Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 163

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (163) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْأُلُوهِيَّة وَأَنَّهَا اعْتِبَاد الْخَلْق . فَمَعْنَى قَوْله : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } وَاَلَّذِي يَسْتَحِقّ عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس الطَّاعَة لَهُ , وَيَسْتَوْجِب مِنْكُمْ الْعِبَادَة مَعْبُود وَاحِد وَرَبّ وَاحِد , فَلَا تَعْبُدُوا غَيْره وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ سِوَاهُ فَإِنَّ مَنْ تُشْرِكُونَهُ مَعَهُ فِي عِبَادَتكُمْ إيَّاهُ هُوَ خَلْق مِنْ خَلْق إلَهكُمْ مِثْلكُمْ , وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا مِثْل لَهُ وَلَا نَظِير . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى وَحْدَانِيّته تَعَالَى ذِكْره , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى وَحْدَانِيَّة اللَّه مَعْنَى نَفْي الْأَشْبَاه وَالْأَمْثَال عَنْهُ كَمَا يُقَال : فُلَان وَاحِد النَّاس وَهُوَ وَاحِد قَوْمه , يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي النَّاس مِثْل , وَلَا لَهُ فِي قَوْمه شَبِيه وَلَا نَظِير ; فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْل : اللَّه وَاحِد , يَعْنِي بِهِ اللَّه لَا مِثْل لَهُ وَلَا نَظِير . فَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَى صِحَّة تَأْوِيلهمْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْل الْقَائِل وَاحِد يُفْهَم لَمَعَانٍ أَرْبَعَة , أَحَدهَا : أَنْ يَكُون وَاحِدًا مِنْ جِنْس كَالْإِنْسَانِ الْوَاحِد مِنْ الْإِنْس , وَالْآخَر : أَنْ يَكُون غَيْر مُتَفَرِّق كَالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَنْقَسِم , وَالثَّالِث : أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ الْمِثْل وَالِاتِّفَاق كَقَوْلِ الْقَائِل : هَذَانِ الشَّيْئَانِ وَاحِد , يُرَاد بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مُتَشَابِهَانِ حَتَّى صَارَا لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي الْمَعَانِي كَالشَّيْءِ الْوَاحِد , وَالرَّابِع : أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ نَفْي النَّظِير عَنْهُ وَالشَّبِيه . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَتْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة مِنْ مَعَانِي الْوَاحِد مُنْتَفِيَة عَنْهُ صَحَّ الْمَعْنَى الرَّابِع الَّذِي وَصَفْنَاهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى وَحْدَانِيّته تَعَالَى ذِكْره مَعْنَى انْفِرَاده مِنْ الْأَشْيَاء وَانْفِرَاد الْأَشْيَاء مِنْهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَانَ مُنْفَرِدًا وَحْده , لِأَنَّهُ غَيْر دَاخِل فِي شَيْء وَلَا دَاخِل فِيهِ شَيْء . قَالُوا : وَلَا صِحَّة لِقَوْلِ الْقَائِل وَاحِد مِنْ جَمِيع الْأَشْيَاء إلَّا ذَلِكَ . وَأَنْكَرَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة الْمَعَانِي الْأَرْبَعَة الَّتِي قَالَهَا الْآخَرُونَ . وَأَمَّا قَوْله : { لَا إلَه إلَّا هُوَ } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ لَا رَبّ لِلْعَالَمِينَ غَيْره , وَلَا يَسْتَوْجِب عَلَى الْعِبَاد الْعِبَادَة سِوَاهُ , وَأَنَّ كُلّ مَا سِوَاهُ فَهُمْ خَلْقه , وَالْوَاجِب عَلَى جَمِيعهمْ طَاعَته , وَالِانْقِيَاد لِأَمْرِهِ وَتَرْك عِبَادَة مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة وَهَجْر الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , لِأَنَّ جَمِيع ذَلِكَ خَلْقه وَعَلَى جَمِيعهمْ الدَّيْنُونَة لَهُ بالوحدانية وَالْأُلُوهَة , وَلَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَة إلَّا لَهُ , إذْ كَانَ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَة فِي الدُّنْيَا فَمِنْهُ دُون مَا يَعْبُدُونَهُ مِنْ الْأَوْثَان , وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ مِنْ الْأَشْرَاك وَمَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ نِعْمَة فِي الْآخِرَة فَمِنْهُ , وَأَنَّ مَا أَشْرَكُوا مَعَهُ مِنْ الْأَشْرَاك لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع فِي عَاجِل وَلَا فِي آجِل , وَلَا فِي دُنْيَا , وَلَا فِي آخِرَة . وَهَذَا تَنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَهْل الشِّرْك بِهِ عَلَى ضَلَالهمْ , وَدُعَاء مِنْهُ لَهُمْ إلَى الْأَوْبَة مِنْ كُفْرهمْ , وَالْإِنَابَة مِنْ شِرْكهمْ . ثُمَّ عَرَّفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِالْآيَةِ الَّتِي تَتْلُوهَا مَوْضِع اسْتِدْلَال ذَوِي الْأَلْبَاب مِنْهُمْ عَلَى حَقِيقَة مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيده وَحُجَجه الْوَاضِحَة الْقَاطِعَة عُذْرهمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ إنْ جَهِلْتُمْ أَوْ شَكَكْتُمْ فِي حَقِيقَة مَا أَخْبَرْتُكُمْ مِنْ الْخَبَر مِنْ أَنَّ إلَهكُمْ إلَه وَاحِد دُون مَا تَدَّعُونَ أُلُوهِيَّته مِنْ الْأَنْدَاد وَالْأَوْثَان , فَتَدَبَّرُوا حُجَجِي وَفَكَّرُوا فِيهَا , فَإِنَّ مِنْ حُجَجِي : خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار , وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا يَنْفَع النَّاس , وَمَا أَنْزَلْت مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء فَأَحْيَيْت بِهِ الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا , وَمَا بَثَثْت فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة , وَالسَّحَاب الَّذِي سَخَّرْته بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض . فَإِنْ كَانَ مَا تَعْبُدُونَهُ مِنْ الْأَوْثَان وَالْآلِهَة وَالْأَنْدَاد وَسَائِر مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إذَا اجْتَمَعَ جَمِيعه فَتَظَاهَرَ أَوْ انْفَرَدَ بَعْضه دُون بَعْض يَقْدِر عَلَى أَنْ يَخْلُق نَظِير شَيْء مِنْ خَلْقِي الَّذِي سَمَّيْت لَكُمْ , فَلَكُمْ بِعِبَادَتِكُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي حِينَئِذٍ عُذْر , وَإِلَّا فَلَا عُذْر لَكُمْ فِي اتِّخَاذ إلَه سِوَايَ , وَلَا إلَه لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ غَيْرِي . فَلْيَتَدَبَّرْ أُولُو الْأَلْبَاب إيجَاز اللَّه احْتِجَاجه عَلَى جَمِيع أَهْل الْكُفْر بِهِ وَالْمُلْحِدِينَ فِي تَوْحِيده فِي هَذِهِ الْآيَة وَفِي الَّتِي بَعْدهَا بِأَوْجَز كَلَام وَأَبْلَغ حُجَّة وَأَلْطَف مَعْنَى يُشْرِف بِهِمْ عَلَى مَعْرِفَة فَضْل حِكْمَة اللَّه وَبَيَانه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أعمال القلوب [ المحاسبة ]

    أعمال القلوب [ المحاسبة ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن محاسبة النفس طريقة المؤمنين، وسمة الموحدين، وعنوان الخاشعين، فالمؤمنُ مُتَّقٍ لربه، مُحاسِبٌ لنفسه مُستغفِرٌ لذنبه، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير، وشرها مستطير ... ولذا ينبغي على العبد أن يزِنَ نفسَه قبل أن يُوزَن، ويُحاسِبها قبل أن يُحاسَب، ويتزيَّن ويتهيَّأ للعرض على الله. وسنتطرَّق في هذا الكتيب لبيان بعض ما قيل في مُحاسَبة الإنسان لنفسه».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355753

    التحميل:

  • حقيقة الصيام

    رسالة (حقيقة الصيام) لشيخ الإسلام ابن تيمية تجد فيها كثيراً من مسائله واختياراته، في معرفة أحكام الصيام -الركن الإسلامي العظيم- من الكتاب الكريم والسنة المطهرة. خرج أحاديثها: محمد ناصر الدين الألباني، وحققها: زهير الشاويش.

    المدقق/المراجع: محمد ناصر الدين الألباني

    الناشر: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273066

    التحميل:

  • سبعون مسألة في الصيام

    سبعون مسألة في الصيام: فإن الله قد امتن على عباده بمواسم الخيرات، فيها تضاعف الحسنات، وتُمحى السيئات، وتُرفع الدرجات، ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان الذي فرضه الله على العباد، ورغبهم فيه، وأرشدهم إلى شكره على فرضه، ولما كان قدر هذه العبادة عظيمًا كان لابدّ من تعلّم الأحكام المتعلقة بشهر الصيام، وهذه الرسالة تتضمن خلاصات في أحكام الصيام وآدابه وسننه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1873

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ صالح الفوزان ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة شرح فضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305087

    التحميل:

  • انحراف الشباب وطرق العلاج على ضوء الكتاب والسنة

    انحراف الشباب وطرق العلاج على ضوء الكتاب والسنة : يحتوي الكتاب على تصنيف أهم المشكلات الانحرافية عند الشباب، مع ذكر خصائص وأسباب انحراف المراهقين، مع بيان التدابير الوقائية والعلاجية لانحراف المراهقين.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166709

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة