحمه الله - فضائل أهل اليمن وذكر تراجم اليمنيين على مذهب أهل السنة والجماعة، وبيَّن الفروق الجوهرية بين أهل السنة والمعتزلة. وفي الجزء الثاني: ذكر فضائل الصحابة الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - على الترتيب المعروف عند أهل السنة، والفروق الجوهرية بين أهل السنة وبينهم، وبيَّن بعضَ أبرز المُعتقَدات عندهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380506

    التحميل:

  • القواعد الحسنى في تأويل الرؤى

    القواعد الحسنى في تأويل الرؤى: كتاب يتحدث عن القواعد الأساسية التي يحتاجها معبر الرؤى، حيث يحتوي على أربعين قاعدة مع أمثلة واقعية من الماضي والحاضر وطريقة تعبيرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233610

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة