Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 255

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه لَا إلَه إلَّا هُوَ } . قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى تَأْوِيل قَوْله : " اللَّه " . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { لَا إلَه إلَّا هُوَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : النَّهْي عَنْ أَنْ يُعْبَد شَيْء غَيْر اللَّه الْحَيّ الْقَيُّوم الَّذِي

صِفَته مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسه تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْآيَة . يَقُول : " اللَّه " الَّذِي لَهُ عِبَادَة الْخَلْق " الْحَيّ الْقَيُّوم " , لَا إلَه سِوَاهُ , لَا مَعْبُود سِوَاهُ , يَعْنِي : وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَى الْحَيّ الْقَيُّوم الَّذِي لَا يَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم , وَاَلَّذِي صِفَته مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَة . وَهَذِهِ الْآيَة إبَانَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَقْوَال الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْبَيِّنَات مِنْ بَعْد الرُّسُل الَّذِينَ أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَأَتْلَفُوا فِيهِ , فَاقْتَتَلُوا فِيهِ كُفْرًا بِهِ مِنْ بَعْض , وَإِيمَانًا بِهِ مِنْ بَعْض . فَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّصْدِيقِ بِهِ وَوَفَّقْنَا لِلْإِقْرَارِ

وَأَمَّا قَوْله : { الْحَيّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي لَهُ الْحَيَاة الدَّائِمَة , وَالْبَقَاء الَّذِي لَا أَوَّل لَهُ يُحَدّ , وَلَا آخِر لَهُ يُؤَمَّد , إذْ كَانَ كُلّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَلِحَيَاتِهِ أَوَّل مَحْدُود وَآخِر مَمْدُود , يَنْقَطِع بِانْقِطَاعِ أَمَدهَا وَيَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ غَايَتهَا . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4496 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا

ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { الْحَيّ } حَيّ لَا يَمُوت . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْبَحْث فِي تَأْوِيل ذَلِك , فَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّمَا سَمَّى اللَّه نَفْسه حَيًّا لِصَرْفِهِ الْأُمُور مَصَارِفهَا وَتَقْدِيره الْأَشْيَاء مَقَادِيرهَا , فَهُوَ حَيّ بِالتَّدْبِيرِ لَا بِحَيَاةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَيّ بِحَيَاةٍ هِيَ لَهُ صِفَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِك اسْم مِنْ الْأَسْمَاء تَسَمَّى بِهِ , فَقُلْنَاهُ تَسْلِيمًا لِأَمْرِهِ .

وَأَمَّا قَوْله : { الْقَيُّوم } فَإِنَّهُ " الْفَيْعُول " مِنْ الْقِيَام , وَأَصْله " الْقَيْوُوم " : سَبَقَ عَيْن الْفِعْل وَهِيَ وَاو يَاء سَاكِنَة , فَأُدْغِمَتَا فَصَارَتَا يَاء مُشَدَّدَة ; وَكَذَلِك تَفْعَل الْعَرَب فِي كُلّ وَاو كَانَتْ لِلْفِعْلِ عَيْنًا سَبَقَتْهَا يَاء سَاكِنَة . وَمَعْنَى قَوْله : { الْقَيُّوم } : الْقَائِم بِرِزْقِ مَا خَلَقَ وَحِفْظه , كَمَا قَالَ أُمَيَّة : لَمْ يَخْلُق السَّمَاء وَالنُّجُوم وَالشَّمْس مِنْهَا قَمَر يَقُوم قَدْر
الْمُهِين الْقَيُّوم وَالْحَشْر وَالْجَنَّة وَالْجَحِيم إلَّا لِأَمْرٍ شَأْنه عَظِيم وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4497 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثِنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { الْقَيُّوم } قَالَ : الْقَائِم عَلَى كُلّ شَيْء . 4498 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { الْقَيُّوم } قَيِّم كُلّ شَيْء , يَكْلَؤُهُ وَيَرْزُقهُ وَيَحْفَظهُ

. 4499 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { الْقَيُّوم } وَهُوَ الْقَائِم . 4500 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { الْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : الْقَائِم الدَّائِم .

الْقَوْل فِي تَأْوِيله قَوْله تَعَالَى : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ { لَا تَأْخُذهُ سِنَة } لَا يَأْخُذهُ نُعَاس فَيَنْعَس , وَلَا نَوْم فَيَسْتَثْقِل نَوْمًا . وَالْوَسَن : خُثُورَة النَّوْم , وَمِنْهُ قَوْل عَدِيّ بْن الرِّقَاع : وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاس فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنه سِنَة وَلَيْسَ بِنَائِمِ وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا خُثُورَة النَّوْم فِي عَيْن الْإِنْسَان , قَوْل الْأَعْشَى مَيْمُون بْن قَيْس : تُعَاطِي الضَّجِيع إذَا أَقْبَلَتْ بُعَيْد النُّعَاس وَقَبْل الْوَسَن وَقَالَ آخَر : بَاكَرَتْهَا الْأَغْرَاب فِي سِنَة النَّوْ مِ فَتَجْرِي خِلَال شَوْك السَّيَال يَعْنِي عِنْد هُبُوبهَا مِنْ النَّوْم وَوَسَن النَّوْم فِي عَيْنهَا , يُقَال مِنْهُ : وَسِنَ فُلَان فَهُوَ وَسِن وَسَنًا وَسِنَة وَهُوَ سَنُون , إذَا كَانَ كَذَلِك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4501 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِيّ مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة } قَالَ : السِّنَة : النُّعَاس , وَالنَّوْم : هُوَ النَّوْم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني

أَبِي , قَالَ : ثَنِيّ عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة } السِّنَة : النُّعَاس . 4502 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يُحْيِي , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّازِق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَن فِي قَوْله : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة } قَالَا : نَعْسَة . 4503 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثِنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } قَالَ : السِّنَة : الْوَسْنَة , وَهُوَ دُون النَّوْم , وَالنَّوْم : الِاسْتِثْقَال , * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } السِّنَة : النُّعَاس , وَالنَّوْم : الِاسْتِثْقَال , * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله سَوَاء . 4504 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } أَمَّا سِنَة : فَهُوَ رِيح النَّوْم الَّذِي يَأْخُذ فِي الْوَجْه فَيَنْعَس الْإِنْسَان . 4505 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } قَالَ : السِّنَة : الْوَسْنَان بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان . 4506 - حَدَّثَنِي عَبَّاس بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا مُنْجَاب بْن الْحَرْث , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مُسْهِر , عَنْ إسْمَاعِيل عَنْ يَحْيَى بْن رَافِع : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة } قَالَ : النُّعَاس . 4507 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } قَالَ : الْوَسْنَان : الَّذِي يَقُوم مِنْ النَّوْم لَا يَعْقِل , حَتَّى رُبَّمَا أَخَذَ السَّيْف عَلَى أَهْله . وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } لَا تَحِلّهُ الْآفَات , وَلَا تَنَالهُ الْعَاهَات . وَذَلِك أَنَّ السِّنَة وَالنَّوْم مَعْنَيَانِ يَغْمُرَانِ فَهْم ذِي الْفَهْم , وَيُزِيلَانِ مَنْ أَصَابَاهُ عَنْ الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْل أَنْ يُصِيبَاهُ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : اللَّه لَا إلَه إلَّا هُوَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت , الْقَيُّوم عَلَى كُلّ مَا هُوَ دُونه بِالرِّزْقِ وَالْكِلَاءَة وَالتَّدْبِير وَالتَّصْرِيف مِنْ حَال إلَى حَال , لَا تَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم , لَا يُغَيِّرهُ مَا يُغَيِّر غَيْره , وَلَا يُزِيلهُ عَمَّا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ تَنَقُّل الْأَحْوَال وَتَصْرِيف اللَّيَالِي وَالْأَيَّام , بَلْ هُوَ الدَّائِم عَلَى حَال , وَالْقَيُّوم عَلَى جَمِيع الْأَنَام , لَوْ نَامَ كَانَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا , لِأَنَّ النَّوْم غَالِب النَّائِم قَاهِره , وَلَوْ وَسِنَ لَكَانَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِمَا دَكًّا , لِأَنَّ قِيَام جَمِيع ذَلِك بِتَدْبِيرِهِ وَقُدْرَته , وَالنَّوْم شَاغِل الْمُدَبِّر عَنْ التَّدْبِير , وَالنُّعَاس مَانِع الْمُقَدِّر عَنْ التَّقْدِير بِوَسْنِه . كَمَا : 4508 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَ فِي الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة مَوْلَى ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { لَا يَأْخُذهُ سِنَة وَلَا نَوْم } أَنَّ مُوسَى سَأَلَ الْمَلَائِكَة : هَلْ يَنَام اللَّه ؟ فَأَوْحَى اللَّه إلَى الْمَلَائِكَة , وَأَمَرَهُمْ أَنَّ يُؤَرِّقُوهُ ثَلَاثًا فَلَا يَتْرُكُوهُ يَنَام . فَفَعَلُوا , ثُمَّ أَعْطَوْهُ قَارُورَتَيْنِ فَأَمْسَكُوهُ , ثُمَّ تَرَكُوهُ وَحَذَّرُوهُ أَنْ يَكْسِرهُمَا . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَس وَهُمَا فِي يَدَيْهِ , فِي كُلّ يَد وَاحِدَة . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَس وَيَنْتَبِه , وَيَنْعَس وَيَنْتَبِه , حَتَّى نَعَسَ نَعْسَة , فَضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَكَسَرَهُمَا . قَالَ مَعْمَر : إنَّمَا هُوَ مِثْل ضَرَبَهُ اللَّه , يَقُول : فَكَذَلِكَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي يَدَيْهِ . 4509 - حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن أَبِي إسْرَائِيل , قَالَ : ثنا هِشَام بْن يُوسُف , عَنْ أُمَيَّة بْن شِبْل , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر , قَالَ : " وَقَعَ فِي نَفْس مُوسَى هَلْ يَنَام اللَّه تَعَالَى ذِكْره ؟ فَأَرْسَلَ اللَّه إلَيْهِ مَلَكًا فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا , ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ , فِي كُلّ يَد قَارُورَة , أَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظ بِهِمَا " قَالَ : " فَجَعَلَ يَنَام وَتَكَاد يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ , ثُمَّ يَسْتَيْقِظ فَيَحْبِس إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى , ثُمَّ نَامَ نَوْمَة فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتْ الْقَارُورَتَانِ " . قَالَ : ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا لَهُ , أَنَّ اللَّه لَوْ كَانَ يَنَام لَمْ تَسْتَمْسِك السَّمَاء وَالْأَرْض .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَع عِنْده إلَّا بِإِذْنِهِ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } أَنَّهُ مَالِك جَمِيع ذَلِك بِغَيْرِ شَرِيك وَلَا نَدِيد , وَخَالِق جَمِيعه دُون كُلّ آلِهَة وَمَعْبُود . وَإِنَّمَا يُعْنَى بِذَلِك أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَة لِشَيْءٍ سِوَاهُ , لِأَنَّ الْمَمْلُوك إنَّمَا هُوَ طَوْع يَد مَالِكه , وَلَيْسَ لَهُ خِدْمَة غَيْره إلَّا بِأَمْرِهِ . يَقُول : فَجَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مِلْكِي وَخَلْقِي , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْبُد أَحَد مِنْ لَقَى غَيْرِي وَأَنَا مَالِكه , لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْبُد غَيْر مَالِكه , وَلَا يُطِيع سِوَى مَوْلَاهُ . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ ذَا الَّذِي يَشْفَع عِنْده إلَّا بِإِذْنِهِ } يَعْنِي بِذَلِك : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَع لِمَمَالِيكِهِ إنْ أَرَادَ عُقُوبَتهمْ إلَّا أَنْ يَلِيَهُ , وَيَأْذَن لَهُ بِالشَّفَاعَةِ لَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك تَعَالَى ذِكْره لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : مَا نَعْبُد أَوْثَاننَا هَذِهِ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا

إلَى اللَّه زُلْفَى , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : لِي مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مَعَ السَّمَوَات وَالْأَرْض مُلْكًا , فَلَا يَنْبَغِي الْعِبَادَة لِغَيْرِي , فَلَا تَعْبُدُوا الْأَوْثَان الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُقَرِّبكُمْ مِنِّي زُلْفَى , فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعكُمْ عِنْدِي وَلَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا , وَلَا يَشْفَع عِنْدِي أَحَد لِأَحَدٍ إلَّا بِتَخْلِيَتِي إيَّاهُ وَالشَّفَاعَة لِمَنْ يَشْفَع لَهُ , مِنْ رُسُلِي وَأَوْلِيَائِي وَأَهْل طَاعَتِي .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُحِيط بِكُلِّ مَا كَانَ وَبِكُلِّ مَا هُوَ كَائِن عِلْمًا , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4510 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ }


الدُّنْيَا { وَمَا خَلْفهمْ } الْآخِرَة . 4511 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ } مَا مَضَى مِنْ الدُّنْيَا { وَمَا خَلْفهمْ } مِنْ الْآخِرَة . 4512 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ قَوْله : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ } مَا مَضَى أَمَامهمْ مِنْ الدُّنْيَا { وَمَا خَلْفهمْ } مَا يَكُون بَعْدهمْ مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . 4513 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثِنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ } قَالَ : مَا بَيْن أَيْدِيهمْ فَالدُّنْيَا { وَمَا خَلْفهمْ } فَالْآخِرَة .

وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمه إلَّا بِمَا شَاءَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ الْعَالِم الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مُحِيط بِذَلِك كُلّه مُحْصٍ لَهُ دُون سَائِر مَنْ دُونه , وَأَنَّهُ لَا يَعْلَم أَحَد سِوَاهُ شَيْئًا إلَّا بِمَا شَاءَ هُوَ أَنْ يَعْلَمهُ فَأَرَادَ فَعَلِمَهُ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِك أَنَّ الْعِبَادَة لَا تَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ بِالْأَشْيَاءِ جَاهِلًا فَكَيْفَ يُعْبَد مَنْ لَا يَعْقِل شَيْئًا الْبَتَّة مِنْ

وَثَن وَصَنَم , يَقُول : أَخْلِصُوا الْعِبَادَة لِمَنْ هُوَ مُحِيط بِالْأَشْيَاءِ كُلّهَا يَعْلَمهَا , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ صَغِيرهَا وَكَبِيرهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4514 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمه } يَقُول : لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمه إلَّا بِمَا شَاءَ هُوَ أَنْ يُعْلِمهُمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْكُرْسِيّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ وَسِعَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ عِلْم اللَّه تَعَالَى ذِكْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4515 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَسَلْم بْن جُنَادَةَ , قَالَا : ثنا ابْن إدْرِيس , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَسِعَ كُرْسِيّه } قَالَ : كُرْسِيّه : عِلْمه . 4516 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَرِّف , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , مِثْله , وَزَادَ فِيهِ : أَلَا تَرَى إلَى قَوْله : { وَلَا يَئُودهُ حِفْظهمَا } ؟ وَقَالَ آخَرُونَ : الْكُرْسِيّ : مَوْضِع الْقَدَمَيْنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4517 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن مُسْلِم الطُّوسِيّ , قَالَ

: ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن جُحَادَةَ , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر , عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ : الْكُرْسِيّ : مَوْضِع الْقَدَمَيْنِ , وَلَهُ أَطِيط كَأَطِيطِ الرَّحْل . 4518 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَاوُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثِنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } فَإِنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي جَوْف الْكُرْسِيّ , وَالْكُرْسِيّ بَيْن يَدَيْ الْعَرْش , وَهُوَ مَوْضِع قَدَمَيْهِ . 4519 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : كُرْسِيّه الَّذِي يُوضَع تَحْت الْعَرْش , الَّذِي يَجْعَل الْمُلُوك عَلَيْهِ أَقْدَامهمْ , 4520 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَمَّار الدُّهْنِيّ , عَنْ مُسْلِم الْبُطَيْن , قَالَ : الْكُرْسِيّ : مَوْضِع الْقَدَمَيْنِ . 4521 - حَدَّثَنِي عَنْ عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا الْكُرْسِيّ وَسِعَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَكَيْفَ الْعَرْش فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره } إلَى قَوْله : { سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } . 39 67 4522 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ ابْن زَيْد : فَحَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا السَّمَوَات السَّبْع فِي الْكُرْسِيّ إلَّا كَدَرَاهِم سَبْعَة أُلْقِيَتْ فِي تُرْس " . قَالَ : وَقَالَ أَبُو ذَرّ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَا الْكُرْسِيّ فِي الْعَرْش إلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيد أُلْقِيَتْ بَيْن ظَهْرَيْ فَلَاة مِنْ الْأَرْض " . وَقَالَ آخَرُونَ : الْكُرْسِيّ : هُوَ الْعَرْش نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4523 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : الْكُرْسِيّ : هُوَ الْعَرْش . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلِكُلِّ قَوْل مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال وَجْه وَمَذْهَب , غَيْر أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مَا : 4524 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد الْقَطَوَانِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْرَائِيل , عَنْ أَبَى إسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَلِيفَة , قَالَ : أَتَتْ امْرَأَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ : اُدْعُ اللَّه أَنْ يَدُلّنِي الْجَنَّة ! فَعَظَّمَ الرَّبّ تَعَالَى ذِكْره , ثُمَّ قَالَ : " إنَّ كُرْسِيّه وَسِعَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَأَنَّهُ لَيَقْعُد عَلَيْهِ فَمَا يَفْضُل مِنْهُ مِقْدَار أَرْبَع أَصَابِع " ثُمَّ قَالَ بِأَصَابِعِهِ فَجَمَعَهَا : " وَإِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْل الْجَدِيد إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَله " * - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبَى زِيَاد , قَالَ : ثِنَا يَحْيَى بْن أَبِي بَكْر , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَلِيفَة , عَنْ عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَلِيفَة , قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَة , فَذَكَرَ نَحْوه . وَأَمَّا الَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّته ظَاهِر الْقُرْآن فَقَوْل ابْن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ عِلْمُهُ , وَذَلِك لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا يَئُودهُ حِفْظهمَا } عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَئُودهُ حِفْظ مَا عَلِمَ , وَأَحَاطَ بِهِ مِمَّا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَته أَنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ : { رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا } 40 7 فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّ عِلْمه وَسِعَ كُلّ شَيْء , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض } . وَأَصْل الْكُرْسِيّ : الْعِلْم , وَمِنْهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ يَكُون فِيهَا عِلْم مَكْتُوب كُرَّاسَة , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز فِي صِفَة قَانِص : حَتَّى إذَا مَا احْتَازَهَا تَكَرُّسًا يَعْنِي عَلِمَ . وَمِنْهُ يُقَال لِلْعُلَمَاءِ : الْكَرَاسِيّ , لِأَنَّهُمْ الْمُعْتَمَد عَلَيْهِمْ , كَمَا يُقَال : أَوْتَاد الْأَرْض , يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ الْعُلَمَاء الَّذِي تَصْلُح بِهِمْ الْأَرْض ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يُحَفّ بِهِمْ بِيض الْوُجُوه وَعُصْبَة كَرَاسِيّ بِالْأَحْدَاثِ حِين تَنُوب يَعْنِي بِذَلِك عُلَمَاء بِحَوَادِث الْأُمُور وَنَوَازِلهَا . وَالْعَرَب تُسَمِّي أَصْل كُلّ شَيْء الْكِرْس , يُقَال مِنْهُ : فُلَان كَرِيم الْكِرْس : أَيْ كَرِيم الْأَصْل , قَالَ الْعَجَّاج : قَدْ عَلِمَ الْقُدُّوس مَوْلَى الْقُدْس أَنَّ أَبَا الْعَبَّاس أَوْلَى نَفْس بِمَعْدِنِ الْمُلْك الْكَرِيم الْكِرْس يَعْنِي بِذَلِك : الْكَرِيم الْأَصْل , وَيُرْوَى : فِي مَعْدِن الْعِزّ الْكَرِيم الْكِرْس

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَئُودهُ حِفْظهمَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } وَلَا يَشُقّ عَلَيْهِ وَلَا يَعْقِلهُ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ آدَنِي هَذَا الْأَمْر فَهُوَ يَئُودنِي أَوْدًا وَإِيَادًا , وَيُقَال :

مَا آدَك فَهُوَ لِي آئِد , يَعْنِي بِذَلِك : مَا أَثْقَلَك فَهُوَ لِي مُثْقِل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4525 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } يَقُول : لَا يَثْقُل عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يَثْقُل عَلَيْهِ حِفْظهمَا . 4526 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } لَا يُعْقَل عَلَيْهِ لَا يُجْهِدهُ حِفْظهمَا . 4527 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يُعْقَل عَلَيْهِ شَيْء . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا يُوسُف بْن خَالِد السَّمْتِيّ , قَالَ : ثنا نَافِع بْن مَالِك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَا يَئُودهُ حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يَثْقُل عَلَيْه حِفْظهمَا . 4528 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي زَائِدَةَ , وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يُعْقَل عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله . 4529 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْته - يَعْنِي خَلَّادًا - يَقُول : سَمِعْت أَبَا عَبْد الرَّحْمَن الْمَدِينِيّ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يَكْثُر عَلَيْهِ . 4530 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يُكْرِثهُ . 4531 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثِنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يَثْقُل عَلَيْهِ . 4532 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثِنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } يَقُول : لَا يَثْقُل عَلَيْهِ حِفْظهمَا . 4533 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَئُودُه حِفْظهمَا } قَالَ : لَا يَعِزّ عَلَيْهِ حِفْظهمَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْهَاء وَالْمِيم وَالْأَلِف فِي قَوْله : { حِفْظهمَا } مِنْ ذِكْر السَّمَوَات وَالْأَرْض ; فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَسِعَ كُرْسِيّه السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَلَا يَثْقُل عَلَيْهِ حِفْظ السَّمَوَات وَالْأَرْض .

وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَهُوَ الْعَلِيّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاَللَّه الْعَلِيّ . وَالْفَعِيل : الْفَعِيل مِنْ قَوْلك عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا : إذَا ارْتَفَعَ , فَهُوَ عَالٍ وَعَلِيّ , وَالْعَلِيّ : ذُو الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع عَلَى خَلْقه بِقُدْرَتِهِ . وَكَذَلِك قَوْله : { الْعَظِيم } ذُو الْعَظَمَة , الَّذِي كُلّ شَيْء دُونه , فَلَا شَيْء أَعْظَم مِنْهُ . كَمَا : 4534 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : الْعَظِيم الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَته . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْبَحْث فِي مَعْنَى قَوْله : { وَهُوَ الْعَلِيّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِذَلِك ; وَهُوَ الْعَلِيّ عَنْ النَّظِير وَالْأَشْبَاه . وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِك : وَهُوَ الْعَلِيّ الْمَكَان , وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ يَخْلُو مِنْهُ مَكَان , وَلَا مَعْنًى لِوَصْفِهِ بِعُلُوِّ الْمَكَان ; لِأَنَّ ذَلِك وَصْفه بِأَنَّهُ فِي مَكَان دُون مَكَان . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِك : وَهُوَ الْعَلِيّ عَلَى خَلْقه بِارْتِفَاعِ مَكَانه عَنْ أَمَاكِن خَلْقه , لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْره فَوْق جَمِيع خَلْقه وَخَلْقه دُونه , كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسه أَنَّهُ عَلَى الْعَرْش , فَهُوَ عَالٍ بِذَلِك عَلَيْهِمْ . وَكَذَلِك اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { الْعَظِيم } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى الْعَظِيم فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمُعَظَّم صُرِفَ الْمُفَعَّل إلَى فَعِيل , كَمَا قِيلَ لِلْخَمْرِ الْمُعَتَّقَة : خَمْر عَتِيق , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَكَأَنَّ الْخَمْر الْعَتِيق مِنْ الْإِسْ فَنْطِ مَمْزُوجَةً بِمَاءٍ زُلَال وَإِنَّمَا هِيَ مُعْتَقَّة . قَالُوا : فَقَوْله " الْعَظِيم " مَعْنَاهُ : الْمُعَظَّم الَّذِي يُعَظِّمهُ خَلْقه وَيَهَابُونَهُ وَيَتَّقُونَهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَمِل قَوْل الْقَائِل : هُوَ عَظِيم أَحَد مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : مَا وَصَفْنَا

مِنْ أَنَّهُ مُعَظَّم ; وَالْآخَر : أَنَّهُ عَظِيم فِي الْمِسَاحَة وَالْوَزْن . قَالُوا : وَفِيّ بِطُولِ الْقَوْل بِأَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِك : أَنَّهُ عَظِيم فِي الْمِسَاحَة وَالْوَزْن صِحَّة الْقَوْل بِمَا قُلْنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل قَوْله : { الْعَظِيم } هُوَ أَنَّ لَهُ عَظَمَة هِيَ لَهُ صِفَة . وَقَالُوا : لَا نَصِف عَظَمَته بِكَيْفِيَّةٍ , وَلَكِنَّا نُضِيف ذَلِك إلَيْهِ مِنْ جِهَة الْإِثْبَات , وَنَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُون ذَلِك عَلَى مَعْنَى مُشَابَهَة الْعِظَم الْمَعْرُوف مِنْ الْعِبَاد , لِأَنَّ ذَلِك تَشْبِيه لَهُ بِخَلْقِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِك . وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ أَهْل الْمَقَالَة الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرهَا , وَقَالُوا : لَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِك أَنَّهُ مُعَظَّم , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون قَدْ كَانَ غَيْر عَظِيم قَبْل أَنْ يَخْلُق الْخَلْق , وَأَنْ يَبْطُل مَعْنَى ذَلِك عِنْد فَنَاء الْخَلْق , لِأَنَّهُ لَا مُعَظِّم لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْله : إنَّهُ الْعَظِيم وَصْف مِنْهُ نَفْسه بِالْعِظَمِ . وَقَالُوا : كُلّ مَا دُونه مِنْ خَلْقه فَبِمَعْنَى الصِّغَر لِصِغَرِهِمْ عَنْ عَظَمَته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • طلائع الفجر في الجمع بين قراءتي عاصم وأبي عمرو

    طلائع الفجر في الجمع بين قراءتي عاصم وأبي عمرو: مذكرة جـمعت بـين قراءة عاصم بن أبي النّجود الكوفي بروايتي شعبة بن عياش، وحفص بن سليمان، وقراءة أبي عمرو زبَّـان بن العلاء المازني البصري بروايتي حفص بن عمر الدوري، وصالـح بن زياد السوسي اللذين رويا عنه القراءة بواسطة أبي محمد يـحيى بن المبارك اليزيدي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2061

    التحميل:

  • منهاج المسلم

    منهاج المسلم : كتاب عقائد وآداب وأخلاق وعبادات ومعاملات. قال عنه مصنفه - حفظه الله -: « وها هو الكتاب يقدم إلى الصالحين من إخوة الإسلام في كل مكان، يقدم كتاباً ولو لم أكن مؤلفه وجامعه لوصفته بما عساه أن يزيد في قيمته، ويكثر من الرغبة فيه، والإقبال عليه، ولكن حسبي من ذلك ما أعتقد فيه: أنه كتاب المسلم الذي لا ينبغي أن يخلو منه بيت مسلم ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2427

    التحميل:

  • عيدكم مبارك

    عيدكم مبارك: وقفاتٌ مع العيد وآدابه فيها التنبيه على: صلة الأرحام، والتوبة من المعاصي، وكيفية الاحتفال بالعيد، وبيان أنه ليس في الإسلام سوى عيدين: عيد الفطر والأضحى، وبيان من هم الفائزون حقًّا بعد الصيام والقيام، ثم التنبيه على بعض المخالفات التي يقع فيها الكثير من المسلمين، والمخالفات النسائية التي تظهر في ذلك اليوم أكثر من غيره، ثم في الأخير شروط الحجاب الشرعي.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/319839

    التحميل:

  • التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث

    التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث : كتاب في 219 صفحة طبع عام 1412هـ جعله مؤلفه أحد علوم الحديث ويعبر عنه بـ: لا يصح في الباب شيء ونحوها. ذكرها بعض العلماء في مضامين كتبهم وأول من ألف فيها على استقلال –فيما يعلم الشيخ- الموصلي ت 622هـ ومن بعده تخريج له أو تعقيب أو اختصار فجمع الشيخ ما فيها وأضاف لها ما وقف عليه وجعل مسائله على كتب وأبواب الفقه وما خرج عنها جعله في كتاب جامع وقد دعاه إلى جمع هذا الكتاب تقريب العلم لطلابه حتى ينتقلوا من قليله لكثيرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169195

    التحميل:

  • عيسى الحقيقي وعيسى المزيف في العهد الجديد

    عيسى الحقيقي وعيسى المزيف في العهد الجديد: كتاب جديد ومهم يتناول صورة عيسى الحقيقية والمزيفة بالإنجيل من تأليف الشيخ صالح السبيل وهو متخصص بالمقارنة بين الأديان وقد أمضى أكثر من عشرين سنة في دراسة الأنجيل و الأديان الأخرى وقد تم تأليف الكتاب باللغة الإنجليزية مباشرة ثم ترجم إلى العربية.

    الناشر: موقع التصور الصحيح للمسيح http://www.jesusdepictions.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385680

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة