Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 286

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } فَيَتَعَبَّدهَا إلَّا بِمَا يَسَعهَا , فَلَا يُضَيِّق عَلَيْهَا , وَلَا يُجْهِدهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل أَنَّ الْوُسْع اسْم مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَسِعَنِي هَذَا الْأَمْر مِثْل الْجَهْد وَالْوَجْد مِنْ جَهَدَنِي هَذَا الْأَمْر وَوَجَدْت مِنْهُ . كَمَا : 5098 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ ثني مُعَاوِيَة . عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } قَالَ : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ . وَسِعَ اللَّه عَلَيْهِمْ أَمْر دِينهمْ , فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ

: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } 22 78 وَقَالَ : { يُرِيد اللَّه بِكُمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكُمْ الْعُسْر } 2 185 وَقَالَ : { اتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ } 64 16 5099 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم . قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ضَجَّ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهَا ضَجَّة وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَذَا , نَتُوب مِنْ عَمَل الْيَد وَالرِّجْل وَاللِّسَان , كَيْفَ نَتُوب مِنْ الْوَسْوَسَة , كَيْفَ نَمْتَنِع مِنْهَا ؟ فَجَاءَ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة . { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } إنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَمْتَنِعُوا مِنْ الْوَسْوَسَة . 5100 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } وُسْعهَا - طَاقَتهَا , وَكَانَ حَدِيث النَّفْس مِمَّا لَا يُطِيقُونَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهَا : لِلنَّفْسِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفهَا إلَّا وُسْعهَا , يَقُولهُ : لِكُلِّ نَفْس مَا اجْتَرَحَتْ وَعَمِلَتْ مِنْ خَيْر ; وَعَلَيْهَا : يَعْنِي

وَعَلَى كُلّ نَفْس مَا اكْتَسَبَتْ : مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرّ . كَمَا : 5101 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن يَزِيد , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ } أَيْ مِنْ خَيْر { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } أَيْ مِنْ شَرّ , أَوْ قَالَ , مِنْ سُوء . 5902 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ ثنا أَسْبَاط . عَنْ السُّدِّيّ . { لَهَا مَا كَسَبَتْ } يَقُول : مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر , { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } يَقُول : وَعَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرّ . * - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَةَ , مِثْله . 5103 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } عَمَل الْيَد وَالرِّجْل وَاللِّسَان . فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا مَا يَسَعهَا , فَلَا يُجْهِدهَا , وَلَا يُضَيِّق عَلَيْهَا فِي أَمْر دِينهَا , فَيُؤَاخِذهَا " ب " هِمَّة إنْ هَمَّتْ , وَلَا بِوَسْوَسَةٍ إنْ عَرَضَتْ لَهَا , وَلَا بِخَطْرَةٍ إنْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وَهَذَا تَعْلِيم مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ دُعَاءَهُ كَيْفَ يَدْعُونَهُ , وَمَا يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ إيَّاهُ . وَمَعْنَاهُ : قُولُوا : رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا شَيْئًا فَرَضْت عَلَيْنَا عَمَله فَلَمْ نَعْمَلهُ , أَوْ أَخْطَأْنَا فِي فِعْل شَيْء نَهَيْتنَا عَنْ فِعْله فَفَعَلْنَاهُ , عَلَى غَيْر قَصْد مِنَّا إلَى مَعْصِيَتك , وَلَكِنْ عَلَى جَهَالَة مِنَّا بِهِ وَخَطَأ . كَمَا : 5104 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } إنْ نَسِينَا شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضْته عَلَيْنَا , أَوْ أَخْطَأْنَا شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَهُ عَلَيْنَا . 5105 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ

فِي قَوْله : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّة عَلَى نِسْيَانهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا " . 5106 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة حِين نَزَلَتْ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ لَهُ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد . إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ يَحُوز أَنْ يُؤَاخِذ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِبَاده بِمَا نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا فَيَسْأَلُوهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذهُمْ بِذَلِكَ ؟ قِيلَ : إنَّ النِّسْيَان عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : عَلَى وَجْه التَّضَرُّع مِنْ الْعَبْد وَالتَّفْرِيط ; وَالْآخَر : عَلَى وَجْه عَجْز النَّاسِي عَنْ حِفْظ مَا اُسْتُحْفِظَ , وَوَكَلَ بِهِ وَضَعُفَ عَقْله عَنْ احْتِمَاله , فَأَمَّا الَّذِي يَكُون مِنْ الْعَبْد عَلَى وَجْه التَّضْيِيع مِنْهُ وَالتَّفْرِيط , فَهُوَ تَرْك مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ , فَذَلِكَ الَّذِي يُرَغِّب الْعَبْد إلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي تَرْكه مُؤَاخَذَته بِهِ , وَهُوَ النِّسْيَان الَّذِي عَاقَبَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ آدَم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة , فَقَالَ فِي ذَلِكَ : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَم مِنْ قَبْل فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا } 20 115 وَهُوَ النِّسْيَان الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَالْيَوْم نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمهمْ هَذَا } 7 51 فَرَغْبَة الْعَبْد إلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } فِيمَا كَانَ مِنْ نِسْيَان مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . عَلَى هَذَا الْوَجْه الَّذِي وَصَفْنَا مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكه مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُ فِيهِ وَتَضْيِيعًا , كُفْرًا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ كُفْرًا بِاَللَّهِ فَإِنَّ الرَّغْبَة إلَى اللَّه فِي تَرْكه الْمُؤَاخَذَة بِهِ غَيْر جَائِزَة , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ عِبَاده أَنَّهُ لَا يَنْفِر لَهُمْ الشِّرْك بِهِ , فَمَسْأَلَته فِعْل مَا قَدْ أَمْهَلَهُمْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلهُ خَطَأ , وَإِنَّمَا يَكُون مَسْأَلَته الْمَغْفِرَة فِيمَا كَانَ مِنْ مِثْل نِسْيَانه الْقُرْآن بَعْد حِفْظه بِتَشَاغُلِهِ عَنْهُ , وَعَنْ قِرَاءَته , وَمِثْل نِسْيَانه صَلَاة أَوْ صِيَامًا , بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا حَتَّى ضَيَّعَهُمَا . وَأَمَّا الَّذِي الْعَبْد بِهِ غَيْر مُؤَاخَذ لِعَجْزِ بِنْيَته عَنْ حِفْظه , وَقِلَّة احْتِمَال عَقْله مَا وُكِلَ بِمُرَاعَاتِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْد غَيْر مَعْصِيَة , وَهُوَ بِهِ غَيْر آثِم , فَذَلِكَ الَّذِي لَا وَجْه لِمَسْأَلَةِ الْعَبْد رَبّه أَنْ يَغْفِرهُ لَهُ , لِأَنَّهُ مَسْأَلَة مِنْهُ لَهُ أَنْ يَغْفِر لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِذَنْبٍ , وَذَلِكَ مِثْل الْأَمْر يَغْلِب عَلَيْهِ , وَهُوَ حَرِيص عَلَى تَذَكُّره وَحِفْظه , كَالرَّجُلِ يَحْرِص عَلَى حِفْظ الْقُرْآن بِجِدٍّ مِنْهُ , فَيَقْرَؤُهُ , ثُمَّ يَنْسَاهُ بِغَيْرِ تَشَاغُل مِنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ , وَلَكِنْ بِعَجْزِ بِنْيَته عَنْ حِفْظه وَقِلَّة احْتِمَال عَقْله , ذِكْر مَا أُودِعَ قَلْبه مِنْهُ , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ النِّسْيَان , فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوز مَسْأَلَة الرَّبّ مَغْفِرَته , لِأَنَّهُ لَا ذَنْب لِلْعَبْدِ فِيهِ , فَيَغْفِر لَهُ بِاكْتِسَابِهِ . وَكَذَلِكَ لِلْخَطَأِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : مِنْ وَجْه مَا نُهِيَ عَنْهُ الْعَبْد فَيَأْتِيه بِقَصْدٍ مِنْهُ وَإِرَادَة , فَذَلِكَ خَطَأ مِنْهُ , وَهُوَ بِهِ مَأْخُوذ , يُقَال مِنْهُ : خَطِئَ فُلَان وَأَخْطَأَ فِيمَا أَتَى مِنْ الْفِعْل , وَأَثِمَ إذَا أَتَى مَا يَتَأَثَّم فِيهِ وَرَكِبَهُ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : النَّاس يَلْحَوْنَ الْأَمِير إذَا هُمُ خَطِئُوا الصَّوَاب وَلَا يُلَامُ الْمُرْشَدُ يَعْنِي : أَخْطَئُوا الصَّوَاب . وَهَذَا الْوَجْه الَّذِي يَرْغَب الْعَبْد إلَى رَبّه فِي صَفْح مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إثْم عَنْهُ , إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُفْرًا . وَالْآخَر مِنْهُمَا : مَا كَانَ عَنْهُ عَلَى وَجْه الْجَهْل بِهِ وَالظَّنّ مِنْهُ , بِأَنَّ لَهُ فِعْله , كَاَلَّذِي فِي شَهْر رَمَضَان لَيْلًا , وَهُوَ يَحْسِب أَنَّ الْفَجْر لَمْ يَطْلُع , أَوْ يُؤَخِّر صَلَاة فِي يَوْم غَيْم وَهُوَ يَنْتَظِر بِتَأْخِيرِهِ إيَّاهَا دُخُول وَقْتهَا فَيَخْرُج وَقْتهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّ وَقْتهَا لَمْ يَدْخُل فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَطَأ الْمَوْضُوع عَنْ الْعَبْد الَّذِي وَضَعَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِبَاده الْإِثْم فِيهِ , فَلَا وَجْه لِمَسْأَلَةِ الْعَبْد رَبّه أَنْ يُؤَاخِذهُ بِهِ . وَقَدْ زَعَمَ قَوْم أَنَّ مَسْأَلَة الْعَبْد رَبّه أَنْ لَا يُؤَاخِذهُ بِمَا نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ , إنَّمَا هُوَ فِعْل مِنْهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , أَوْ لِمَا نَدَبَهُ إلَيْهِ مِنْ التَّذَلُّل لَهُ وَالْخُضُوع بِالْمَسْأَلَةِ , فَأَمَّا عَلَى وَجْه مَسْأَلَته الصَّفْح , فَمِمَّا لَا وَجْه لَهُ عِنْدهمْ وَلِلْبَيَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ كِتَاب سَنَأْتِي فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّه عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ .

الْقَوْل تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُولُوا : رَبّنَا لَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا : يَعْنِي بِالْإِصْرِ : الْعَهْد , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي } 3 81 وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا } وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا عَهْدًا , فَنَعْجِز عَنْ الْقِيَام بِهِ وَلَا نَسْتَطِيعهُ , { كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } يَعْنِي عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كُلِّفُوا أَعْمَالًا وَأُخِذَتْ عُهُودهمْ وَمَوَاثِيقهمْ عَلَى الْقِيَام بِهَا , فَلَمْ يَقُومُوا بِهَا , فَعُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ . فَعَلَّمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّغْبَة إلَيْهِ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ لَا يَحْمِلهُمْ مِنْ عُهُوده وَمَوَاثِيقه عَلَى أَعْمَال أَنْ ضَيَّعُوهَا أَوْ أَخْطَئُوا فِيهَا أَوْ نَسُوهَا مِثْل الَّذِي حَمَلَ مِنْ قَبْلهمْ , فَيَحِلّ بِهِمْ بِخَطَئِهِمْ فِيهِ وَتَضْيِيعهمْ إيَّاهُ مِثْل الَّذِي أُحِلَّ بِمَنْ قَبْلهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5107 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ قِي قَوْله : { لَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا }

قَالَ : لَا تَحْمِل عَلَيْنَا عَهْدًا وَمِيثَاقًا , { كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } يَقُول : كَمَا غَلُظَ عَلَى مَنْ قَبْلنَا . 5108 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مُوسَى بْن قَيْس الْحَضْرَمِيّ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا } قَالَ : عَهْدًا * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إصْرًا } قَالَ : عَهْدًا . 5109 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { إصْرًا } يَقُول : عَهْدًا . 5110 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } وَالْإِصْر : الْعَهْد الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلنَا مِنْ الْيَهُود . 5111 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَوْله : { وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا } قَالَ : عَهْدًا لَا نُطِيقهُ , وَلَا نَسْتَطِيع الْقِيَام بِهِ , { كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } الْيَهُود وَالنَّصَارَى , فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ فَأَهْلَكَتْهُمْ . 5112 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { إصْرًا } قَالَ : الْمَوَاثِيق . 5113 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : الْإِصْر : الْعَهْد ; { وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي } 3 81 قَالَ : عَهْدِي . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي } قَالَ : عَهْدِي . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا ذُنُوبًا وَإِثْمًا كَمَا حَمَلْت ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَبْلنَا مِنْ الْأُمَم , فَتَمْسَخنَا قِرَدَة وَخَنَازِير كَمَا مَسَخْتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5114 - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السُّكُونِيّ , قَالَ : ثنا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , عَنْ عَلِيّ بْن هَارُونَ , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح فِي قَوْله : { وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } قَالَ : لَا تَمْسَخنَا قِرَدَة وَخَنَازِير . 5115 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } لَا تَحْمِل عَلَيْنَا ذَنْبًا لَيْسَ فِيهِ تَوْبَة وَلَا كَفَّارَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْإِصْر بِكَسْرِ الْأَلِف : الثِّقَل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5116 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } يَقُول : التَّشْدِيد الَّذِي شَدَدْته عَلَى مَنْ قَبْلنَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب . 5117 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : سَأَلْته , يَعْنِي مَالِكًا , عَنْ قَوْله : { وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا } قَالَ : الْإِصْر : الْأَمْر الْغَلِيظ . فَأَمَّا الْأَصْر بِفَتْحِ الْأَلِف : فَهُوَ مَا عَطَفَ الرَّجُل عَلَى غَيْره مِنْ رَحِم أَوْ قَرَابَة , يُقَال : أَصِرَتْنِي رَحِم بَيْنِي وَبَيْن فُلَان عَلَيْهِ , بِمَعْنَى : عَطَفَتْنِي عَلَيْهِ , وَمَا يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ : أَيْ مَا يَعْطِفنِي عَلَيْهِ , وَبَيْنِي وَبَيْنه أَصْر رَحِم يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ أَصْرًا : يَعْنِي بِهِ : عَاطِفَة رَحِم تَعْطِفنِي عَلَيْهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقُولُوا أَيْضًا : رَبّنَا لَا تُكَلِّفنَا مِنْ الْأَعْمَال مَا لَا نُطِيق الْقِيَام بِهِ لِثِقَلِ حَمْله عَلَيْنَا . وَكَذَلِكَ كَانَتْ جَمَاعَة أَهْل التَّأْوِيل يَتَأَوَّلُونَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5118 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } تَشْدِيد يُشَدَّد بِهِ كَمَا شَدَّدَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ . 5119 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : {

وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } قَالَ : لَا تُحَمِّلنَا مِنْ الْأَعْمَال مَا لَا نُطِيق . 5120 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } لَا تَفْتَرِض عَلَيْنَا مِنْ الدِّين مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ , فَنَعْجِز عَنْهُ . 5121 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : { وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } مَسْخ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير . 5122 - حَدَّثَنِي سَلَام بْن سَالِم الْخُزَاعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو حَفْص عُمَر بْن سَعِيد التَّنُوخِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن شُعَيْب بْن سَابُور , عَنْ سَالِم بْن شَابُورٍ فِي قَوْله : { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } قَالَ : الْغِلْمَة . 5123 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } مِنْ التَّغْلِيظ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّحْرِيم . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ : وَلَا تُكَلِّفنَا مِنْ الْأَعْمَال مَا لَا نُطِيق الْقِيَام بِهِ عَلَى نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ عَقِيب مَسْأَلَة الْمُؤْمِنِينَ رَبّهمْ أَنْ لَا يُؤَاخِذهُمْ إنْ نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا , وَأَنْ لَا يَحْمِل عَلَيْهِمْ إصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ , فَكَانَ إلْحَاق ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَبْله مِنْ مَسْأَلَتهمْ التَّيْسِير فِي الدِّين أَوْلَى مِمَّا خَالَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا } وَفِي هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَبَرًا عَنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَسْأَلَتهمْ إيَّاهُ ذَلِكَ الدَّلَالَة الْوَاضِحَة أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ تَيْسِير فَرَائِضه عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } لِأَنَّهُمْ عَقَّبُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : { وَاعْفُ عَنَّا } مَسْأَلَة مِنْهُمْ رَبّهمْ أَنْ يَعْفُو لَهُمْ عَنْ تَقْصِير إنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي بَعْض مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضه , فَيَصْفَح لَهُمْ عَنْهُ , وَلَا يُعَاقِبهُمْ عَلَيْهِ , وَإِنْ خَفَّ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضه عَلَى أَبْدَانهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5124 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاعْفُ عَنَّا } قَالَ : اُعْفُ عَنَّا إنْ قَصَّرْنَا عَنْ شَيْء مِنْ أَمْرك مِمَّا أَمَرْتنَا بِهِ . وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَاغْفِرْ لَنَا } يَعْنِي : وَاسْتُرْ عَلَيْنَا زَلَّة إنْ أَتَيْنَاهَا فِيمَا بَيْننَا وَبَيْنك , فَلَا تَكْشِفهَا وَلَا تَفْضَحنَا بِإِظْهَارِهَا .

وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْمَغْفِرَة فِيمَا مَضَى قَبْل . 5125 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد { وَاغْفِرْ لَنَا } إنْ انْتَهَكْنَا شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتنَا عَنْهُ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَارْحَمْنَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : تَغَمَّدْنَا مِنْك بِرَحْمَةٍ تُنْجِينَا بِهَا مِنْ عِقَابك , فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ مِنْ عِقَابك أَحَد إلَّا بِرَحْمَتِك إيَّاهُ دُون عَمَله , وَلَيْسَتْ أَعْمَالنَا

مُنْجِيَتنَا إنْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَمنَا , فَوَفِّقْنَا لِمَا يُرْضِيك عَنَّا . كَمَا : 5126 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَارْحَمْنَا } قَالَ : يَقُول : لَا نَنَال الْعَمَل بِمَا أَمَرْتنَا بِهِ , وَلَا نَتْرُك مَا نَهَيْتنَا عَنْهُ إلَّا بِرَحْمَتِك , قَالَ : وَلَمْ يَنْجُ أَحَد إلَّا بِرَحْمَتِك .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَنْتَ مَوْلَانَا } أَنْتَ وَلِيّنَا بِنَصْرِك دُون مَنْ عَادَاك وَكَفَرَ بِك , لِأَنَّا مُؤْمِنُونَ بِك وَمُطِيعُوك فِيمَا أَمَرْتنَا وَنَهَيْتنَا , فَأَنْتَ وَفِيّ مَنْ أَطَاعَك , وَعَدُوّ مَنْ كَفَرَ بِك فَعَصَاك , فَانْصُرْنَا لِأَنَّا حِزْبك , عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ الَّذِي جَحَدُوا وَحْدَانِيّتك , وَعَبَدُوا الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد دُونك , وَأَطَاعُوا فِي مَعْصِيَتك الشَّيْطَان . وَالْمَوْلَى فِي هَذَا الْمَوْضِع الْمَفْعَل مِنْ وَلَّى فُلَان أَمْر فُلَان فَهُوَ يَلِيه وِلَايَة , وَهُوَ وَلِيّه وَمَوْلَاهُ , وَإِنَّمَا صَارَتْ الْيَاء مِنْ وَلَّى أَلِفًا لِانْفِتَاحِ اللَّام قَبْلهَا الَّتِي هِيَ عَيْن الِاسْم . وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَلَاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اسْتَجَابَ اللَّه لَهُ فِي ذَلِكَ كُلّه . ذِكْر الْأَخْبَار الَّتِي جَاءَتْ بِذَلِكَ : 5127 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم وَمُحَمَّد بْن خَلَف قَالَا : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { آمَنَ الرَّسُول

بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه } قَالَ : قَرَأَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا انْتَهَى إلَى قَوْله : { غُفْرَانك رَبّنَا } قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " قَدْ غَفَرْت لَكُمْ " , فَلَمَّا قَرَأَ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " لَا أُحَمِّلكُمْ " فَلَمَّا قَرَأَ : { وَاغْفِرْ لَنَا } قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " قَدْ غَفَرْت لَكُمْ " , فَلَمَّا قَرَأَ : { وَارْحَمْنَا } قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " قَدْ رَحِمْتُكُمْ " , فَلَمَّا قَرَأَ : { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " قَدْ نَصَرْتُكُمْ عَلَيْهِمْ " . 5128 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : أَتَى جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد قُلْ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } فَقَالَهَا , فَقَالَ جِبْرِيل : قَدْ فَعَلَ , وَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : قُلْ { رَبّنَا لَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } فَقَالَهَا , فَقَالَ جِبْرِيل : قَدْ فَعَلَ , فَقَالَ : قُلْ { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } فَقَالَهَا : فَقَالَ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ فَعَلَ , فَقَالَ : قُلْ { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } فَقَالَهَا , فَقَالَ جِبْرِيل : قَدْ فَعَلَ . 5129 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة حِين نَزَلَتْ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد , { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل فِي كُلّ ذَلِكَ : فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد . 5130 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ آدَم بْن سُلَيْمَان مَوْلَى خَالِد , قَالَ سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أَنْزَلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه } إلَى { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } فَقَرَأَ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْت , { رَبّنَا لَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } فَقَالَ : قَدْ فَعَلْت , { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } قَالَ : قَدْ فَعَلْت , { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } قَالَ : قَدْ فَعَلْت . 5131 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ ثنا إسْحَاق بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُصْعَب بْن ثَابِت , عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَعَمْ " . 5132 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو حُمَيْد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ آدَم عَنْ بْن سُلَيْمَان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ , يَقُول قَدْ فَعَلْت , { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } قَالَ : وَيَقُول قَدْ فَعَلْت , فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة خَوَاتِيم سُورَة الْبَقَرَة , وَلَمْ تُعْطَهَا الْأُمَم قَبْلهَا . 5133 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حَرْب الْمُوصِلِيّ , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , قَالَ , قَالَ : ثنا عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه } إلَى قَوْله . { غُفْرَانك رَبّنَا } قَالَ : قَدْ غَفَرْت لَكُمْ , { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } إلَى قَوْله . { لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ : أُؤَاخِذكُمْ , { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } قَالَ لَا أَحْمِل عَلَيْكُمْ , إلَى قَوْله . { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا } إلَى آخِر السُّورَة , قَالَ : قَدْ عَفَوْت عَنْكُمْ , وَغَفَرْت لَكُمْ , وَرَحِمْتُكُمْ , وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ . وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم أَنَّ إجَابَة اللَّه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة . 5134 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يَقُول لَهُ سَلْهَا , فَسَأَلَهَا نَبِيّ اللَّه رَبّه جَلَّ ثَنَاءَهُ , فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا , فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة . 5135 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق : أَنَّ مُعَاذًا كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ السُّورَة : { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } قَالَ : آمِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الكشاف التحليلي لمسائل الأربعين النووية

    في هذا الملف كشاف تحليلي لمسائل الأربعين النووية مع زيادات ابن رجب؛ الغرض منه أن يفيد منه المعلم ويستفيد منه الطالب الحاذق حتى يتقن دراسة هذه المتون القيمة دراسة المستبصر الذي يرجى نفعه للأمة بالدعوة إلى الله. • تم إعداد الكشاف من تحليل عبارات المتن، وكتاب جامع العلوم والحكم، وقواعد فوائد من الأربعين النووية للشيخ ناظم بن سلطان المسباح المريخي، والمنن الربانية للشيخ سعد الحجري، وشرح معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. • تم تقسيم الكشاف إلى دروس، كل درس يحتوي على عناصر وأسئلة. • والأربعون النووية هو متن مشهور، اشتمل على اثنين وأربعين حديثاً محذوفة الإسناد في فنون مختلفة من العلم، كل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات؛ وقد سميت بالأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344748

    التحميل:

  • الهدية المرضية بشأن الأضحية

    الهدية المرضية بشأن الأضحية: نبذة مما يتعلَّق بالأضاحي من أحكام وآداب وغيرها، مما يحتاج إلى التذكرة به أولو الألباب، فإنهم هم الذين يتذكرون ولربهم يتقون.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330466

    التحميل:

  • العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية: رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1880

    التحميل:

  • الدرر من صحيح فضائل الآيات والسور

    الدرر من صحيح فضائل الآيات والسور: كتابٌ جامعٌ لما ثبت من فضائل سور القرآن وآياته، حاول المؤلف فيه جمع كل ما وقف عليه من الصحيح في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الإشارة إلى مصدرها اختصارًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272776

    التحميل:

  • تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب

    تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب : هذا الكتاب يعد صورة مصغرة من أصله وهو قواعد ابن رجب، وحذف منه جملة من خلاف الأصحاب ورواياتهم والمسائل المفرعة عنها تقريبا لطلاب العلم، مع محافظته على جملة القواعد وألفاظها وذكر التقسيمات والأنواع كما ذكر كثيرا من الصور والأمثلة. - اعتنى بتحقيقه : الشيخ خالد بن علي بن محمد المشيقح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205541

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة