Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 254

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْل أَنَّ يَأْتِيَ يَوْم لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ , وَتَصَدَّقُوا مِنْهَا , وَآتُوا مِنْهَا الْحُقُوق الَّتِي فَرَضْنَاهَا عَلَيْكُمْ . وَكَذَلِك كَانَ ابْن جُرَيْجٍ يَقُول فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثِنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ } قَالَ : مِنْ الزَّكَاة وَالتَّطَوُّع . { مِنْ قَبْل أَنَّ يَأْتِيَ يَوْم لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة } يَقُول : ادَّخِرُوا لِأَنْفُسِكُمْ عِنْد اللَّه فِي دُنْيَاكُمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا فِي سَبِيل اللَّه , وَالصَّدَقَة عَلَى أَهْل الْمَسْكَنَة وَالْحَاجَة , وَإِيتَاء مَا فَرَضَ اللَّه عَلَيْكُمْ فِيهَا , وَابْتَاعُوا بِهَا مَا عِنْده مِمَّا أَعَدَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ الْكَرَامَة , بِتَقْدِيمِ ذَلِك لِأَنْفُسِكُمْ , مَا دَامَ لَكُمْ السَّبِيل إلَى ابْتِيَاعه , بِمَا نَدَبْتُكُمْ إلَيْهِ , وَأَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ النَّفَقَة مِنْ أَمْوَالكُمْ . { مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْم لَا بَيْع فِيهِ } يَعْنِي مِنْ قَبْل مَجِيء يَوْم لَا بَيْع فِيهِ , يَقُول : لَا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى ابْتِيَاع مَا كُنْتُمْ عَلَى ابْتِيَاعه بِالنَّفَقَةِ مِنْ أَمْوَالكُمْ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ , أَوْ نَدَبْتُكُمْ إلَيْهِ فِي الدُّنْيَا

قَادِرِينَ , لِأَنَّهُ يَوْم جَزَاء وَثَوَاب وَعِقَاب , لَا يَوْم عَمَل وَاكْتِسَاب وَطَاعَة وَمَعْصِيَة , فَيَكُون لَكُمْ إلَى ابْتِيَاع مَنَازِل أَهْل الْكَرَامَة بِالنَّفَقَةِ حِينَئِذٍ , أَوْ بِالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّه , سَبِيل ; ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ تَعَالَى ذِكْره أَنَّ ذَلِك الْيَوْم - مَعَ ارْتِفَاع الْعَمَل الَّذِي يُنَال بِهِ رِضَا اللَّه , أَوْ الْوُصُول إلَى كَرَامَته بِالنَّفَقَةِ مِنْ الْأَمْوَال , إذْ كَانَ لَا مَال هُنَالِكَ يُمْكِن إدْرَاك ذَلِك بِهِ - يَوْم لَا مُخَالَّة فِيهِ نَافِعَة كَمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّ خَلِيل الرَّجُل فِي الدُّنْيَا قَدْ كَانَ يَنْفَعهُ فِيهَا بِالنُّصْرَةِ لَهُ عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِمَكْرُوهٍ وَأَرَادَهُ بِسُوءٍ , وَالْمُظَاهَرَةُ لَهُ عَلَى ذَلِك . فَآيَسَهُمْ تَعَالَى ذِكْره أَيْضًا مِنْ ذَلِك , لِأَنَّهُ لَا أَحَد يَوْم الْقِيَامَة يَنْصُر أَحَدًا مِنْ اللَّه , بَلْ الْأَخِلَّاء بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إلَّا الْمُتَّقِينَ , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره . وَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَوْمئِذٍ مَعَ فَقْدهمْ السَّبِيل إلَى ابْتِيَاع مَا كَانَ لَهُمْ إلَى ابْتِيَاعه سَبِيل فِي الدُّنْيَا بِالنَّفَقَةِ مِنْ أَمْوَالهمْ , وَالْعَمَل بِأَبْدَانِهِمْ , وَعَدِمهمْ النُّصَرَاء مِنْ الْخِلَّانِ , وَالظُّهَرَاء مِنْ الْإِخْوَان , لَا شَافِع لَهُمْ يَشْفَع عِنْد اللَّه كَمَا كَانَ ذَلِك لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , فَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَشْفَع فِي الدُّنْيَا لِبَعْضٍ بِالْقَرَابَةِ وَالْجِوَار وَالْخُلَّة , وَغَيْر ذَلِك مِنْ الْأَسْبَاب , فَبَطَلَ ذَلِكَ كُلّه يَوْمئِذٍ , كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ قِيل أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْل الْجَحِيم فِي الْآخِرَة إذَا صَارُوا فِيهَا : { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيق حَمِيم } . 26 100 : 101 وَهَذِهِ الْآيَة مَخْرَجهَا فِي الشَّفَاعَة عَامّ وَالْمُرَاد بِهَا خَاصّ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِي يَوْم لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة لِأَهْلِ الْكُفْر بِاَللَّهِ , لِأَنَّ أَهْل وِلَايَة اللَّه وَالْإِيمَان بِهِ يَشْفَع بَعْضهمْ لِبَعْضٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّة ذَلِك بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُول فِي ذَلِك بِمَا : 4494 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْم لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة } قَدْ عَلِمَ اللَّه أَنَّ نَاسًا يَتَحَابُّونَ فِي الدُّنْيَا , وَيَشْفَع بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , فَأَمَّا يَوْم الْقِيَامَة فَلَا خُلَّة إلَّا خُلَّة الْمُتَّقِينَ . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : وَالْجَاحِدُونَ لِلَّهِ الْمُكَذِّبُونَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ هُمْ الظَّالِمُونَ . يَقُول : هُمْ الْوَاضِعُونَ جُحُودهمْ فِي غَيْر مَوْضِعه , وَالْفَاعِلُونَ غَيْر مَا لَهُمْ فِعْله , وَالْقَائِلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ قَوْله . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الظُّلْم بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته . وَفِي قَوْله تَعَالَى ذِكْره فِي هَذَا الْمَوْضِع : { وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ } دِلَالَة وَاضِحَة عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ , وَأَنَّ قَوْله : { وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة } إنَّمَا هُوَ مُرَاد بِهِ أَهْل الْكُفْر ; فَلِذَلِك أَتْبَعَ قَوْله ذَلِك : { وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ } فَدَلَّ بِذَلِك عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِك : حَرَمْنَا الْكُفَّارَ النُّصْرَة مِنْ الْأَخِلَّاء , وَالشَّفَاعَة مِنْ الْأَوْلِيَاء وَالْأَقْرِبَاء , وَلَمْ نَكُنْ لَهُمْ فِي فِعْلنَا ذَلِك بِهِمْ ظَالِمِينَ , إذْ كَانَ ذَلِك جَزَاء مِنَّا لِمَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ فِي الدُّنْيَا , بَلْ الْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ أَنْفُسهمْ بِمَا أَتَوْا مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي أَوْجَبُوا لَهَا الْعُقُوبَة مِنْ رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ صُرِفَ الْوَعِيدُ إلَى الْكُفَّار وَالْآيَة مُبْتَدَأَة بِذِكْرِ أَهْل الْإِيمَان ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ الْآيَة قَدْ تَقَدَّمَهَا ذِكْر صِنْفَيْنِ مِنْ النَّاس : أَحَدهمَا أَهْل كُفْر , وَالْآخَر أَهْل إيمَان , وَذَلِك قَوْله : { وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } ثُمَّ عَقَّبَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره الصِّنْفَيْنِ بِمَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ , فَحَضَّ أَهْل الْإِيمَان بِهِ عَلَى مَا يُقَرِّبهُمْ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَة فِي طَاعَته وَفِي جِهَاد أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْل الْكُفْر بِهِ قَبْل مَجِيء الْيَوْم الَّذِي وَصَفَ صِفَته وَأَخْبَرَ فِيهِ عَنْ حَال أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْل الْكُفْر بِهِ , إذْ كَانَ قِتَال أَهْل الْكُفْر بِهِ فِي مَعْصِيَته وَنَفَقَتهمْ فِي الصَّدّ عَنْ سَبِيله , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا } أَنْتُمْ { مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ } فِي طَاعَتِي , إذْ كَانَ أَهْل الْكُفْر بِي يُنْفِقُونَ فِي مَعْصِيَتِي , { مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْم لَا بَيْع فِيهِ } فَيُدْرِك أَهْل الْكُفْر فِيهِ ابْتِيَاع مَا فَرَّطُوا فِي ابْتِيَاعه فِي دُنْيَاهُمْ , { وَلَا خُلَّة } لَهُمْ يَوْمئِذٍ تَنْصُرهُمْ مِنِّي , وَلَا شَافِع لَهُمْ يَشْفَع عِنْدِي فَتُنْجِيهِمْ شَفَاعَته لَهُمْ مِنْ عِقَابِي ; وَهَذَا يَوْمئِذٍ فَعَلَيَّ بِهِمْ جَزَاء لَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ , وَهُمْ الظَّالِمُونَ أَنْفُسهمْ دُونِي , لِأَنِّي غَيْر ظَلَّام لِعَبِيدِي . وَقَدْ : 4495 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم , قَالَ : ثَنِيّ عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : سَمِعْت عُمَر بْن سُلَيْمَان , يُحَدِّث عَنْ عَطَاء بْن دِينَار أَنَّهُ قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي قَالَ : { وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ } وَلَمْ يَقُلْ : " الظَّالِمُونَ هُمْ الْكَافِرُونَ "
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أحكام الداخل في الإسلام

    أحكام الداخل في الإسلام : دراسة فقهية مقارنة، فيما عدا أحكام الأسرة، وهو بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراة في الفقه الإسلامي من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

    الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة http://uqu.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320710

    التحميل:

  • إسلامية لا وهابية

    إسلامية لا وهابية: كتاب يبين حقيقة دعوة محمد بن عبدالوهاب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2621

    التحميل:

  • تفسير سورة الناس

    تفسير سورة الناس: تفسير مختصر ماتع من اختصار الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب لسورة الناس من تفسير الإمام ابن القيم - رحمهما الله تعالى -، وليس هو بالطويل المُمل ولا بالقصير المُخِلّ.

    المدقق/المراجع: فهد بن عبد الرحمن الرومي

    الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت http://www.resalah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364169

    التحميل:

  • مشروعك الذي يلائمك

    للمسلم الصادق في هذه الدنيا هدف يسعى لتحقيقه; وهو لا يتوقف عن العمل على آخر رمق في حياته; عملاً بقول الله تعالى: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) [ الأنعام: 163]; ولكي يحقق أهدافه; يتحتم عليه التخطيط لأعماله; والسعي الدؤوب لنجاحها واستقرارها; ولن يتأتى له ذلك حتى يوفق في اختيار مشروعه. فما مشروعك في الحياة؟ وكيف تختاره؟ وما الأسس التي يقوم عليها؟ جواب ذلك تجده مسطوراً في ثنايا هذا الكتيب.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339984

    التحميل:

  • حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

    حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ونماذج من رسائله، وشهادات علماء الحرمين له : تتكون هذه الرسالة من الفصول التالية: الفصل الأول: حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب. الفصل الثاني: حقيقة دعوة الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب. الفصل الثالث: في بيان الجانب السياسي لدعوة الإمام. الفصل الرابع: في بيان الإمام لعقيدته التي يدين الله بها ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى. الفصل الخامس: من البراهين على صحة دعوة الإمام، وأنها تجديد لدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268331

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة