Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 273

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ } أَمَّا قَوْله : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } فَبَيَان مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَبِيل النَّفَقَة وَوَجْههَا . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ , تُنْفِقُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه . وَاللَّام الَّتِي فِي الْفُقَرَاء مَرْدُودَة عَلَى مَوْضِع اللَّام فِي فَلِأَنْفُسِكُمْ , كَأَنَّهُ قَالَ : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر } يَعْنِي بِهِ : وَمَا تَتَصَدَّقُوا بِهِ مِنْ مَال , فَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه , فَلَمَّا اعْتَرَضَ فِي الْكَلَام بِقَوْلِهِ : " فَلِأَنْفُسِكُمْ " , فَأَدْخَلَ الْفَاء الَّتِي هِيَ جَوَاب الْجَزَاء فِيهِ تَرَكَتْ إعَادَتهَا فِي قَوْله : " لِلْفُقَرَاءِ " , إذْ كَانَ الْكَلَام مَفْهُومًا مَعْنَاهُ . كَمَا : 4861 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ } أَمَّا { لَيْسَ عَلَيْك

هُدَاهُمْ } فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ , وَأَمَّا النَّفَقَة فَبَيَّنَ أَهْلهَا , فَقَالَ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه . وَقِيلَ : إنَّ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , هُمْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ عَامَّة دُون غَيْرهمْ مِنْ الْفُقَرَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4862 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } مُهَاجِرِي قُرَيْش بِالْمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَمْر بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ . 4863 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ قَوْله : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه . .. } الْآيَة . قَالَ : هُمْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ . 4864 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : الَّذِينَ جَعَلَهُمْ جِهَادهمْ عَدُوّهُمْ يَحْصُرُونَ أَنْفُسهمْ فَيَحْبِسُونَهَا عَنْ التَّصَرُّف فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَار : تَصْيِير الرَّجُل الْمُحْصَر بِمَرَضِهِ أَوْ فَاقَته أَوْ جِهَاده عَدُوّهُ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ عِلَله إلَى حَالَة يَحْبِس نَفْسه فِيهَا عَنْ التَّصَرُّف فِي أَسْبَابه بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِيمَا مَضَى قَبْل . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4865 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : حَصَرُوا أَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه لِلْغَزْوِ . 4866 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : كَانَتْ الْأَرْض كُلّهَا كُفْرًا لَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يَخْرُج يَبْتَغِي مِنْ فَضْل اللَّه إذَا خَرَجَ خَرَجَ فِي كُفْر . وَقِيلَ : كَانَتْ الْأَرْض كُلّهَا حَرْبًا عَلَى أَهْل هَذَا الْبَلَد , وَكَانُوا لَا يَتَوَجَّهُونَ جِهَة إلَّا لَهُمْ فِيهَا عَدُوّ , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه .

.. } الْآيَة ; كَانُوا هَهُنَا فِي سَبِيل اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : الَّذِينَ أَحْصَرَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَمَنَعُوهُمْ التَّصَرُّف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4867 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } حَصَرَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمَدِينَة . وَلَوْ كَانَ تَأْوِيل الْآيَة عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ السُّدِّيّ , لَكَانَ الْكَلَام : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ حُصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنَّهُ " أُحْصِرُوا " , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَوْفهمْ مِنْ الْعَدُوّ الَّذِي صَيَّرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء إلَى الْحَال الَّتِي حَبَسُوا وَهُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَنْفُسهمْ , لَا أَنَّ الْعَدُوّ هُمْ كَانُوا الْحَابِسِيهِمْ , وَإِنَّمَا يُقَال لِمَنْ حَبَسَهُ الْعَدُوّ : حَصَرَهُ الْعَدُوّ , وَإِذَا كَانَ الرَّجُل الْمُحْبَس مِنْ خَوْف الْعَدُوّ قِيلَ : أَحْصَرَهُ خَوْف الْعَدُوّ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا يَسْتَطِيعُونَ تَقَلُّبًا فِي الْأَرْض , وَسَفَرًا فِي الْبِلَاد , ابْتِغَاء الْمَعَاش وَطَلَب الْمَكَاسِب , فَيَسْتَغْنُوا عَنْ الصَّدَقَات رَهْبَة الْعَدُوّ , وَخَوْفًا عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْهُمْ . كَمَا : 4868 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض } حَبَسُوا أَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه لِلْعَدُوِّ , فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تِجَارَة . 4869 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ

: ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض } يَعْنِي التِّجَارَة . 4870 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد قَوْله : { لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض } كَانَ أَحَدهمْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَخْرُج يَبْتَغِي مِنْ فَضْل اللَّه .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَحْسَبهُمْ الْجَاهِل أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّف } . يَعْنِي بِذَلِكَ : يَحْسَبهُمْ الْجَاهِل بِأَمْرِهِمْ وَحَالهمْ أَغْنِيَاء مِنْ تَعَفُّفهمْ عَنْ الْمَسْأَلَة وَتَرْكهمْ التَّعَرُّض لِمَا فِي أَيْدِي النَّاس صَبْرًا مِنْهُمْ عَلَى الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء . كَمَا : 4871 - حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { يَحْسَبهُمْ الْجَاهِل أَغْنِيَاء } يَقُول : يَحْسَبهُمْ

الْجَاهِل بِأَمْرِهِمْ أَغْنِيَاء مِنْ التَّعَفُّف . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنَ التَّعَفُّف } مِنْ تَرْك مَسْأَلَة النَّاس , وَهُوَ التَّفَعُّل مِنْ الْعِفَّة عَنْ الشَّيْء , وَالْعِفَّة عَنْ الشَّيْء : تَرْكه , كَمَا قَالَ رُؤْبَة : فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارهَا بَعْد الْعَسَق يَعْنِي بَرِئَ وَتَجَنَّبَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : تَعْرِفهُمْ يَا مُحَمَّد بِسِيمَاهُمْ , يَعْنِي بِعَلَامَتِهِمْ وَآثَارهمْ , مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههمْ مِنْ أَثَر السُّجُود } 48 29 هَذِهِ لُغَة قُرَيْش , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : " بِسِيمَائِهِمْ " فَيَمُدّهَا , وَأَمَّا ثَقِيف وَبَعْض أَسَد , فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : " بِسِيمِيَائِهِمْ " ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : غُلَام رَمَاهُ اللَّه بِالْحُسْنِ يَافِعًا لَهُ سِيمِيَاء لَا تَشُقّ عَلَى الْبَصَر وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السِّيمَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ وَأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ التَّخَشُّع وَالتَّوَاضُع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4872 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ } قَالَ : التَّخَشُّع . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ لَيْث , قَالَ : كَانَ مُجَاهِد يَقُول : هُوَ التَّخَشُّع . وَقَالَ آخَرُونَ يَعْنِي بِذَلِكَ : تَعْرِفهُمْ بِسِيمَا الْفَقْر وَجَهْد الْحَاجَة فِي وُجُوههمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4873 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ } بِسِيمَا الْفَقْر عَلَيْهِمْ . 4874 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ,

قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ } يَقُول : تَعْرِف فِي وُجُوههمْ الْجَهْد مِنْ الْحَاجَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَعْرِفهُمْ بِرَثَاثَةِ ثِيَابهمْ , وَقَالُوا : الْجُوع خَفِيّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4875 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ } قَالَ : السِّيمَا : رَثَاثَة ثِيَابهمْ , وَالْجُوع خَفِيّ عَلَى النَّاس , وَلَمْ تَسْتَطِعْ الثِّيَاب الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيهَا تَخْفَى عَلَى النَّاس . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَعْرِفهُمْ بِعَلَامَاتِهِمْ وَآثَار الْحَاجَة فِيهِمْ . وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِك تِلْكَ الْعَلَامَات وَالْآثَار مِنْهُمْ عِنْد الْمُشَاهَدَة بِالْعِيَانِ , فَيَعْرِفهُمْ وَأَصْحَابه بِهَا , كَمَا يُدْرِك الْمَرِيض فَيَعْلَم أَنَّهُ مَرِيض بِالْمُعَايَنَةِ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون تِلْكَ السِّيمَا كَانَتْ تَخَشُّعًا مِنْهُمْ , وَأَنْ تَكُون كَانَتْ أَثَر الْحَاجَة وَالضَّرّ , وَأَنْ تَكُون كَانَتْ رَثَاثَة الثِّيَاب , وَأَنْ تَكُون كَانَتْ جَمِيع ذَلِكَ , وَإِنَّمَا تُدْرَك عَلَامَات الْحَاجَة وَآثَار الضَّرّ فِي الْإِنْسَان , وَيَعْلَم أَنَّهَا مِنْ الْحَاجَة وَالضَّرّ بِالْمُعَايَنَةِ دُون الْوَصْف , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيض قَدْ يَصِير بِهِ فِي بَعْض أَحْوَال مَرَضه مِنْ الْمَرَض نَظَر آثَار الْمَجْهُود مِنْ الْفَاقَة وَالْحَاجَة , وَقَدْ يَلْبَس الْغَنِيّ ذُو الْمَال الْكَثِير الثِّيَاب الرَّثَّة , فَيَتَزَيَّا بِزِيِّ أَهْل الْحَاجَة , فَلَا يَكُون فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ دَلَالَة بِالصِّفَةِ عَلَى أَنَّ الْمَوْصُوف بِهِ مُخْتَلّ ذُو فَاقَة , وَإِنَّمَا يَدْرِي ذَلِكَ عِنْد الْمُعَايَنَة بِسِيمَاهُ , كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه نَظِير مَا يُعْرَف أَنَّهُ مَرِيض عِنْد الْمُعَايَنَة دُون وَصْفه بِصِفَتِهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلْحَافًا } . يُقَال : قَدْ أَلْحَفَ السَّائِل فِي مَسْأَلَته إذَا أَلَحَّ فَهُوَ يَلْحَف فِيهَا إلْحَافًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَفَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَسْأَلُونَ النَّاس غَيْر إلْحَاف ؟ قِيلَ : غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّاس شَيْئًا عَلَى وَجْه الصَّدَقَة , إلْحَافًا أَوْ غَيْر إلْحَاف , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْل تَعَفُّف , وَأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ , فَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَة مِنْ شَأْنهمْ لَمْ تَكُنْ صِفَتهمْ التَّعَفُّف , وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عِلْم مَعْرِفَتهمْ بِالْأَدِلَّةِ وَالْعَلَامَة حَاجَة , وَكَانَتْ الْمَسْأَلَة الظَّاهِرَة تُنْبِئ عَنْ حَالهمْ وَأَمْرهمْ . وَفِي الْخَبَر الَّذِي : 4876 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد ,

عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ هِلَال بْن حِصْن , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : أَعْوَزَنَا مَرَّة فَقِيلَ لِي : لَوْ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْته . فَانْطَلَقْت إلَيْهِ مُعَنِّقًا , فَكَانَ أَوَّل مَا وَاجَهَنِي بِهِ : " مَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّه , وَمَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّه , وَمَنْ سَأَلَنَا لَمْ نَدَّخِر عَنْهُ شَيْئًا نَجِدهُ " , قَالَ : فَرَجَعْت إلَى نَفْسِي , فَقُلْت : أَلَا أَسْتَعِفُّ فَيُعِفَّنِي اللَّه ! فَرَجَعْت فَمَا سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا بَعْد ذَلِكَ مِنْ أَمْر حَاجَة حَتَّى مَالَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا فَغَرَّقَتْنَا إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّه . الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى أَنَّ التَّعَفُّف مَعْنَى يَنْفِي مَعْنَى الْمَسْأَلَة مِنْ الشَّخْص الْوَاحِد , وَأَنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالتَّعَفُّفِ فَغَيْر مَوْصُوف بِالْمَسْأَلَةِ إلْحَافًا أَوْ غَيْر إلْحَاف . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت , فَمَا وَجْه قَوْله : { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلْحَافًا } وَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلْحَافًا أَوْ غَيْر إلْحَاف ؟ قِيلَ لَهُ : وَجْه ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالتَّعَفُّفِ وَعَرَّفَ عِبَاده أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل مَسْأَلَة بِحَالٍ بِقَوْلِهِ : { يَحْسَبهُمْ الْجَاهِل أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّف } وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يُعْرَفُونَ بِالسِّيمَا , زَادَ عِبَادَهُ إبَانَة لِأَمْرِهِمْ , وَحُسْن ثَنَاء عَلَيْهِمْ بِنَفْيِ الشَّرَه وَالضَّرَاعَة الَّتِي تَكُون فِي الْمُلِحِّينَ مِنْ السُّؤَال عَنْهُمْ . وَقَالَ : كَانَ بَعْض الْقَائِلِينَ يَقُول فِي ذَلِكَ نَظِير قَوْل الْقَائِل : فَلَمَّا رَأَيْت مِثْل فُلَان , وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَهُ مِثْله أَحَدًا وَلَا نَظِيرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْإِلْحَاف قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4877 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلْحَافًا } قَالَ : لَا يَلْحَفُونَ فِي الْمَسْأَلَة . 4878 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلْحَافًا } قَالَ : هُوَ الَّذِي يُلِحّ فِي الْمَسْأَلَة . 4879 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلْحَافًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " إنَّ اللَّه يُحِبّ الْحَلِيم الْغَنِيّ الْمُتَعَفِّف , وَيُبْغِض الْغَنِيّ الْفَاحِش الْبَذِيَّ السَّائِل الْمُلْحِف " قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا , قِيلَ وَقَالَ , وَإِضَاعَة الْمَال وَكَثْرَة السُّؤَال " فَإِذَا شِئْت رَأَيْته فِي قِيلَ وَقَالَ يَوْمه أَجْمَعَ وَصَدْر لَيْلَته , حَتَّى يُلْقَى جِيفَة عَلَى فِرَاشه , لَا يَجْعَل اللَّه لَهُ مِنْ نَهَاره وَلَا لَيْلَته نَصِيبًا , وَإِذَا شِئْت رَأَيْته ذَا مَال فِي شَهْوَته وَلَذَّاته وَمَلَاعِبه , وَيَعْدِلهُ عَنْ حَقّ اللَّه , فَذَلِكَ إضَاعَة الْمَال , وَإِذَا شِئْت رَأَيْته بَاسِطًا ذِرَاعَيْهِ , يَسْأَل النَّاس فِي كَفَّيْهِ , فَإِذَا أُعْطِيَ أَفْرَطَ فِي مَدْحهمْ , وَإِنْ مَنَعَ أَفْرَطَ فِي ذَمّهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسالة المسلم في حقبة العولمة

    رسالة المسلم في حقبة العولمة: العولمة تعني: الاِتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد، وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة استعمال هذا اللفظ بمعنى جعل الشيء عالميًّا. وقد تحدَّث الشيخ - حفظه الله - في هذه الرسالة عن هذا الموضوع وواجب المسلمين في هذه الأحوال والوقائع.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337583

    التحميل:

  • موضوعات صالحة للخطب والوعظ

    يحتوي هذا الكتاب على 37 خطبة استفادها المصنف من كتب العلامة ابن القيم - رحمه الله -. والخطب منها ما يتعلق بمعرفة الله - سبحانه وتعالى - بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإنسان وميزانه ومصيره، إلى غير ذلك

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70856

    التحميل:

  • ما لا يسع المسلم جهله

    ما لا يسع المسلمَ جهلُه: يتناول هذا الكتاب ما يجب على كل مسلم تعلُّمه من أمور دينه؛ فذكر مسائل مهمة في باب العقيدة، وما قد يعتري عليها من الفساد إذا ما جهل المسلم محتوياتها، وما يتطلبها من أخذ الحيطة والحذر عما يخالفها، كما تحدَّث عن أهمية متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يعمله المسلم في باب العبادات والمعاملات، ويحمل أهمية بالغة لكل من يريد معرفة الإسلام بإيجاز وبصورة صحيحة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/369712

    التحميل:

  • كلمات السداد على متن الزاد

    شرح لكتاب زاد المستقنع، تصنيف العلامة شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم المقدسي الحجاوي المتوفى عام 968هـ من الهجرة، وهو مختصر كتاب (المقنع) الذي صنفه الإمام موفق الدين بن عبد الله بن أحمد بن قدامة المتوفى عام 620هـ، وهو كتاب مفيد في موضوعه، وقد شرحه شرحاً لطيفاً فضيلة الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك - رحمه الله - ليتم النفع به، وسماه ( كلمات السداد على متن الزاد ) فجزاه الله أحسن الجزاء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2545

    التحميل:

  • نور الهدى وظلمات الضلال في ضوء الكتاب والسنة

    نور الهدى وظلمات الضلال في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «نور الهدى وظلمات الضلالة»، بيّنت فيها بإيجاز نور الإسلام، والإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والسُّنّة، والتقوى، كما بيّنت ظلمات الكفر، والشرك، والنفاق، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة، والبدعة والمعاصي، وكل ذلك مقروناً بالأدلة من الكتاب الكريم، والسنة المطهرة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193644

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة