Muslim Library

تفسير ابن كثر - سورة البقرة - الآية 143

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143) (البقرة) mp3
قَوْله تَعَالَى" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " يَقُول تَعَالَى إِنَّمَا حَوَّلْنَاكُمْ إِلَى قِبْلَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَاخْتَرْنَاهَا لَكُمْ لِنَجْعَلكُمْ خِيَار الْأُمَم لِتَكُونُوا يَوْم الْقِيَامَة شُهَدَاء عَلَى الْأُمَم لِأَنَّ الْجَمِيع مُعْتَرِفُونَ لَكُمْ بِالْفَضْلِ وَالْوَسَط هَاهُنَا الْخِيَار وَالْأَجْوَد كَمَا يُقَال قُرَيْش أَوْسَط الْعَرَب نَسَبًا وَدَارًا أَيْ خَيْرهَا وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطًا فِي قَوْمه أَيْ أَشْرَفهمْ نَسَبًا وَمِنْهُ الصَّلَاة الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ أَفْضَل الصَّلَوَات وَهِيَ الْعَصْر كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاح وَغَيْرهَا وَلَمَّا جَعَلَ اللَّه هَذِهِ الْأُمَّة وَسَطًا خَصَّهَا بِأَكْمَل الشَّرَائِع وَأَقْوَم الْمَنَاهِج وَأَوْضَح الْمَذَاهِب كَمَا قَالَ تَعَالَى " هُوَ اِجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةً أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُدْعَى نُوح يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ هَلْ بَلَّغْت ؟ فَيَقُول نَعَمْ فَيُدْعَى قَوْمه فَيُقَال لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِير وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَد فَيُقَال لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَد لَك فَيَقُول مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ قَالَ : فَذَلِكَ قَوْله " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا" قَالَ وَالْوَسَط الْعَدْل فَتُدْعَوْنَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلَاغِ ثُمَّ أَشْهَد عَلَيْكُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طُرُق عَنْ الْأَعْمَش وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَجِيء النَّبِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَمَعَهُ رَجُلَانِ وَأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمه فَيُقَال لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ لَا فَيُقَال لَهُ هَلْ بَلَّغْت قَوْمك ؟ فَيَقُول نَعَمْ فَيُقَال مَنْ يَشْهَد لَك فَيَقُول مُحَمَّد وَأُمَّته فَيُدْعَى مُحَمَّد وَأُمَّته فَيُقَال لَهُمْ هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمه ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُقَال وَمَا عِلْمكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ جَاءَنَا نَبِيُّنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُل قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ عَدْلًا" لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُون الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " وَقَالَ أَحْمَد أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا " قَالَ " عَدْلًا " وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيّ عَنْ الْمُغِيرَة بْن عُتَيْبَة بْن نباس حَدَّثَنِي مُكَاتَب لَنَا عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَنَا وَأَمْتَى يَوْم الْقِيَامَة عَلَى كَوْم مُشْرِفِينَ عَلَى الْخَلَائِق مَا مِنْ النَّاس أَحَد إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا وَمَا مِنْ نَبِيّ كَذَّبَهُ قَوْمه إِلَّا وَنَحْنُ نَشْهَد أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَة رَبّه عَزَّ وَجَلَّ " وَرَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه وَابْن مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا وَاللَّفْظ لَهُ مِنْ حَدِيث مُصْعَب بْن ثَابِت عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : شَهِدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَازَة فِي بَنِي مَسْلَمَة وَكُنْت إِلَى جَانِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضهمْ : وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه لَنِعْمَ الْمَرْء كَانَ لَقَدْ كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا وَكَانَ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أَنْتَ بِمَا تَقُول " فَقَالَ الرَّجُل : اللَّه أَعْلَم بِالسَّرَائِرِ فَأَمَّا الَّذِي بَدَا لَنَا مِنْهُ فَذَاكَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَجَبَتْ " ثُمَّ شَهِدَ جِنَازَة فِي بَنِي حَارِثَة وَكُنْت إِلَى جَانِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضهمْ : يَا رَسُول اللَّه بِئْسَ الْمَرْء كَانَ إِنْ كَانَ لَفَظًّا غَلِيظًا فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَعْضِهِمْ أَنْتَ بِاَلَّذِي تَقُول " فَقَالَ الرَّجُل اللَّه أَعْلَم بِالسَّرَائِرِ فَأَمَّا الَّذِي بَدَا لَنَا مِنْهُ فَذَاكَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَجَبَتْ " قَالَ مُصْعَب بْن ثَابِت : فَقَالَ لَنَا عِنْد ذَلِكَ مُحَمَّد بْن كَعْب صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَرَأَ " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " ثُمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يُونُس بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا دَاوُد بْن أَبِي الْفُرَات عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِي الْأَسْوَد أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت الْمَدِينَة فَوَافَقْتهَا وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَض فَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا فَجَلَسْت إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب فَمَرَّتْ بِهِ جِنَازَة فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبهَا خَيْرًا فَقَالَ : وَجَبَتْ ثُمَّ مَرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ عُمَر : وَجَبَتْ فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَد مَا وَجَبَتْ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : قُلْت كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيُّمَا مُسْلِم شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَة بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة " قَالَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَة قَالَ : فَقَالَ " وَثَلَاثَة " قَالَ : فَقُلْنَا وَاثْنَانِ . قَالَ" وَاثْنَانِ " ثُمَّ لَمْ نَسْأَلهُ عَنْ الْوَاحِد وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث دَاوُد اِبْن أَبِي الْفُرَات بِهِ : وَقَالَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَة الرَّقَّاشِيّ حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيد حَدَّثَنَا نَافِع بْن عُمَر حَدَّثَنِي أُمَيَّة بْن صَفْوَان عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي زُهَيْر الثَّقَفِيّ عَنْ أَبِيهِ : قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنِّبَاوَةِ يَقُول " يُوشِك أَنْ تَعْلَمُوا خِيَاركُمْ مِنْ شِرَاركُمْ " قَالُوا بِمَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " بِالثَّنَاءِ الْحَسَن وَالثَّنَاء السَّيِّئ أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض " وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَرَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَعَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو وَسُرَيْج عَنْ نَافِع عَنْ بْن عمل بِهِ .

يَقُول تَعَالَى إِنَّمَا شَرَعْنَا لَك يَا مُحَمَّد التَّوَجُّهَ أَوَّلًا إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ثُمَّ صَرَفْنَاك عَنْهُ إِلَى الْكَعْبَة لِيَظْهَر حَالُ مَنْ يَتَّبِعك وَيُطِيعك وَيَسْتَقْبِل مَعَك حَيْثُمَا تَوَجَّهْت مِمَّنْ يَنْقَلِب عَلَى عَقِبَيْهِ أَيْ مُرْتَدًّا عَنْ دِينه وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَة أَيْ هَذِهِ الْفَعْلَة وَهُوَ صَرْف التَّوَجُّه عَنْ بَيْت الْمَقْدِس إِلَى الْكَعْبَة أَيْ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْر عَظِيمًا فِي النُّفُوس إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قُلُوبهمْ وَأَيْقَنُوا بِتَصْدِيقِ الرَّسُول وَأَنَّ كُلّ مَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مِرْيَة فِيهِ وَأَنَّ اللَّه يَفْعَل مَا يَشَاء وَيَحْكُم مَا يُرِيد فَلَهُ أَنْ يُكَلِّف عِبَاده بِمَا شَاءَ وَيَنْسَخ مَا يَشَاء وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فِي جَمِيع ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض فَإِنَّهُ كُلَّمَا حَدَثَ أَمْرٌ أَحْدَثَ لَهُمْ شَكًّا كَمَا يَحْصُلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا إِيقَانٌ وَتَصْدِيقٌ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ " وَقَالَ تَعَالَى " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى " وَقَالَ تَعَالَى " وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا " وَلِهَذَا كَانَ مَنْ ثَبَتَ عَلَى تَصْدِيق الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعه فِي ذَلِكَ وَتَوَجَّهَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّه مِنْ غَيْر شَكٍّ وَلَا رَيْب مِنْ سَادَات الصَّحَابَة وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار هُمْ الَّذِينَ صَلَّوْا الْقِبْلَتَيْنِ وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِيره هَذِهِ الْآيَة : حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : بَيْنَا النَّاس يُصَلُّونَ الصُّبْح فِي مَسْجِد قُبَاء إِذْ جَاءَ رَجُل فَقَالَ : قَدْ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْآن وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة فَاسْتَقْبَلُوهَا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَة وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَعِنْده أَنَّهُمْ كَانُوا رُكُوعًا فَاسْتَدَارُوا كَمَا هُمْ إِلَى الْكَعْبَة وَهُمْ رُكُوع وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس مِثْله وَهَذَا يَدُلّ عَلَى كَمَالِ طَاعَتهمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَانْقِيَادهمْ لِأَوَامِر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .

وَقَوْله " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " أَيْ صَلَاتكُمْ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس قَبْل ذَلِكَ مَا كَانَ يُضِيع ثَوَابهَا عِنْد اللَّه وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ الْبَرَاء قَالَ : مَاتَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْو بَيْت الْمَقْدِس ؟ فَقَالَ النَّاس مَا حَالهمْ فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَصَحَّحَهُ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " أَيْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى وَتَصْدِيقكُمْ نَبِيّكُمْ وَاتِّبَاعه إِلَى الْقِبْلَة الْأُخْرَى أَيْ لَيُعْطِيكُمْ أَجْرهمَا جَمِيعًا " إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ" وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْصِرَافكُمْ مَعَهُ حَيْثُ اِنْصَرَفَ " إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَءُوف رَحِيم" وَفِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى اِمْرَأَة مِنْ السَّبْي قَدْ فُرِّقَ بَيْنهَا وَبَيْن وَلَدهَا فَجَعَلَتْ كُلَّمَا وَجَدَتْ صَبِيًّا مِنْ السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِصَدْرِهَا وَهِيَ تَدُور عَلَى وَلَدهَا فَلَمَّا وَجَدَتْهُ ضَمَّتْهُ إِلَيْهَا وَأَلْقَمَتْهُ ثَدْيهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّار وَهِيَ تَقْدِر عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحهُ " قَالُوا : لَا يَا رَسُول اللَّه قَالَ : " فَوَاَللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آراء خاطئة وروايات باطلة في سير الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام

    فإن قراءة سير الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - من أعظم الزاد العلمي؛ فأولئك الكرام هم صفوة خلق الله، اختصَّهم الله بالنبوَّة والرِّسالة دون غيرهم - عليهم الصلاة والسلام - وفي سيرهم وأخبارهم عبر و عظات وعجائب، ذلك لما اختصَّهم الله به من البلاغ. ولمَّا كان الأمر كذلك كثر ذكر ونقل أخبارهم في كتب التفاسير والتاريخ وغيرها، وفي تلك الأخبار الغثُّ والسَّمين. ُ يضاف إلى ذلك تلك المفاهيم الخاطئة التي تقع في أذهان بعض الناس عند قراءة بعض الآيات المتعلِّقة بالأنبياء؛ لذا كانت هذه الرسالة التي تبين بعض الآراء الخاطئة والروايات الباطلة في سير الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233603

    التحميل:

  • فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - وفضلِها وبيان كيفيتها، مع ذكر نماذجَ من الكتب المؤلفة في هذه العبادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2157

    التحميل:

  • عقوق الوالدين .. أسبابه - مظاهره - سبل العلاج

    عقوق الوالدين : إن بر الوالدين مما أقرته الفطر السوية، واتفقت عليه الشرائع السماوية، وهو خلق الأنبياء، ودأب الصالحين، كما أنه دليل على صدق الإيمان، وكرم النفس، وحسن الوفاء. وبر الوالدين من محاسن الشريعة الإسلامية؛ ذلك أنه اعتراف بالجميل، وحفظ للفضل، وعنوان على كمال الشريعة، وإحاطتها بكافة الحقوق. ويحتوي هذا الكتاب على الأمور الآتية: تعريف العقوق، من مظاهر عقوق الوالدين، نماذج من قصص العقوق، أسباب العقوق، سبل العلاج، تعريف البر بالوالدين، الآداب التي تراعى مع الوالدين، الأمور المعينة على البر، بين الزوجة والوالدين، نماذج من قصص البر.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117068

    التحميل:

  • التعريف بسور القرآن الكريم

    التعريف بسور القرآن الكريم : ملف chm يحتوي على بيان سبب تسمية كل سورة، والتعريف بها، ومحور مواضيعها، وسبب نزولها، وفضلها. وننبه على أن هناك بعض الأحاديث في الكتاب ضعيفة، لذا يمكن البحث في موقع الدرر السنية للتأكد من صحة الأحاديث.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141505

    التحميل:

  • الغلو في التكفير بين أهل السنة والجماعة وغلاة الشيعة الاثني عشرية

    الغلو في التكفير بين أهل السنة والجماعة وغلاة الشيعة الاثني عشرية: رسالةٌ عقد فيها المؤلف مقارنةً بين أهل السنة والجماعة والشيعة الاثني عشرية في التكفير، وبيَّن من هو المُكفِّر بعلمٍ على ضوء من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومن الذي أسرف في التكفير واتهم المسلمين بلا علم!! وقد جعله في ثلاثة فصول وخاتمة: الفصل الأول: في خطورة التكفير، وحرمة القول فيه بلا علم. الفصل الثاني: في بيان ضوابط وقواعد التكفير عند أهل السنة والجماعة. الفصل الثالث: في ذكر أقوال ونصوص علماء غلاة الشيعة الاثني عشرية في تكفير المخالف لهم. - قدَّم للكتاب: فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم السعيدي - حفظه الله - رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية المعلمين بجامعة أم القرى.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333192

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة