Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 29

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) (البقرة) mp3
فَبَدَأَ بَعْد تَعْدِيده عَلَيْهِمْ مَا عَدَّدَ مِنْ نِعَمه الَّتِي هُمْ فِيهَا مُقِيمُونَ بِذِكْرِ أَبِينَا وَأَبِيهِمْ آدَم أَبِي الْبَشَر , صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , وَمَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ كَرَامَته إلَيْهِ وَآلَائِهِ لَدَيْهِ , وَمَا أَحَلَّ بِهِ وَبِعَدُوِّهِ إبْلِيس مِنْ عَاجِل عُقُوبَته بِمَعْصِيَتِهِمَا الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمَا , وَمُخَالِفَتهمَا أَمْره الَّذِي أَمَرَهُمَا بِهِ , وَمَا كَانَ مِنْ تَغَمُّده آدَم بِرَحْمَتِهِ إذْ تَابَ وَأَنَابَ إلَيْهِ , وَمَا كَانَ مِنْ إحْلَاله بِإِبْلِيسَ مِنْ لَعْنَته في الْعَاجِل , وَإِعْدَاده لَهُ مَا أَعَدَّ لَهُ مِنْ الْعَذَاب الْمُقِيم فِي الْآجِل إذْ اسْتَكْبَرَ وَأَبَى التَّوْبَة إلَيْهِ وَالْإِنَابَة , مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى حُكْمه فِي الْمُنِيبِينَ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ , وَقَضَائِهِ فِي الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ الْإِنَابَة , إعْذَارًا مِنْ اللَّه بِذَلِكَ إلَيْهِمْ وَإِنْذَارًا لَهُمْ , لِيَتَدَبَّرُوا آيَاته وَلِيَتَذَكَّر مِنْهُمْ أُولُو الْأَلْبَاب . وَخَاصًّا أَهْل الْكِتَاب بِمَا ذُكِرَ مِنْ قَصَص آدَم وَسَائِر الْقَصَص الَّتِي ذَكَرَهَا مَعَهَا وَبَعْدهَا مِمَّا عَلِمَهُ أَهْل الْكِتَاب وَجَهِلَتْهُ الْأُمَّة الْأُمِّيَّة مِنْ مُشْرِكِي عَبَدَة الْأَوْثَان , بِالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ دُون غَيْرهمْ مِنْ سَائِر أَصْنَاف الْأُمَم الَّذِينَ لَا عِلْم عِنْدهمْ بِذَلِكَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِيَعْلَمُوا بِإِخْبَارِهِ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ , أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُول مَبْعُوث , وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْده , إذْ كَانَ مَا اقْتَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْقَصَص مِنْ مَكْنُون عُلُومهمْ , وَمَصُون مَا فِي كُتُبهمْ , وَخَفِيَ أُمُورهمْ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي مَعْرِفَة عِلْمهَا غَيْرهمْ وَغَيْر مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَقَرَأَ كُتُبهمْ . وَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطّ كَاتِبًا وَلَا لِأَسْفَارِهِمْ تَالِيًا , وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مُصَاحِبًا وَلَا مُجَالِسًا , فَيُمْكِنهُمْ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبهمْ أَوْ عَنْ بَعْضهمْ , فَقَالَ جَلَّ ذِكْره فِي تَعْدِيده عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ مِنْ نِعَمه مَعَ كُفْرهمْ بِهِ , وَتَرَكَهُمْ شُكْره عَلَيْهَا مِمَّا يَجِب لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَته : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } . فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْره أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , لِأَنَّ الْأَرْض وَجَمِيع مَا فِيهَا لِبَنِي آدَم مَنَافِع . أَمَّا فِي الدِّين فَدَلِيل عَلَى وَحْدَانِيَّة رَبّهمْ , وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَعَاش وَبَلَاغ لَهُمْ إلَى طَاعَته وَأَدَاء فَرَائِضه ; فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْره : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا } وَقَوْله : " هُوَ " مَكْنِي مِنْ اسْم اللَّه جَلَّ ذِكْره , عَائِد عَلَى اسْمه فِي قَوْله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ } . وَمَعْنَى خَلْقه مَا خَلَقَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إنْشَاؤُهُ عَيْنه , وَإِخْرَاجه مِنْ حَال الْعَدَم إلَى الْوُجُود . و " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَقَدْ كُنْتُمْ نُطُفًا فِي أَصْلَاب آبَائِكُمْ , فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاء , ثُمَّ يُمِيتكُمْ , ثُمَّ هُوَ مُحْيِيكُمْ بَعْد ذَلِكَ , وَبَاعِثكُمْ يَوْم الْحَشْر لِلثَّوَابِ وَالْعِقَاب , وَهُوَ الْمُنْعِم عَلَيْكُمْ بِمَا خَلَقَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مِنْ مَعَايِشكُمْ وَأَدِلَّتكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّة رَبّكُمْ . و " كَيْفَ " بِمَعْنَى التَّعَجُّب وَالتَّوْبِيخ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَام , كَأَنَّهُ قَالَ : وَيْحكُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ , كَمَا قَالَ : { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } 81 26 وَحَلَّ قَوْله : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } مَحَلّ الْحَال , وَفِيهِ إضْمَار " قَدْ " , وَلَكِنَّهَا حُذِفَتْ لِمَا فِي الْكَلَام مِنْ الدَّلِيل عَلَيْهَا . وَذَلِكَ أَنَّ " فَعَلَ " إذَا حَلَّتْ مَحَلّ الْحَال كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا مُقْتَضِيَة " قَدْ " , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوْ جَاءُوكُمْ حُصِرَتْ صُدُورهمْ } 4 90 بِمَعْنَى : قَدْ حُصِرَتْ صُدُورهمْ وَكَمَا تَقُول لِلرَّجُلِ : أَصْبَحَتْ كَثُرَتْ مَاشِيَتك , تُرِيد : قَدْ كَثُرَتْ مَاشِيَتك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا } فِي قَوْله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا } كَانَ قَتَادَةَ يَقُول : 490 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا } نَعَمْ وَاَللَّه سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى اسْتَوَى إلَى السَّمَاء , أَقْبَلَ عَلَيْهَا , كَمَا تَقُول : كَانَ فُلَان مُقْبِلًا عَلَى فُلَان ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى يُشَاتِمنِي واستوى إلي يُشَاتِمنِي , بِمَعْنَى : أَقْبَلَ عَلَيَّ وَإِلَيَّ يُشَاتِمنِي . وَاسْتُشْهِدَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِوَاء بِمَعْنَى الْإِقْبَال بِقَوْلِ الشَّاعِر : أَقُول وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَي سَوَامِدَ وَاسْتَوَيْنَ مِنْ الضَّجُوع فَزَعَمَ أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَنَّهُنَّ خَرَجْنَ مِنْ الضَّجُوع , وَكَانَ ذَلِكَ عِنْده بِمَعْنَى أَقْبَلْنَ . وَهَذَا مِنْ التَّأْوِيل فِي هَذَا الْبَيْت خَطَأ , وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله : " وَاسْتَوَيْنَ مِنْ الضَّجُوع " عِنْدِي : اسْتَوَيْنَ عَلَى الطَّرِيق مِنْ الضَّجُوع خَارِجَات , بِمَعْنَى اسْتَقَمْنَ عَلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره بِتَحَوُّلٍ , وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى فِعْله , كَمَا تَقُول : كَانَ الْخَلِيفَة فِي أَهْل الْعِرَاق يُوَالِيهِمْ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الشَّام , إنَّمَا يُرِيد تَحَوُّل فِعْله . وَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْله { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } يَعْنِي بِهِ : اسْتَوَتْ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَقُول لَهُ لَمَا اسْتَوَى فِي تُرَابه عَلَى أَيّ دِين قَتَّلَ النَّاس مُصْعَب وَقَالَ بَعْضهمْ : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } : عَمِدَ إلَيْهَا . وَقَالَ : بَلْ كُلّ تَارِك عَمَلًا كَانَ فِيهِ إلَى آخِره فَهُوَ مُسْتَوٍ لِمَا عَمِدَ وَمُسْتَوٍ إلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : الِاسْتِوَاء : هُوَ الْعُلُوّ , وَالْعُلُوّ : هُوَ الِارْتِفَاع . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الرَّبِيع بْن أَنَس . 491 - حُدِّثْت بِذَلِكَ عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } يَقُول : ارْتَفَعَ إلَى السَّمَاء . ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو الِاسْتِوَاء بِمَعْنَى الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع فِي الَّذِي اسْتَوَى إلَى السَّمَاء , فَقَالَ بَعْضهمْ : الَّذِي اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَعَلَا عَلَيْهَا : هُوَ خَالِقهَا وَمُنْشَئِهَا . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ الْعَالِي إلَيْهَا الدُّخَان الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه لِلْأَرْضِ سَمَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : الِاسْتِوَاء فِي كَلَام الْعَرَب مُنْصَرِف عَلَى وُجُوه : مِنْهَا انْتِهَاء شَبَاب الرَّجُل وَقُوَّته , فَيُقَال إذَا صَارَ كَذَلِكَ : قَدْ اسْتَوَى الرَّجُل , وَمِنْهَا اسْتِقَامَة مَا كَانَ فِيهِ أَوَدٌ مِنْ الْأُمُور وَالْأَسْبَاب , يُقَال مِنْهُ : اسْتَوَى لِفُلَانٍ أَمْره : إذَا اسْتَقَامَ لَهُ بَعْد أَوَدٍ . وَمِنْهُ قَوْل الطِّرِمَّاح بْن حَكِيم : طَالَ عَلَى رَسْم مَهْدَدٍ أَبَدُهْ وَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ يَعْنِي : اسْتَقَامَ بِهِ . وَمِنْهَا الْإِقْبَال عَلَى الشَّيْء بِالْفِعْلِ , كَمَا يُقَال : اسْتَوَى فُلَان عَلَى فُلَان بِمَا يَكْرَههُ وَيَسُوءهُ بَعْد الْإِحْسَان إلَيْهِ . وَمِنْهَا الِاحْتِيَاز وَالِاسْتِيلَاء كَقَوْلِهِمْ : اسْتَوَى فُلَان عَلَى الْمَمْلَكَة , بِمَعْنَى احْتَوَى عَلَيْهَا وَحَازَهَا . وَمِنْهَا الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع , كَقَوْلِ الْقَائِل : اسْتَوَى فُلَان عَلَى سَرِيره , يَعْنِي بِهِ عُلُوّهُ عَلَيْهِ . وَأَوْلَى الْمُعَافِي بِقَوْلِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ } عَلَا عَلَيْهِنَّ وَارْتَفَعَ فَدَبَّرَهُنَّ بِقُدْرَتِهِ وَخَلَقَهُنَّ سَبْع سَمَوَات . وَالْعَجَب مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُوم مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي تَأْوِيل قَوْل اللَّه : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع هَرَبًا عِنْد نَفْسه مِنْ أَنْ يُلْزِمهُ بِزَعْمِهِ إذَا تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَاهُ الْمُفْهِم كَذَلِكَ أَنْ يَكُون إنَّمَا عَلَا وَارْتَفَعَ بَعْد أَنْ كَانَ تَحْتهَا , إلَى أَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَجْهُولِ مِنْ تَأْوِيله الْمُسْتَنْكِر , ثُمَّ لَمْ يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ مِنْهُ . فَيُقَال لَهُ : زَعَمْت أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { اسْتَوَى } أَقْبَلَ , أَفَكَانَ مُدْبِرًا عَنْ السَّمَاء فَأَقْبَلَ إلَيْهَا ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقْبَالِ فِعْل وَلَكِنَّهُ إقْبَال تَدْبِير , قِيلَ لَهُ : فَكَذَلِكَ فَقُلْ : عَلَا عَلَيْهَا عُلُوّ مُلْك وَسُلْطَان لَا عُلُوّ انْتِقَال وَزَوَال . ثُمَّ لَنْ يَقُول فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله , وَلَوْلَا أَنَّا كَرِهْنَا إطَالَة الْكِتَاب بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسه لَأَنْبَأْنَا عَنْ فَسَاد قَوْل كُلّ قَائِل قَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا لِقَوْلِ أَهْل الْحَقّ فِيهِ مُخَالِفًا , وَفِيمَا بَيَّنَّا مِنْهُ مَا يُشْرِف بِذِي الْفَهْم عَلَى مَا فِيهِ لَهُ الْكِفَايَة إنَّهُ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَخْبِرْنَا عَنْ اسْتِوَاء اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إلَى السَّمَاء , كَانَ قَبْل خَلْق السَّمَاء أَمْ بَعْده ؟ قِيلَ : بَعْده , وَقَبْل أَنْ يُسَوِّيهِنَّ سَبْع سَمَوَات , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } 41 11 وَالِاسْتِوَاء كَانَ بَعْد أَنْ خَلَقَهَا دُخَانًا , وَقَبْل أَنْ يُسَوِّيهَا سَبْع سَمَوَات . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّمَا قَالَ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَلَا سَمَاء , كَقَوْلِ الرَّجُل لِآخَر : " اعْمَلْ هَذَا الثَّوْب " وَإِنَّمَا مَعَهُ غَزْل . وَأَمَّا قَوْله { فَسَوَّاهُنَّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي هَيَّأَهُنَّ وَخَلَقَهُنَّ وَدَبَّرَهُنَّ وَقَوَّمَهُنَّ , وَالتَّسْوِيَة فِي كَلَام الْعَرَب : التَّقْوِيم وَالْإِصْلَاح وَالتَّوْطِئَة , كَمَا يُقَال : سَوَّى فُلَان لِفُلَانٍ هَذَا الْأَمْر : إذَا قَوَّمَهُ وَأَصْلَحَهُ وَوَطَّأَهُ لَهُ . فَكَذَلِكَ تَسْوِيَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَمَوَاته : تَقْوِيمه إيَّاهُنَّ عَلَى مُشِيئَته , وَتَدْبِيره لَهُنَّ عَلَى إرَادَته , وَتَفْتِيقهنَّ بَعْد ارْتِتَاقهنَّ كَمَا : 492 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات } يَقُول : سَوَّى خَلَقَهُنَّ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم . وَقَالَ جَلَّ ذِكْره : { فَسَوَّاهُنَّ } فَأَخْرَجَ مكنيهن مَخْرَج مكني الْجَمْع . وَقَدْ قَالَ قَبْل : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } فَأَخْرَجَهَا عَلَى تَقْدِير الْوَاحِد . وَإِنَّمَا أَخَرَجَ مكنيهن مَخْرَج مكني الْجَمْع ; لِأَنَّ السَّمَاء جَمْع وَاحِدهَا سَمَاوَة , فَتَقْدِير وَاحِدَتهَا وَجَمْعهَا إذًا تَقْدِير بَقَرَة وَبَقَر وَنَخْلَة وَنَخْل وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ ; وَلِذَلِكَ أُنِّثَتْ مَرَّة , فَقِيلَ : هَذِهِ سَمَاء , وَذُكِّرَتْ أُخْرَى فَقِيلَ : { السَّمَاء مُنْفَطِر بِهِ } 73 18 كَمَا يُفْعَل ذَلِكَ بِالْجَمْعِ الَّذِي لَا فَرْق بَيْنه وَبَيْن وَاحِدَة غَيْر دُخُول الْهَاء وَخُرُوجهَا , فَيُقَال : هَذَا بَقَر وَهَذِهِ بَقَر , وَهَذَا نَخْل وَهَذِهِ نَخْل , وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَزْعُم أَنَّ السَّمَاء وَاحِدَة , غَيْر أَنَّهَا تَدُلّ عَلَى السَّمَوَات , فَقِيلَ : { فَسَوَّاهُنَّ } يُرَاد بِذَلِكَ الَّتِي ذُكِّرَتْ , وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ سَائِر السَّمَوَات الَّتِي لَمْ تَذَّكَّر مَعَهَا . قَالَ : وَإِنَّمَا تُذَكَّر إذا ذُكِّرَتْ وَهِيَ مُؤَنَّثَة , فَيُقَال : { السَّمَاء مُنْفَطِر بِهِ } كَمَا يُذَكَّر الْمُؤَنَّث , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلَا أَرْضٌ أَبْقَلَ إبْقَالُهَا وَكَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : فَإِمَّا تَرَيْ لِمَّتِي بُدِّلَتْ فَإِنَّ الْحَوَادِث أَزَرَى بِهَا وَقَالَ بَعْضهمْ : السَّمَاء وَإِنْ كَانَتْ سَمَاء فَوْق سَمَاء , وَأَرْضًا فَوْق أَرْض , فَهِيَ فِي التَّأْوِيل وَاحِدَة إنْ شِئْت , ثُمَّ تَكُون تِلْكَ الْوَاحِدَة جِمَاعًا , كَمَا يُقَال : ثَوْب أَخْلَاق وَأَسْمَال , وَبُرْمَة أَعْشَار لِلْمُتَكَسِّرَةِ , وَبُرْمَة أَكْسَار وَأَجْبَار , وَأَخْلَاق : أَيْ أَنَّ نَوَاحِيه أَخْلَاق . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَإِنَّك قَدْ قُلْت : إنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان قَبْل أَنْ يُسَوِّيهَا سَبْع سَمَوَات , ثُمَّ سَوَّاهَا سَبْعًا بَعْد اسْتِوَائِهِ إلَيْهَا , فَكَيْف زَعَمْت أَنَّهَا جِمَاع ؟ قِيلَ : إنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعًا غَيْر مُسْتَوِيَات , فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْره : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعًا ; كَمَا : 493 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن إسْحَاق : كَانَ أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : النُّور وَالظُّلْمَة , ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنهمَا فَجَعَلَ الظُّلْمَة لَيْلًا أَسْوَد مُظْلِمًا , وَجَعَلَ النُّور نَهَارًا مُضِيئًا مُبْصِرًا , ثُمَّ سَمَكَ السَّمَوَات السَّبْع مِنْ دُخَان - يُقَال وَاَللَّه أَعْلَم مِنْ دُخَان الْمَاء - حَتَّى اسْتَقْلَلْنَ وَلَمْ يَحْبُكهُنَّ , وَقَدْ أَغْطَشَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا لَيْلهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا , فَجَرَى فِيهَا اللَّيْل وَالنَّهَار , وَلَيْسَ فِيهَا شَمْس وَلَا قَمَر وَلَا نُجُوم , ثُمَّ دَحَى الْأَرْض , وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ , وَقَدَّرَ فِيهَا الْأَقْوَات , وَبَثَّ فِيهَا مَا أَرَادَ مِنْ الْخَلْق , فَفَرَغَ مِنْ الْأَرْض وَمَا قَدَّرَ فِيهَا مِنْ أَقْوَاتهَا فِي أَرْبَعَة أَيَّام . ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان كَمَا قَالَ فحبكهن , وَجَعَلَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا شَمْسهَا وَقَمَرهَا وَنُجُومهَا , وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاء أَمْرهَا , فَأَكْمَلَ خَلْقهنَّ فِي يَوْمَيْنِ . فَفَرَغَ مِنْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام , ثُمَّ اسْتَوَى فِي الْيَوْم السَّابِع فَوْق سَمَوَاته , ثُمَّ قَالَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض : { ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } لَمَّا أَرَدْت بِكُمَا , فَاطْمَئِنَّا عَلَيْهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا , قَالَتَا : أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَدْ أَخْبَرَ ابْن إسْحَاق أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء بَعْد خَلْقه الْأَرْض وَمَا فِيهَا وَهُنَّ سَبْع مِنْ دُخَان , فَسَوَّاهُنَّ كَمَا وَصَفَ . وَإِنَّمَا اسْتَشْهَدْنَا لِقَوْلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْن إسْحَاق لِأَنَّهُ أَوْضَح بَيَانًا عَنْ خَبَر السَّمَوَات أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعًا مِنْ دُخَان قَبْل اسْتِوَاء رَبّنَا إلَيْهَا بِتَسْوِيَتِهَا مِنْ غَيْره , وَأَحْسَن شَرْحًا لِمَا أَرَدْنَا الِاسْتِدْلَال بِهِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّمَاء الَّتِي قَالَ اللَّه فِيهَا : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } بِمَعْنَى الْجَمْع عَلَى مَا وَصَفْنَا , وَأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَسَوَّاهُنَّ } إذْ كَانَتْ السَّمَاء بِمَعْنَى الْجَمْع عَلَى مَا بَيَّنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَمَا صِفَة تَسْوِيَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ السَّمَوَات الَّتِي ذَكَرهَا فِي قَوْله : { فَسَوَّاهُنَّ } إذْ كُنَّ قَدْ خُلِقْنَ سَبْعًا قَبْل تَسْوِيَته إيَّاهُنَّ ؟ وَمَا وَجْه ذِكْر خَلْقهنَّ بَعْد ذِكْر خَلْق الْأَرْض , أَلِأَنَّهَا خُلِقَتْ قَبْلهَا , أَمْ بِمَعْنًى غَيْر ذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْخَبَر الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْن إسْحَاق , وَنَزِيد ذَلِكَ تَوْكِيدًا بِمَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ أَخْبَار بَعْض السَّلَف الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقْوَالهمْ . 494 - فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات } : قَالَ : إنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء , وَلَمْ يَخْلُق شَيْئًا غَيْر مَا خَلَقَ قَبْل الْمَاء , فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُق الْخَلْق أَخَرَجَ مِنْ الْمَاء دُخَانًا , فَارْتَفَعَ فَوْق الْمَاء فَسَمَا عَلَيْهِ , فَسَمَاهُ سَمَاء , ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاء فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَة , ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَ سَبْع أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , فَخَلَقَ الْأَرْض عَلَى حُوت , وَالْحُوت هُوَ النُّون الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي الْقُرْآن : { ن وَالْقَلَم } 68 1 وَالْحُوت فِي الْمَاء وَالْمَاء عَلَى ظَهْر صَفَاة , وَالصَّفَاة عَلَى ظَهْر مَلَك , وَالْمَلَك عَلَى صَخْرَة , وَالصَّخْرَة فِي الرِّيح - وَهِيَ الصَّخْرَة الَّتِي ذَكَرَ لُقْمَان - لَيْسَتْ فِي السَّمَاء وَلَا فِي الْأَرْض . فَتَحَرَّكَ الْحُوت فَاضْطَرَبَ , فَتَزَلْزَلَتْ الْأَرْض , فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَال فَقَرَّتْ , فَالْجِبَال تَفْخَر عَلَى الْأَرْض , فَذَلِكَ قَوْله : { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيد بِكُمْ } وَخَلَقَ الْجِبَال فِيهَا وَأَقْوَات أَهْلهَا وَشَجَرهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنِ فِي الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء , وَذَلِكَ حِين يَقُول : { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِاَلَّذِي خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقهَا وَبَارَكَ فِيهَا } يَقُول : أَنْبَتَ شَجَرهَا { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتهَا } يَقُول أَقْوَاتهَا لِأَهْلِهَا { فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء لِلسَّائِلِينَ } يَقُول : قُلْ لِمَنْ يَسْأَلك هَكَذَا الْأَمْر { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان } 41 11 وَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَان مِنْ تَنَفُّس الْمَاء حِين تَنَفَّسَ , فَجَعَلَهَا سَمَاء وَاحِدَة , ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض { وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاء أَمْرهَا } قَالَ : خَلَقَ فِي كُلّ سَمَاء خَلْقهَا مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْخَلْق الَّذِي فِيهَا , مِنْ الْبِحَار وَجِبَال الْبَرَد وَمَا لَا يُعْلَم . ثُمَّ زَيَّنَ السَّمَاء الدُّنْيَا بِالْكَوَاكِبِ , فَجَعَلَهَا زِينَة وَحِفْظًا تُحْفَظ مِنْ الشَّيَاطِين . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْق مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام } 7 54 يَقُول : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } 21 30 495 - وَحَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء } قَالَ : خَلَقَ الْأَرْض قَبْل السَّمَاء , فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْض ثَارَ مِنْهَا دُخَان , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات } قَالَ : بَعْضهنَّ فَوْق بَعْض , وَسَبْع أَرَضِينَ بَعْضهنَّ تحت بعض . 496 - وحدثنا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات } قَالَ : بَعْضهنَّ فَوْق بَعْض , بَيْن كُلّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام . 497 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله حَيْثُ ذَكَرَ خَلْق الْأَرْض قَبْل السَّمَاء , ثُمَّ ذَكَرَ السَّمَاء قَبْل الْأَرْض , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ الْأَرْض بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَدْحُوهَا قَبْل السَّمَاء , ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات , ثُمَّ دَحَا الْأَرْض بَعْد ذَلِكَ فَذَلِكَ قَوْله : { وَالْأَرْض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا } 79 30 498 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَر , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّه بَدَأَ الْخَلْق يَوْم الْأَحَد , فَخَلَقَ الْأَرَضِينَ فِي الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْأَقْوَات وَالرَّوَاسِي فِي الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء , وَخَلَقَ السَّمَوَات فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة , وَفَرَغَ فِي آخِر سَاعَة مِنْ يَوْم الْجُمُعَة , فَخَلَقَ فِيهَا آدَم عَلَى عَجَل ; فَتِلْكَ السَّاعَة الَّتِي تَقُوم فِيهَا السَّاعَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ , فَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا وَسَخَّرَهُ لَكُمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ , لِيَكُونَ لَكُمْ بَلَاغًا فِي دُنْيَاكُمْ , وَمَتَاعًا إلَى مُوَافَاة آجَالكُمْ , وَدَلِيلًا لَكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّة رَبّكُمْ . ثُمَّ عَلَا إلَى السَّمَوَات السَّبْع وَهِيَ دُخَان , فَسَوَّاهُنَّ وحبكهن , وَأَجْرَى فِي بَعْضهنَّ شَمْسه وَقَمَره وَنُجُومه , وَقَدَّرَ فِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ مَا قَدَّرَ مِنْ خَلْقه .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلَاله : { وَهُوَ } نَفْسه وَبِقَوْلِهِ : { بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } : أَنَّ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , وَسَوَّى السَّمَوَات السَّبْع بِمَا فِيهِنَّ , فَأَحْكَمَهُنَّ مِنْ دُخَان الْمَاء وَأَتْقَنَ صُنْعهنَّ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَيّهَا الْمُنَافِقُونَ وَالْمُلْحِدُونَ الْكَافِرُونَ بِهِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب , مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ فِي أَنْفُسكُمْ , وَإِنْ أَبْدَى مُنَافِقُوكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلهمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } وَهُمْ عَلَى التَّكْذِيب بِهِ مُنْطَوُونَ . وَكَذَبَتْ أَحْبَاركُمْ بِمَا أَتَاهُمْ بِهِ رَسُولِي مِنْ الْهُدَى وَالنُّور وَهُمْ بِصِحَّتِهِ عَارِفُونَ , وَجَحَدُوا وَكَتَمُوا مَا قَدْ أَخَذْت عَلَيْهِمْ بِبَيَانِهِ لِخَلْقِي مِنْ أَمْر مُحَمَّد وَنُبُوَّته الْمَوَاثِيق , وَهُمْ بِهِ عَالِمُونَ ; بَلْ أَنَا عَالَم بِذَلِكَ وَغَيْره مِنْ أُمُوركُمْ , وَأُمُور غَيْركُمْ , إنِّي بِكُلِّ شَيْء عَلِيم . وَقَوْله : { عَلِيم } بِمَعْنَى عَالِم . وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول : هُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمه . 499 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : الْعَالِم الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الدعاء وأهميته في الدعوة إلى الله في ضوء القرآن والسنة

    الدعاء وأهميته في الدعوة إلى الله في ضوء القرآن والسنة : هذا البحث يتناول أهمية الدعاء في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أثره في استجابة الدعوة ، وما يعود على الداعية من الخير بسببه، وهو على أحوال: إما دعاء لغير المسلمين بالدخول في الإسلام، أو دعاءٌ للمسلمين بالتطهير من الذنوب، أو دعاء لهم بالثبات على الدين، أو دعاء لهم بما يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208989

    التحميل:

  • وبشر الصابرين

    وبشر الصابرين: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «هذه ورقات من دفتر الصبر، ونفحات من سجل الشكر، وومضات من ضياء الاحتساب، وحروف من ألَقِ الصابرين، وقصص الشاكرين، أزُفُّها إلى كل مسلم رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، فإن الصبر درعٌ لكل مسلم، ووقاءٌ لكل مؤمنٍ، وملاذٌ - بعد الله - لكل مُوحِّد. أبعثُها إلى كل من ابتُلِي ببلاء، أو تعرَّضَ لعناء، أو مرَّ به شَقَاء، فإن الصبرَ سلوةٌ له في الدنيا، ورفعةٌ له في الآخرة... أُقدِّمها إلى كل أبٍ احترق فؤاده، وتمزَّق قلبه، وجزَعَت نفسه لغيابٍ لقُرَّة العين، أو فقدٍ لأحد المحبين، فإن له في ربه عزاء، وفي مولاه رجاء، وفي صبره ضياء. إلى كل أمٍّ تنام الأعين ولا تنام، ويضحك الناس وتبكي، وتهدأ القلوب ولا يهدأ قلبها ولا يسكن حزنها، إما لنازلةٍ مؤلمةٍ، أو قارعةٍ مُزعجةٍ، أو فاجعةٍ مُحزِنةٍ، أو غيبةٍ لثمرة الفؤاد، ونور العين، وجلاء الحزن، أو أسرٍ لفلذة الكبد، أو قتل لعنوان السعادة، فإن الصبر والاحتساب يضمن اللقاء بالغائب، والاجتماع بالأحبة، والأنس بثمرات الأكباد، حينما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، إنه لقاءٌ في جنَّاتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدِر».

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381059

    التحميل:

  • أشراط الساعة

    أشراط الساعة : يشتمل هذا البحث على: تمهيد: ويتفرع منه ثلاثة مباحث. الفصل الأول: معنى أشراط الساعة وعلاماتها وأدلتها من الكتاب والسنة. الفصل الثاني: أقسام أشراط الساعة. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144977

    التحميل:

  • العهد والميثاق في القرآن الكريم

    العهد والميثاق في القرآن الكريم: في كتاب الله تعالى كثُرت الآيات التي وردت في قضية العهد والميثاق، وشملت جميع العصور والأزمنة، وقد جاء هذا البحث شاملاً للكلام عن هذه المسألة، وقد قسَّمه الشيخ - حفظه الله - إلى أربعة مباحث وخاتمة.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337115

    التحميل:

  • الإعجاز العلمي في آيات السمع والبصر في القرآن الكريم

    الإعجاز العلمي في آيات السمع والبصر في القرآن الكريم : إعداد د. صادق الهلالي، ود. حسين رضوان سليمان اللبيدي.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193683

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة