Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 280

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَقْبِضُونَ مِنْهُ مِنْ غُرَمَائِكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ ذُو عُسْرَة , يَعْنِي مُعْسِرًا بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ الَّتِي كَانَتْ لَكُمْ عَلَيْهِمْ قَبْل الْإِرْبَاء , فَأَنْظِرُوهُمْ إلَى مَيْسَرَتهمْ . وَقَوْله : { ذُو عُسْرَة } مَرْفُوع " ب " كَانَ , فَالْخَبَر مَتْرُوك , وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا , وَإِنَّمَا صَلَحَ تَرْك خَبَرهَا مِنْ أَجْل أَنَّ النَّكِرَات تُضْمِر لَهَا الْعَرَب أَخْبَارهَا , وَلَوْ وُجِّهَتْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِع إلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْفِعْل الْمُكْتَفِي بِنَفْسِهِ التَّامّ , لَكَانَ وَجْهًا صَحِيحًا , وَلَمْ يَكُنْ بِهَا حَاجَة حِينَئِذٍ إلَى خَبَر . فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام عِنْد ذَلِكَ : وَإِنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَة مِنْ غُرَمَائِكُمْ بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ , فَنَظِرَة

إلَى مَيْسَرَة . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَة " بِمَعْنَى : وَإِنْ كَانَ الْغَرِيم ذَا عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَرَبِيَّة جَائِزًا فَغَيْر جَائِزَة الْقِرَاءَة بِهِ عِنْدنَا لِخِلَافِهِ خُطُوط مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا قَوْله : { فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُنْظِرُوهُ إلَى مَيْسَرَة , كَمَا قَالَ : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِنْ رَأْسه فَفِدْيَة مِنْ صِيَام } 2 196 وقَدْ ذَكَرْنَا وَجْه رَفْع مَا كَانَ مِنْ نَظَائِرهَا فِيمَا مَضَى قَبْل , فَأَغْنَى عَنْ تَكْرِيره . وَالْمَيْسَرَة : الْمَفْعَلَة مِنْ الْيُسْر , مِثْل الْمَرْحَمَة وَالْمَشْأَمَة . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَإِنْ كَانَ مِنْ غُرَمَائِكُمْ ذُو عُسْرَة , فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُنْظِرُوهُ حَتَّى يُوسِرَ بِمَا لَيْسَ لَكُمْ , فَيَصِير مِنْ أَهْل الْيُسْر بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4915 - حَدَّثَنِي وَاصِل بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الرِّبَا . 4916 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : ثنا هِشَام , عَنْ ابْن سِيرِينَ : أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ رَجُلًا إلَى شُرَيْح قَالَ : فَقَضَى عَلَيْهِ , وَأَمَرَ بِحَبْسِهِ . قَالَ : فَقَالَ رَجُل عِنْد شُرَيْح : إنَّهُ مُعْسِر , وَاَللَّه يَقُول فِي كِتَابه : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : فَقَالَ شُرَيْح : إنَّمَا ذَلِكَ فِي الرِّبَا , وَإِنَّ اللَّه قَالَ فِي كِتَابه : { إنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } 4 58 وَلَا يَأْمُرنَا اللَّه بِشَيْءٍ ثُمَّ يُعَذِّبنَا عَلَيْهِ . 4917 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : ذَلِكَ فِي الرِّبَا . 4918 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ الْحَسَن : أَنَّ الرَّبِيع بْن خَثِيم كَانَ لَهُ عَلَى رَجُل حَقّ , فَكَانَ يَأْتِيه وَيَقُوم عَلَى بَابه وَيَقُول : أَيْ فُلَان إنْ كُنْت مُوسِرًا فَأَدِّ , وَإِنْ كُنْت مُعْسِرًا فَإِلَى مَيْسَرَة . * - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : جَاءَ رَجُل إلَى شُرَيْح , فَكَلَّمَهُ , فَجَعَلَ يَقُول : إنَّهُ مُعْسِر , إنَّهُ مُعْسِر , قَالَ : فَظَنَنْت أَنَّهُ يُكَلِّمهُ فِي مَحْبُوس . فَقَالَ شُرَيْح : إنَّ الرِّبَا كَانَ فِي هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَار , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إلَى أَهْلهَا } 4 58 فَمَا كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرنَا بِأَمْرٍ ثُمَّ يُعَذِّبنَا عَلَيْهِ , أَدُّوا الْأَمَانَات إلَى أَهْلهَا . 4919 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة بِرَأْسِ مَاله . 4920 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } إنَّمَا أَمَرَ فِي الرِّبَا أَنْ يُنْظِر الْمُعْسِر , وَلَيْسَتْ النَّظْرَة فِي الْأَمَانَة , وَلَكِنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَة إلَى أَهْلهَا . 4921 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة } بِرَأْسِ الْمَال , { إلَى مَيْسَرَة } يَقُول : إلَى غِنَى . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } هَذَا فِي شَأْن الرِّبَا . 4922 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } هَذَا فِي شَأْن الرِّبَا , وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة بِهَا يَتَبَايَعُونَ , فَلَمَّا أَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ , أُمِرُوا أَنْ يَأْخُذُوا رُءُوس أَمْوَالهمْ . 4923 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } يَعْنِي الْمَطْلُوب . 4924 - حَدَّثَنِي ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : الْمَوْت . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا قَبِيصَة بْن عُقْبَة , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْمُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : هَذَا فِي الرِّبَا . 4925 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إبْرَاهِيم فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج إلَى الْمَيْسَرَة , قَالَ : إلَى الْمَوْت أَوْ إلَى فُرْقَة . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم : { فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } . قَالَ : ذَلِكَ فِي الرِّبَا . 4926 - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَنْدَل , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } . قَالَ : يُؤَخِّرهُ وَلَا يُزِدْ عَلَيْهِ , وَكَانَ إذَا حَلَّ دَيْن أَحَدهمْ فَلَمْ يَجِد مَا يُعْطِيه زَادَ عَلَيْهِ وَأَخَّرَهُ . 4927 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا مَنْدَل , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : يُؤَخِّرهُ وَلَا يُزِدْ عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَة عَامَّة فِي كُلّ مَنْ كَانَ لَهُ قِبَل رَجُل مُعْسِر حَقّ مِنْ أَيّ وُجْهَة كَانَ ذَلِكَ الْحَقّ مِنْ دَيْن حَلَال أَوْ رِبَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4928 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : مَنْ كَانَ ذَا عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة , وَأَنْ تَصَّدَّقُوا خَيْر لَكُمْ ; قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ دَيْن عَلَى مُسْلِم , فَلَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ لَهُ دَيْن عَلَى أَخِيهِ يَعْلَم مِنْهُ عُسْرَة أَنْ يَسْجُنهُ وَلَا يَطْلُبهُ حَتَّى يُيَسِّرهُ اللَّه عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّظِرَة فِي الْحَلَال فَمَنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَتْ الدُّيُون عَلَى ذَلِكَ . 4929 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن حَرْب , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْلٍ , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الدَّيْن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ غُرَمَاء الَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ دُيُون قَدْ أَرْبَوْا فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَدْرَكَهُمْ الْإِسْلَام قَبْل أَنْ يَقْبِضُوهَا مِنْهُمْ , فَأَمَرَ اللَّه بِوَضْعِ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا بَعْد مَا أَسْلَمُوا , وَبِقَبْضِ رُءُوس أَمْوَالهمْ , مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ غُرَمَائِهِمْ مُوسِرًا , وَإِنْظَار مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُعْسِرًا بِرُءُوسِ أَمْوَالهمْ إلَى مَيْسَرَتهمْ . فَذَلِكَ حُكْم كُلّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ رِبَا قَدْ أَرْبَى عَلَى غَرِيم لَهُ , فَإِنَّ الْإِسْلَام يُبْطِل عَنْ غَرِيمه مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْل الرِّبَا , وَيُلْزِمهُ أَدَاء رَأْس مَاله الَّذِي كَانَ أَخَذَ مِنْهُ , أَوْ لَزِمَهُ مِنْ قَبْل الْإِرْبَاء إلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا , وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ مُنْظَرًا بِرَأْسِ مَال صَاحِبه إلَى مَيْسَرَته , وَكَانَ الْفَضْل عَلَى رَأْس الْمَال مُبْطِلًا عَنْهُ . غَيْر أَنَّ الْآيَة وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِيمَنْ ذَكَرْنَا وَإِيَّاهُمْ عَنَى بِهَا , فَإِنَّ الْحُكْم الَّذِي حَكَمَ اللَّه بِهِ مِنْ إنْظَاره الْمُعْسِر بِرَأْسِ مَال الْمُرْبِي بَعْد بُطُول الرِّبَا عَنْهُ حُكْم وَاجِب لِكُلِّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْن لِرَجُلٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ , وَهُوَ بِقَضَائِهِ مُعْسِر فِي أَنَّهُ مُنْظَر إلَى مَيْسَرَته , لِأَنَّ دَيْن كُلّ ذِي دَيْن فِي مَال غَرِيمه وَعَلَى غَرِيمه قَضَاؤُهُ مِنْهُ لَا فِي رَقَبَته , فَإِذَا عَدِمَ مَاله , فَلَا سَبِيل لَهُ عَلَى رَقَبَته بِحَبْسٍ وَلَا بَيْع , وَذَلِكَ أَنَّ مَال رَبّ الدَّيْن لَنْ يَخْلُو مِنْ أَحَد وُجُوه ثَلَاثَة : إمَّا أَنْ يَكُون فِي رَقَبَة غَرِيمه , أَوْ فِي ذِمَّته يَقْضِيه مِنْ مَاله , أَوْ فِي مَال لَهُ بِعَيْنِهِ ; فَإِنْ يَكُنْ فِي مَال لَهُ بِعَيْنِهِ , فَمَتَى بَطَلَ ذَلِكَ الْمَال وَعَدِمَ , فَقَدْ بَطَلَ دَيْن رَبّ الْمَال , وَذَلِكَ مَا لَا يَقُولهُ أَحَد وَيَكُون فِي رَقَبَته , فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَمَتَى عَدِمَتْ نَفْسه , فَقَدْ بَطَلَ دَيْن رَبّ الدَّيْن , وَإِنْ خَلَفَ الْغَرِيم وَفَاء بِحَقِّهِ وَأَضْعَاف ذَلِكَ , وَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَقُولهُ أَحَد , فَقَدْ تَبَيَّنَ إذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّ دَيْن رَبّ الْمَال فِي ذِمَّة غَرِيمه يَقْضِيه مِنْ مَاله , فَإِذَا عَدِمَ مَاله فَلَا سَبِيل لَهُ عَلَى رَقَبَته , لِأَنَّهُ قَدْ عَدِمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّي مِنْهُ حَقّ صَاحِبه لَوْ كَانَ مَوْجُودًا , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَقَبَته سَبِيل لَمْ يَكُنْ إلَى حَبْسه بِحَقِّهِ وَهُوَ مَعْدُوم سَبِيل , لِأَنَّهُ غَيْر مَانِعه حَقًّا لَهُ إلَى قَضَائِهِ سَبِيل , فَيُعَاقَب بِظُلْمِهِ إيَّاهُ بِالْحَبْسِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } . يَعْنِي جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ : وَأَنْ تَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ عَلَى هَذَا الْمُعْسِر , خَيْر لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم مِنْ أَنْ تُنْظِرُوهُ إلَى مَيْسَرَته لِتَقْبِضُوا رُءُوس أَمْوَالكُمْ مِنْهُ إذَا أَيْسَرَ , { إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } مَوْضِع الْفَضْل فِي الصَّدَقَة , وَمَا أَوْجَبَ اللَّه مِنْ الثَّوَاب لِمَنْ وَضَعَ عَنْ غَرِيمه الْمُعْسِر دَيْنه . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ عَلَى الْغَنِيّ وَالْفَقِير مِنْهُمْ خَيْر لَكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4930 - حَدَّثَنِي بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ } وَالْمَال الَّذِي لَهُمْ عَلَى ظُهُور الرِّجَال جَعَلَ لَهُمْ رُءُوس أَمْوَالهمْ حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ; فَأَمَّا الرِّبْح وَالْفَضْل فَلَيْسَ لَهُمْ , وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا . { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } . يَقُول وَإِنْ تَصَدَّقُوا بِأَصْلِ الْمَال , خَيْر لَكُمْ . 4931 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا } أَيْ بِرَأْسِ الْمَال فَهُوَ خَيْر لَكُمْ . 4932 - وَحَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } قَالَ : مِنْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْمُغِيرَة , عَنْ

إبْرَاهِيم بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا قَبِيصَة بْن عُقْبَة , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } قَالَ : أَنْ تَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِهِ عَلَى الْمُعْسِر خَيْر لَكُمْ ; نَحْو مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4933 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } قَالَ : وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ عَلَى الْفَقِير فَهُوَ خَيْر لَكُمْ , فَتَصَدَّقَ بِهِ الْعَبَّاس . 4934 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } يَقُول : وَإِنْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِ بِرَأْسِ مَالِك فَهُوَ خَيْر لَك . 4935 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ أَخْبَرَنَا عُبَيْد قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } يَعْنِي عَلَى الْمُعْسِر , فَأَمَّا الْمُوسِر فَلَا , وَلَكِنْ يُؤْخَذ مِنْهُ رَأْس الْمَال , وَالْمُعْسِر الْأَخْذ مِنْهُ حَلَال وَالصَّدَقَة عَلَيْهِ أَفْضَل . 4936 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ خَيْر لَكُمْ مِنْ نَظِرَة إلَى مَيْسَرَة , فَاخْتَارَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الصَّدَقَة عَلَى النِّظَارَة . 4937 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } قَالَ : مِنْ النَّظِرَة { إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَة وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْر لَكُمْ } وَالنَّظِرَة وَاجِبَة , وَخَيْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الصَّدَقَة عَلَى النَّظِرَة , وَالصَّدَقَة لِكُلِّ مُعْسِر ; فَأَمَّا الْمُوسِر فَلَا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ , تَأْوِيل مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : وَأَنْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْمُعْسِر بِرُءُوسِ أَمْوَالكُمْ خَيْر لَكُمْ ; لِأَنَّهُ يَلِي ذِكْر حُكْمه فِي الْمَعْنَيَيْنِ , وَإِلْحَاقه بِاَلَّذِي يَلِيه أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ إلْحَاقه بِاَلَّذِي بَعُدَ مِنْهُ . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَات فِي أَحْكَام الرِّبَا هُنَّ آخِر آيَات نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4938 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ سَعِيد , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : كَانَ آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن آيَة الرِّبَا , وَإِنَّ نَبِيّ اللَّه قُبِضَ قَبْل أَنْ يُفَسِّرهَا , فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَة . 4939 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مُسْعَدَة , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر : أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَامَ , فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْد : فَإِنَّهُ وَاَللَّه مَا أَدْرِي , لَعَلَّنَا نَأْمُركُمْ بِأَمْرٍ لَا يَصْلُح لَكُمْ , وَمَا أَدْرِي لَعَلَّنَا نَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْر يَصْلُح لَكُمْ ; وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ آخِر آيَات الْقُرْآن تَنْزِيلًا آيَات الرِّبَا , فَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبَيِّنهُ لَنَا , فَدَعُوا مَا يُرِيبكُمْ إلَى مَا لَا يُرِيبكُمْ . 4940 - حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد عُمَر بْن شَبَّة , قَالَ : ثنا قَبِيصَة , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْأَحْوَل , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : آخِر مَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَة الرِّبَا , وَإِنَّا لَنَأْمُر بِالشَّيْءِ لَا نَدْرِي لَعَلَّ بِهِ بَأْسًا , وَنَنْهَى عَنْ الشَّيْء لَعَلَّهُ لَيْسَ بِهِ بَأْس .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • دليل فهم القرآن المجيد

    دليل فهم القرآن المجيد: كتابٌ مفيدٌ في التعريف بكيفية تدبُّر القرآن الكريم وفهمه، وقد قسَّمه المؤلف إلى ثلاثة فصول: الأول: إيقاظ وتنبيه قبل الانتفاع بالقرآن. الثاني: المنهج الصحيح لفهم القرآن المجيد. الثالث: بحوث ومناقشات في المعارف القرآنية. وذكر في آخر هذا الفصل: أهم الكتب المُعينة على فهم القرآن وعلومه. الخاتمة: وفيها تنبيهاتٌ بديعة نافعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371040

    التحميل:

  • منهاج المسلم الصغير

    كتاب يحتوي على رسومات توضيحية وجداول وتقسيمات لتعليم أحكام الطهارة والصلاة للأطفال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328241

    التحميل:

  • العروة الوثقى في ضوء الكتاب والسنة

    العروة الوثقى في ضوء الكتاب والسنة: قال المؤلف في مقدمة الكتاب: «فهذه رسالة مختصرة في كلمة التوحيد: العروة الوثقى، والكلمة الطيبة، وكلمة التقوى، وشهادة الحق، ودعوة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، جمعتُها لنفسي ولمن شاء الله تعالى من عباده».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193636

    التحميل:

  • حجز المكان في المسجد

    حجز المكان في المسجد : من المسائل المتعلِّقة بالمساجد التي كثر كلام أهل العلم فيها وشدَّدوا في النهي عنها، وبيَّنوا ما يترتّب عليها من المساوئ: مسألة «حجز المكان في المسجد»؛ فهذه المسألة أصبحت مألوفةً في كثير من المساجد، وبخاصة في الحرمين والمساجد التي يقصدها المصلّون لحُسن تلاوة أئمّتها، أو للصلاة على الجنائز فيها، وفي هذه الرسالة بيان بعض ما ذكره أهل العلم في مسألة حجز المكان في المسجد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233605

    التحميل:

  • توضيح المقصود في نظم ابن أبي داود

    المنظومة الحائية : هي قصيدة في العقيدة وأصول الدين، نظمها الإمام المحقق والحافظ المتقن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -. وهي منظومة شائعة الذكر، رفيعة الشأن، عذبة الألفاظ، سهلة الحفظ، لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند أهل العلم في قديم الزمان وحديثه. وقد تواتر نقلها عن ابن أبي داود - رحمة الله - فقد رواها عنه غير واحد من أهل العلم كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين وغيرهم، وثلاثتهم من تلاميذ الناظم، وتناولها غير واحد من أهل العلم بالشرح. والمنظومة تحتوي على بضع وثلاثين أو أربعين بيتاً، ينتهي كل بيت منها بحرف الحاء. - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في النونية: وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ..... حقا أبي داود ذي العرفان تصنيفه نظماً ونثراً واضح ..... في السنة المثلى هما نجمان

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314832

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة