الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) (البقرة)
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام } ذَا الْقَعْدَة , وَهُوَ الشَّهْر الَّذِي كَانَ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِيهِ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة , فَصَدَّهُ مُشْرِكُو أَهْل مَكَّة عَنْ الْبَيْت وَدُخُول مَكَّة , وَكُلّ ذَلِكَ سَنَة سِتّ مِنْ هِجْرَته , وَصَالَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ فِي تِلْكَ السَّنَة , عَلَى أَنْ يَعُود مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , فَيَدْخُل مَكَّة وَيُقِيم ثَلَاثًا , فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمُقْبِل , وَذَلِكَ
سَنَة سَبْع مِنْ هِجْرَته خَرَجَ مُعْتَمِرًا وَأَصْحَابه فِي ذِي الْقَعْدَة , وَهُوَ الشَّهْر الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوهُ عَنْ الْبَيْت فِيهِ فِي سَنَة سِتّ , وَأَخْلَى لَهُ أَهْل مَكَّة الْبَلَد , حَتَّى دَخَلَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَضَى حَاجَته مِنْهَا , وَأَتَمَّ عُمْرَته , وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا , ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُنْصَرِفًا إلَى الْمَدِينَة , فَقَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ : { الشَّهْر الْحَرَام } يَعْنِي ذَا الْقَعْدَة الَّذِي أَوْصَلَكُمْ اللَّه فِيهِ إلَى حُرْمَة بَيْته عَلَى كَرَاهَة مُشْرِكِي قُرَيْش ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُمْ مِنْهُ وَطَركُمْ { بِالشَّهْرِ الْحَرَام } الَّذِي صَدَّكُمْ مُشْرِكُو قُرَيْش الْعَام الْمَاضِي قَبْله فِيهِ , حَتَّى انْصَرَفْتُمْ عَنْ كُرْه مِنْكُمْ عَنْ الْحَرَام , فَلَمْ تَدْخُلُوا وَلَمْ تُصَلُّوا إلَى بَيْت اللَّه , فَأَقْصَدَكُمْ اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِإِدْخَالِكُمْ الْحَرَام فِي الشَّهْر الْحَرَام عَلَى كُرْه مِنْهُمْ لِذَلِكَ , بِمَا كَانَ مِنْهُمْ إلَيْكُمْ فِي الشَّهْر الْحَرَام مِنْ الصَّدّ وَالْمَنْع مِنْ الْوُصُول إلَى الْبَيْت . كَمَا : 2563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا يُوسُف , يَعْنِي ابْن خَالِد السَّمْتِيّ , قَالَ : ثنا نَافِع بْن مَالِك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : هُمْ الْمُشْرِكُونَ حَبَسُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة , فَرَجَعَهُ اللَّه فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَدْخَلَهُ الْبَيْت الْحَرَام , فَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ . 2564 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : فَخَرَتْ قُرَيْش بِرَدِّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة مُحْرِمًا فِي ذِي الْقَعْدَة عَنْ الْبَلَد الْحَرَام , فَأَدْخَلَهُ اللَّه مَكَّة فِي الْعَام الْمُقْبِل مِنْ ذِي الْقَعْدَة فَقَضَى عُمْرَته , وَأَقَصَّهُ بِمَا حِيلَ بَيْنه وَبَيْنهَا يَوْم الْحُدَيْبِيَة . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 2565 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } أَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة وَمَعَهُمْ الْهَدْي , حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَصَالَحَهُمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَرْجِع مِنْ عَامه ذَلِكَ , حَتَّى يَرْجِع مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , فَيَكُون بِمَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام , وَلَا يَدْخُلهَا إلَّا بِسِلَاحٍ رَاكِب وَيَخْرُج , وَلَا يَخْرُج بِأَحَدٍ مِنْ أَهْل مَكَّة , فَنَحَرُوا الْهَدْي بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَحَلَقُوا وَقَصَّرُوا . حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل أَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه حَتَّى دَخَلُوا مَكَّة , فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاث لَيَالٍ , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِين رَدُّوهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , فَأَقَصَّهُ اللَّه مِنْهُمْ , فَأَدْخَلَهُ مَكَّة فِي ذَلِكَ الشَّهْر الَّذِي كَانُوا رَدُّوهُ فِيهِ فِي ذِي الْقَعْدَة , فَقَالَ اللَّه : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2566 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَعَنْ عُثْمَان , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَا : كَانَ هَذَا فِي سَفَر الْحُدَيْبِيَة , صَدَّ الْمُشْرِكُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَنْ الْبَيْت فِي الشَّهْر الْحَرَام , فَقَاضَوْا الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ قَضِيَّة " إنَّ لَكُمْ أَنْ تَعْتَمِرُوا فِي الْعَام الْمُقْبِل " فِي هَذَا الشَّهْر الَّذِي صَدُّوهُمْ فِيهِ , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ شَهْرًا حَرَامًا يَعْتَمِرُونَ فِيهِ مَكَان شَهْرهمْ الَّذِي صُدُّوا , فَلِذَلِكَ قَالَ : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2567 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ مِنْ مُهَاجِره صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ , وَأَبَوْا أَنْ يَتْرُكُوهُ , ثُمَّ إنَّهُمْ صَالَحُوهُ فِي صُلْحهمْ عَلَى أَنْ يُخْلُوا لَهُ مَكَّة مِنْ عَام قَابِل ثَلَاثَة أَيَّام يَخْرُجُونَ , وَيَتْرُكُونَهُ فِيهَا , فَأَتَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد فَتْح خَيْبَر مِنْ السَّنَة السَّابِعَة , فَخَلَّوْا لَهُ مَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام , فَنَكَحَ فِي عُمْرَته تِلْكَ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة . 2568 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } أَحْصَرُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة عَنْ الْبَيْت الْحَرَام , فَأَدْخَلَهُ اللَّه الْبَيْت الْحَرَام الْعَام الْمُقْبِل , وَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ , فَقَالَ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2569 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : أَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , فَأَحْرَمُوا بِالْعُمْرَةِ فِي ذِي الْقَعْدَة وَمَعَهُمْ الْهَدْي , حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَصَالَحَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِع ذَلِكَ الْعَام حَتَّى يَرْجِع الْعَام الْمُقْبِل , فَيُقِيم بِمَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام , وَلَا يَخْرُج مَعَهُ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْل مَكَّة . فَنَحَرُوا الْهَدْي بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَحَلَقُوا وَقَصَّرُوا . حَتَّى إذَا كَانُوا مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , أَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حَتَّى دَخَلُوا مَكَّة , فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة وَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاثَة أَيَّام , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِين رَدُّوهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , فَقَاصَّ اللَّه لَهُ مِنْهُمْ , وَأَدْخَلَهُ مَكَّة فِي ذَلِكَ الشَّهْر الَّذِي كَانُوا رَدُّوهُ فِيهِ فِي ذِي الْقَعْدَة . قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُسْعَد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } فَهُمْ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا حَبَسُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة عَنْ الْبَيْت , فَفَخَرُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ , فَرَجَعَهُ اللَّه فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَدْخَلَهُ اللَّه الْبَيْت الْحَرَام وَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ . 2570 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام } حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة . قَالَ : هَذَا كُلّه قَدْ نُسِخَ , أَمَرَهُ أَنْ يُجَاهَد الْمُشْرِكِينَ . وَقَرَأَ : { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة } 9 36 وَقَرَأَ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار } 9 123 الْعَرَب , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ , قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله } 9 29 حَتَّى بَلَغَ قَوْله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } قَالَ : وَهُمْ الرُّوم قَالَ : فَوَجَّهَ إلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2571 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : أَمَرَكُمْ اللَّه بِالْقِصَاصِ , وَيَأْخُذ مِنْكُمْ الْعُدْوَان . 2572 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ وَسَأَلْته عَنْ قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَة , مَنَعُوا فِي الشَّهْر الْحَرَام , فَنَزَلَتْ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام } عُمْرَة فِي شَهْر حَرَام بِعُمْرَةٍ فِي شَهْر حَرَام . وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ ذَا الْقَعْدَة الشَّهْر الْحَرَام , لِأَنَّ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ تُحَرِّم فِيهِ الْقِتَال وَالْقَتْل وَتَضَع فِيهِ السِّلَاح , وَلَا يَقْتُل فِيهِ أَحَد أَحَدًا وَلَوْ لَقِيَ الرَّجُل قَاتِل أَبِيهِ أَوْ ابْنه . وَإِنَّمَا كَانُوا سَمَّوْهُ ذَا الْقَعْدَة لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَنْ الْمَغَازِي وَالْحُرُوب , فَسَمَّاهُ اللَّه بِالِاسْمِ الَّذِي كَانَتْ الْعَرَب تُسَمِّيه بِهِ . وَأَمَّا الْحُرُمَات فَإِنَّهَا جَمْع حُرْمَة كَالظُّلُمَاتِ جَمْع ظُلْمَة , وَالْحُجُرَات جَمْع حُجْرَة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } فَجَمْع , لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّهْر الْحَرَام وَالْبَلَد الْحَرَام وَحُرْمَة الْإِحْرَام , فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ : دُخُولكُمْ الْحَرَم بِإِحْرَامِكُمْ هَذَا فِي شَهْركُمْ هَذَا الْحَرَام قِصَاص مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْ مِثْله عَامكُمْ الْمَاضِي , وَذَلِكَ هُوَ الْحُرُمَات الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه قِصَاصًا . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِصَاص هُوَ الْمُجَازَاة مِنْ جِهَة الْفِعْل أَوْ الْقَوْل أَوْ الْبَدَن , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ جِهَة الْفِعْل .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا نَزَلَ فِيهِ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 2573 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَهَذَا وَنَحْوه نَزَلَ بِمَكَّة وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ قَلِيل , وَلَيْسَ لَهُمْ سُلْطَان يَقْهَر الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاطَوْنَهُمْ بِالشَّتْمِ وَالْأَذَى , فَأَمَرَ اللَّه الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجَازِي مِنْهُمْ أَنْ يُجَازِي بِمِثْلِ مَا أُوتِيَ إلَيْهِ أَوْ يَصْبِر أَوْ يَعْفُو فَهُوَ أَمْثَل فَلَمَّا هَاجَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَة , وَأَعَزّ اللَّه سُلْطَانه أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْتَهُوا فِي مَظَالِمهمْ إلَى سُلْطَانهمْ , وَأَنْ لَا يَعْدُو بَعْضهمْ عَلَى بَعْض كَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنْ قَاتَلَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَقَاتِلُوهُمْ كَمَا قَاتَلُوكُمْ . وَقَالُوا : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَبَعْد عُمْرَة الْقَضِيَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2574 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ كَمَا قَاتَلُوكُمْ . وَأَشْبَه التَّأْوِيلَيْنِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْآيَة الَّذِي حُكِيَ عَنْ مُجَاهِد , لِأَنَّ الْآيَات قَبْلهَا إنَّمَا هِيَ أَمْر مِنْ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِجِهَادِ عَدُوّهُمْ عَلَى صِفَة , وَذَلِكَ قَوْله : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } وَالْآيَات بَعْدهَا , وَقَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } إنَّمَا هُوَ فِي سِيَاق الْآيَات الَّتِي فِيهَا الْأَمْر بِالْقِتَالِ وَالْجِهَاد , وَاَللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا فَرَضَ الْقِتَال عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَعْد الْهِجْرَة فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } مَدَنِيّ لَا مَكِّيّ , إذْ كَانَ فَرْض قِتَال الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّة , وَأَنَّ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } نَظِير قَوْله : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } وَأَنَّ مَعْنَاهُ : فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فِي الْحَرَم فَقَاتَلَكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِالْقِتَالِ نَحْو اعْتِدَائِهِ عَلَيْكُمْ بِقِتَالِهِ إيَّاكُمْ , لِأَنِّي قَدْ جَعَلْت الْحُرُمَات قِصَاصًا , فَمَنْ اسْتَحَلَّ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حُرْمَة فِي حَرَمِي , فَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ مِثْله فِيهِ . وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِإِذْنِ اللَّه لِنَبِيِّهِ بِقِتَالِ أَهْل الْحَرَم ابْتِدَاء فِي الْحَرَم وَقَوْله : { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة } 9 36 . .. عَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُجَازَاة وَإِتْبَاع لَفْظ لَفْظًا وَإِنْ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا , كَمَا قَالَ : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه } 3 54 وَقَدْ قَالَ : { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ } 9 79 وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِمَّا اتَّبَعَ لَفْظ لَفْظًا وَاخْتَلَفَ الْمَعْنَيَانِ . وَالْآخَر أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْعَدْو الَّذِي هُوَ شَدّ وَوُثُوب مِنْ قَوْل الْقَائِل : عَدَا الْأَسَد عَلَى فَرِيسَته . فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : فَمَنْ عَدَا عَلَيْكُمْ : أَيْ فَمَنْ شَدَّ عَلَيْكُمْ وَوَثَبَ بِظُلْمٍ , فَاعْدُوا عَلَيْهِ أَيْ فَشُدُّوا عَلَيْهِ وَثِبُوا نَحْوه قِصَاصًا لِمَا فَعَلَ عَلَيْكُمْ لَا ظُلْمًا ثُمَّ تَدْخُل التَّاء فِي " عَدَا " , فَيُقَال افْتَعَلَ فَعَلَ , كَمَا يُقَال : اقْتَرَبَ هَذَا الْأَمْر بِمَعْنَى قَرُبَ , وَاجْتَلَبَ كَذَا بِمَعْنَى جَلَبَ , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَاتَّقُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي حُرُمَاته وَحُدُوده أَنْ تَعْتَدُوا قِيهَا فَتَتَجَاوَزُوا فِيهَا مَا بَيَّنَهُ وَحَدَّهُ لَكُمْ , وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَتَجَنُّب مَحَارِمه .
