Muslim Library

تفسير الطبري - سورة البقرة - الآية 16

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) (البقرة) mp3
الْقَوْل فِي تَوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ اشْتَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الضَّلَالَة بِالْهُدَى , وَإِنَّمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ لَمْ يَتَقَدَّم نِفَاقهمْ إيمَان فَيُقَال فِيهِمْ بَاعُوا هُدَاهُمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ بِضَلَالَتِهِمْ حَتَّى اسْتَبْدَلُوهَا مِنْهُ ؟ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَعْنَى الشِّرَاء الْمَفْهُوم اعْتِيَاض شَيْء بِبَذْلِ شَيْء مَكَانه عِوَضًا مِنْهُ , وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الصِّفَة لَمْ يَكُونُوا قَطّ عَلَى هُدًى فَيَتْرُكُوهُ وَيَعْتَاضُوا مِنْهُ كُفْرًا وَنِفَاقًا ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَنَذْكُر مَا قَالُوا فِيهِ , ثُمَّ نُبَيِّن الصَّحِيح مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّه . 321 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } أَيْ الْكُفْر بِالْإِيمَانِ . 322 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } يَقُول أَخَذُوا الضَّلَالَة وَتَرَكُوا الْهُدَى . 323 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } : اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَة عَلَى الْهُدَى . 324 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . * وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : أَخَذُوا الضَّلَالَة وَتَرَكُوا الْهُدَى , وَجَّهُوا مَعْنَى الشِّرَاء إلَى أَنَّهُ أَخَذَ الْمُشْتَرِي مَكَان الثَّمَن الْمُشْتَرَى بِهِ , فَقَالُوا : كَذَلِكَ الْمُنَافِق وَالْكَافِر قَدْ أَخَذَا مَكَان الْإِيمَان الْكُفْر , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا شِرَاء لِلْكُفْرِ وَالضَّلَالَة اللَّذَيْنِ أَخْذَاهُمَا بِتَرْكِهِمَا مَا تَرَكَا مِنْ الْهُدَى , وَكَانَ الْهُدَى الَّذِي تَرَكَاهُ هُوَ الثَّمَن الَّذِي جَعَلَاهُ عِوَضًا مِنْ الضَّلَالَة الَّتِي أَخَذَاهَا وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْله : " اشْتَرَوْا " : " اسْتَحَبُّوا " , فَإِنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَصَفَ الْكُفَّار فِي مَوْضِع آخَر فَنَسَبَهُمْ إلَى اسْتِحْبَابهمْ الْكُفْر عَلَى الْهُدَى , فَقَالَ : { وَأَمَّا ثَمُود فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } 41 17 صَرَفُوا قَوْله : { اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } إلَى ذَلِكَ وَقَالُوا : قَدْ تَدْخُل الْبَاء مَكَان " عَلَى " , و " عَلَى " مَكَان الْبَاء , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِفُلَانٍ وَمَرَرْت عَلَى فُلَان بِمَعْنَى وَاحِد , وَكَقَوْلِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْك } 3 75 أَيْ : عَلَى قِنْطَار . فَكَانَ تَأْوِيل الْآيَة عَلَى مَعْنَى هَؤُلَاءِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارُوا الضَّلَالَة عَلَى الْهُدَى . وَأَرَاهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { اشْتَرَوْا } إلَى مَعْنَى " اخْتَارُوا " , لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول : اشْتَرَيْت كَذَا عَلَى كَذَا , و " اشْتَرَيْته " يَعْنُونَ اخْتَرْته عَلَيْهِ . وَمِنْ الِاشْتِرَاء قَوْل أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : فَقَدْ أُخْرِجَ الْكَاعِب الْمُشْتَرَا ةَ مِنْ خِدْرهَا وَأُشْيِعُ الْقِمَارَا يَعْنِي بِالْمُشْتَرَاةِ : الْمُخْتَارَة . وَقَالَ ذُو الرِّمَّة فِي الِاشْتِرَاء بِمَعْنَى الِاخْتِيَار : يَذُبّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاة كَأَنَّهَا جَمَاهِير تَحْت الْمُدْجِنَات الْهَوَاضب ش يَعْنِي بْالشَّرَاة : الْمُخْتَارَة . وَقَالَ آخَر فِي مِثْل ذَلِكَ : إنَّ الشَّرَاة رَوْقَة الْأَمْوَال /و وَحَزْرَة الْقَلْب خِيَار الْمَال قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنْ التَّأْوِيل فَلَسْت لَهُ بِمُخْتَارٍ لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } مَعْنَى الشِّرَاء الَّذِي يَتَعَارَفهُ النَّاس مِنْ اسْتِبْدَال شَيْء مَكَان شَيْء وَأَخْذ عِوَض عَلَى عِوَض . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إنَّ الْقَوْم كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَكَفَرُوا , فَإِنَّهُ لَا مُؤْنَة عَلَيْهِمْ لَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفُوا بِهِ الْقَوْم , لِأَنَّ الْأَمْر إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَرَكُوا الْإِيمَان , وَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْكُفْر عِوَضًا مِنْ الْهُدَى . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَفْهُوم مِنْ مَعَانِي الشِّرَاء وَالْبَيْع , وَلَكِنْ دَلَائِل أَوَّل الْآيَات فِي نُعُوتهمْ إلَى آخِرهَا دَالَّة عَلَى أَنَّ الْقَوْم لَمْ يَكُونُوا قَطّ اسْتَضَاءُوا بِنُورِ الْإِيمَان وَلَا دَخَلُوا فِي مِلَّة الْإِسْلَام , أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ لَدُنْ ابْتَدَأَ فِي نَعْتهمْ إلَى أَنْ أَتَى عَلَى صِفَّتهمْ إنَّمَا وَصَفَهُمْ بِإِظْهَارِ الْكَذِب بِأَلْسِنَتِهِمْ بِدَعْوَاهُمْ التَّصْدِيق بِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عِنْد أَنْفُسهمْ وَاسْتِهْزَاء فِي نَفُوسهمْ بِالْمُؤْمِنِينَ , وَهُمْ لِغَيْرِ مَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مُسْتَبْطِنُونَ , لِقَوْلِ اللَّه جَلَّ جَلَاله : { وَمِنْ النَّاس مِنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } ثُمَّ اقْتَصَّ قَصَصهمْ إلَى قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } فَأَيْنَ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا ؟ . فَإِنْ كَانَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة ظَنَّ أَنَّ قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } هُوَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْقَوْم قَدْ كَانُوا عَلَى الْإِيمَان فَانْتَقَلُوا عَنْهُ إلَى الْكُفْر , فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ : اشْتَرَوْا ; فَإِنَّ ذَلِكَ تَأْوِيل غَيْر مُسَلَّم لَهُ , إذْ كَانَ الِاشْتِرَاء عِنْد مُخَالِفِيهِ قَدْ يَكُون أَخْذ شَيْء بِتَرْكِ آخَر غَيْره , وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى الِاخْتِيَار وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي . وَالْكَلِمَة إذَا احْتَمَلَتْ وُجُوهًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ صَرْف مَعْنَاهَا إلَى بَعْض وُجُوههَا دُون بَعْض إلَّا بِحَجَّةِ يَجِبُ التَّسْلِيم لَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا رَوَيْنَا عَنْ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود مِنْ تَأْوِيلهمَا قَوْله : { اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } أَخَذُوا الضَّلَالَة وَتَرَكُوا الْهُدَى . وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ كَافِر بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ مُسْتَبْدِل بِالْإِيمَانِ كُفْرًا بِاكْتِسَابِهِ الْكُفْر الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ بَدَلًا مِنْ الْإِيمَان الَّذِي أُمِرَ بِهِ . أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُول فِيمَنْ اكْتَسَبَ كُفْرًا بِهِ مَكَان الْإِيمَان بِهِ وَبِرَسُولِهِ : { وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } 2 108 وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الشِّرَاء , لِأَنَّ كُلّ مُشْتَرٍ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَسْتَبْدِل مَكَان الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ مِنْ الْبَدَل آخَر بَدَلًا مِنْهُ , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق وَالْكَافِر اسْتَبْدَلَا بِالْهُدَى الضَّلَالَة وَالنِّفَاق , فَأَضَلَّهُمَا اللَّه وَسَلَبَهُمَا نُور الْهُدَى فَتَرَك جَمِيعهمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِشِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا , لِأَنَّ الرَّابِح مِنْ التُّجَّار الْمُسْتَبْدِل مِنْ سِلْعَته الْمَمْلُوكَة عَلَيْهِ بَدَلًا هُوَ أَنَفْس مِنْ سِلْعَته أَوْ أَفَضْل مِنْ ثَمَنهَا الَّذِي يَبْتَاعهَا بِهِ . فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِل مِنْ سِلْعَته بَدَلًا دُونهَا وَدُون الثَّمَن الَّذِي يَبْتَاعهَا بِهِ فَهُوَ الْخَاسِر فِي تِجَارَته لَا شَكَّ . فَكَذَلِكَ الْكَافِر وَالْمُنَافِق لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا الْحِيرَة وَالْعَمَى عَلَى الرَّشَاد وَالْهُدَى وَالْخَوْف وَالرُّعْب عَلَى الْحِفْظ وَالْأَمِن , فَاسْتُبْدِلَا فِي الْعَاجِل بِالرَّشَادِ الْحِيرَة , وَبِالْهُدَى الضَّلَالَة , وَبِالْحِفْظِ الْخَوْف , وَبِالْأَمْنِ الرُّعْب ; مَعَ مَا قَدْ أُعَدّ لَهُمَا فِي الْآجِل مِنْ أَلِيم الْعِقَاب وَشَدِيد الْعَذَاب , فَخَابَا وَخَسِرَا , ذَلِكَ هُوَ الْخَسْرَان الْمُبِين وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ قَتَادَةَ يَقُول . 325 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } قَدْ وَاَللَّه رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنْ الْهُدَى إلَى الضَّلَالَة , وَمِنْ الْجَمَاعَة إلَى الْفُرْقَة , وَمِنْ الْأَمْن إلَى الْخَوْف , وَمِنْ السُّنَّة إلَى الْبِدْعَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } وَهَلْ التِّجَارَة مِمَّا تَرْبَح أَوْ تَنْقُص فَيُقَال رَبِحَتْ أَوْ وَضَعَتْ ؟ قِيلَ : إنَّ وَجْه ذَلِكَ عَلَى غَيْر مَا ظَنَنْت ; وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتهمْ لَا فِيمَا اشْتَرَوْا وَلَا فِيمَا شَرَوْا . وَلَكِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِكِتَابِهِ عَرَبًا فَسَلَكَ فِي خِطَابه إيَّاهُمْ وَبَيَانه لَهُمْ مَسْلَك خِطَاب بَعْضهمْ بَعْضًا وَبَيَانهمْ الْمُسْتَعْمَل بَيْنهمْ . فَلَمَّا كَانَ فَصِيحًا لَدَيْهِمْ قَوْل الْقَائِل لِآخَر : خَابَ سَعْيك وَنَامَ لَيْلك , وَخَسِرَ بَيْعك , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى سَامِعه مَا يُرِيد قَائِله ; خَاطَبَهُمْ بِاَلَّذِي هُوَ فِي مَنْطِقهمْ مِنْ الْكَلَام فَقَالَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } إذْ كَانَ مَعْقُولًا عِنْدهمْ أَنَّ الرِّبْح إنَّمَا هُوَ فِي التِّجَارَة كَمَا النُّوُم فِي اللَّيْل , فَاكْتَفَى بِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُقَال : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتهمْ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَشَرّ الْمَنَايَا مَيِّت وَسْط أَهْله كَهُلْكِ الْفَتَاة أَسْلَمَ الْحَيّ حَاضِره يَعْنِي بِذَلِكَ : وَشَرّ الْمَنَايَا مُنْيَة مَيِّت وَسْط أَهْله ; فَاكْتَفَى بِفَهْمِ سَامِع قَيْله مُرَاده مِنْ ذَلِكَ عَنْ إظْهَار مَا تَرَكَ إظْهَاره وَكَمَا قَالَ رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج : حَارِث قَدْ فَرَّجْت عَنِّي هَمِّي فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي فَوَصَفَ بِالنُّوُمِ اللَّيْل , وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَامَ . وَكَمَا قَالَ جَرِير بْن الْخَطَفِي : وَأَعْوَر مِنْ نَبَهَانَ أَمَّا نَهَاره فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْله فَبِصَيْرِ فَأَضَافَ الْعَمَى وَالْإِبْصَار إلَى اللَّيْل وَالنَّهَار , وَمُرَاده وَصْف النبهاني بِذَلِكَ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } مَا كَانُوا رُشَدَاء فِي اخْتِيَارهمْ الضَّلَالَة عَلَى الْهُدَى , وَاسْتِبْدَالهمْ الْكُفْر بِالْإِيمَانِ , وَاشْتِرَائِهِمْ النِّفَاق بِالتَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَار .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إيمان المشركين وتصديقهم بالله في ضوء قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

    إيمان المشركين وتصديقهم بالله: قال المؤلف: «فهذا بحثٌ مختصرٌ في دراسة معنى قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] أحببتُ المشاركة في جمع ما ذكره أهل العلم حول هذه الآية لمسيس الحاجة إلى بيان ما فيها من تقرير التوحيد وأنواعه، والرد على المشركين، والرد على من يجعل الغاية في التوحيد هو الإقرار بالربوبية».

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/331932

    التحميل:

  • إسلامية لا وهابية

    إسلامية لا وهابية: كتاب يبين حقيقة دعوة محمد بن عبدالوهاب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2621

    التحميل:

  • الإيمان بالله

    الإيمان بالله : هذا الكتاب يدور حول المباحث الآتية: معنى الإيمان بالله. ماذا يتضمن الإيمان بالله ؟ الأدلة على وحدانية الله. ثمرات الإيمان بالله. ما ضد الإيمان بالله ؟ معنى الإلحاد. أسباب الإلحاد. كيف دخل الإلحاد بلاد المسلمين ؟ الآثار المترتبة على الإلحاد.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172694

    التحميل:

  • الجديد في شرح كتاب التوحيد

    الجديد في شرح كتاب التوحيد : تأليف الشيخ محمد بن عبد العزيز السليمان القرعاوي، وهو شرح على طريقة المتأخرين؛ حتى يتناسب مع ظروف أهل هذا العصر، وطريقته إيراد النص وشرح كلماته والمعنى الإجمالي ومايستفاد منه والمناسبة للباب مطلقاً، وللتوحيد أحياناً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/292968

    التحميل:

  • مروج النور في الذب عن الصديقة الطهور

    مروج النور في الذب عن الصديقة الطهور: البحث الحائز على المركز الثاني في هذه المسابقة. أرادت مؤسسة الدرر السنية أن تدلي بدلوها في الدفاع عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، فقامت بإعداد مسابقة بحثية عالمية، كان عنوانها: (أمنا عائشة .. ملكة العفاف)، وكان الهدف منها هو تحفيز الباحثين على عرض سيرة عائشة - رضي الله عنها -، بطريقة جميلة، تبرز جوانب من حياتها، وتبين علاقتها بآل البيت - رضي الله عنهم -، وتفند أهم الافتراءات، والشبهات الواردة حولها، وردها بطريقة علمية مختصرة، وتبرز بعض فوائد حادثة الإفك، وغير ذلك من العناصر.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384206

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة