Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 71

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) (مريم) mp3
فِيهِ خَمْس مَسَائِل : الْأُولَى قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ مِنْكُمْ " هَذَا قَسَم وَالْوَاو يَتَضَمَّنهُ وَيُفَسِّرهُ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَمُوت لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد فَتَمَسّهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم ) قَالَ الزُّهْرِيّ : كَأَنَّهُ يُرِيد هَذِهِ الْآيَة ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ) ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فَقَوْله " إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم " يُخَرَّج فِي التَّفْسِير الْمُسْنَد لِأَنَّ الْقَسَم الْمَذْكُور هَذَا الْحَدِيث مَعْنَاهُ عِنْد أَهْل الْعِلْم قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالْقَسَمِ قَوْله تَعَالَى " وَالذَّارِيَات ذَرْوًا " إِلَى قَوْله " إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِق وَإِنَّ الدِّين لَوَاقِع [ الذَّارِيَات : 5 ] وَالْأَوَّل أَشْهَر ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب

الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْوُرُود فَقِيلَ الْوُرُود الدُّخُول رُوِيَ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ( الْوُرُود الدُّخُول لَا يَبْقَى بَرّ وَلَا فَاجِر إِلَّا دَخَلَهَا فَتَكُون عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيم " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَر الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا " أَسْنَدَهُ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب " التَّمْهِيد " وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَخَالِد بْن مَعْدَان وَابْن جُرَيْج وَغَيْرهمْ وَرُوِيَ عَنْ يُونُس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " الْوُرُود الدُّخُول عَلَى التَّفْسِير لِلْوُرُودِ فَغَلِطَ فِيهِ بَعْض الرُّوَاة فَأَلْحَقَهُ بِالْقُرْآنِ وَفِي الدَّارِمِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَرِد النَّاس النَّار ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ كَلَمْحِ الْبَصَر ثُمَّ كَالرِّيحِ ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَس ثُمَّ كَالرَّاكِبِ الْمُجِدّ فِي رَحْله ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُل فِي مَشَيْته ) وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِنَافِعِ بْن الْأَزْرَق الْخَارِجِيّ ( أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَلَا بُدّ أَنْ نَرِدهَا أَمَّا أَنَا فَيُنْجِينِي اللَّه مِنْهَا وَأَمَّا أَنْتَ فَمَا أَظُنّهُ يُنْجِيك لِتَكْذِيبِك ) وَقَدْ أَشْفَقَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مِنْ تَحَقُّق الْوُرُود وَالْجَهْل بِالصَّدْرِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " التَّذْكِرَة " وَقَالَتْ فِرْقَة الْوُرُود الْمَمَرّ عَلَى الصِّرَاط وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَكَعْب الْأَحْبَار وَالسُّدِّيّ وَرَوَاهُ السُّدِّيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَهُ الْحَسَن أَيْضًا قَالَ ( لَيْسَ الْوُرُود الدُّخُول إِنَّمَا تَقُول وَرَدْت الْبَصْرَة وَلَمْ أَدْخُلهَا قَالَ فَالْوُرُود أَنْ يَمُرُّوا عَلَى الصِّرَاط ) قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ وَقَدْ بَنَى عَلَى مَذْهَب الْحَسَن قَوْم مِنْ أَهْل اللُّغَة وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] قَالُوا : فَلَا يَدْخُل النَّار مَنْ ضَمِنَ اللَّه أَنْ يُبْعِدهُ مِنْهَا وَكَانَ هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ " ثَمَّ " بِفَتْحِ الثَّاء " نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا " وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ الْآخَرُونَ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِأَنَّ مَعْنَى قَوْله : " أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] عَنْ الْعَذَاب فِيهَا وَالْإِحْرَاق بِهَا قَالُوا فَمَنْ دَخَلَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُر بِهَا وَلَا يَحُسّ مِنْهَا وَجَعًا وَلَا أَلَمًا فَهُوَ مُبْعَد عَنْهَا فِي الْحَقِيقَة وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا " بِضَمِّ الثَّاء ف " ثُمَّ " تَدُلّ عَلَى نَجَاء بَعْد الدُّخُول . قُلْت وَفِي صَحِيح مُسْلِم ( ثُمَّ يُضْرَب الْجِسْر عَلَى جَهَنَّم وَتَحِلّ الشَّفَاعَة فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الْجِسْر ؟ قَالَ : ( دَحْض مَزِلَّة فِيهِ خَطَاطِيف وَكَلَالِيب وَحَسَك تَكُون بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَة يُقَال لَهَا السَّعْدَان فَيَمُرّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْن وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيد الْخَيْل وَالرِّكَاب فَنَاجٍ مُسَلَّم وَمَخْدُوش مُرْسَل وَمَكْدُوس فِي نَار جَهَنَّم ) الْحَدِيث وَبِهِ اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط هُوَ الْوُرُود الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَة لَا الدُّخُول فِيهَا وَقَالَتْ فِرْقَة بَلْ هُوَ وُرُود إِشْرَاف وَاطِّلَاع وَقُرْب وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحْضُرُونَ مَوْضِع الْحِسَاب وَهُوَ بِقُرْبِ جَهَنَّم فَيَرَوْنَهَا وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي حَالَة الْحِسَاب ثُمَّ يُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اِتَّقَوْا مِمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ وَيُصَار بِهِمْ إِلَى الْجَنَّة " وَنَذَر الظَّالِمِينَ " أَيْ يُؤْمَر بِهِمْ إِلَى النَّار قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن ) [ الْقَصَص : 23 ] أَيْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ دَخَلَهُ وَقَالَ زُهَيْر فَلَمَّا وَرَدْنَ الْمَاء زُرْقًا جِمَامُهُ وَضَعْنَ عِصِيّ الْحَاضِر الْمُتَخَيِّم وَرَوَتْ حَفْصَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَدْخُل النَّار أَحَد مِنْ أَهْل بَدْر وَالْحُدَيْبِيَة ) قَالَتْ فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه وَأَيْنَ قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَمه " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَر الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا " ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أُمّ مُبَشِّر قَالَتْ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد حَفْصَة الْحَدِيث وَرَجَّحَ الزَّجَّاج هَذَا الْقَوْل بِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] وَقَالَ مُجَاهِد : وُرُود الْمُؤْمِنِينَ النَّار هُوَ الْحُمَّى الَّتِي تُصِيب الْمُؤْمِن فِي دَار الدُّنْيَا , وَهِيَ حَظّ الْمُؤْمِن مِنْ النَّار فَلَا يَرِدهَا . رَوَى أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ مَرِيضًا مِنْ وَعَك بِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول " هِيَ نَارِي أُسَلِّطهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِن لِتَكُونَ حَظّه مِنْ النَّار " ) أَسْنَدَهُ أَبُو عُمَر قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِم بْن أَصْبَغ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد اللَّه ( عَنْ أَبِي صَالِح ) الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ مَرِيضًا فَذَكَرَهُ وَفِي الْحَدِيث ( الْحُمَّى حَظّ الْمُؤْمِن مِنْ النَّار ) وَقَالَتْ فِرْقَة الْوُرُود النَّظَر إِلَيْهَا فِي الْقَبْر فَيُنَجَّى مِنْهَا الْفَائِز وَيَصْلَاهَا مَنْ قُدِّرَ عَلَيْهِ دُخُولهَا , ثُمَّ يَخْرُج مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر : ( إِذَا مَاتَ أَحَدكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ) الْحَدِيث وَرَوَى وَكِيع عَنْ شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب عَنْ رَجُل عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ) قَالَ : هَذَا خِطَاب لِلْكُفَّارِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ " وَإِنْ مِنْهُمْ " رَدًّا عَلَى الْآيَات الَّتِي قَبْلهَا فِي الْكُفَّار : قَوْله " فَوَرَبِّك لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِين ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْل جَهَنَّم جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلّ شِيعَة أَيّهمْ أَشَدّ عَلَى الرَّحْمَن عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَم بِاَلَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِنْ مِنْهُمْ ) [ مَرْيَم : 68 ] وَكَذَلِكَ قَرَأَ عِكْرِمَة وَجَمَاعَة وَعَلَيْهَا فَلَا شُعَب فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة وَقَالَتْ فِرْقَة الْمُرَاد ب ( مِنْكُمْ ) الْكَفَرَة وَالْمَعْنَى قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد وَهَذَا التَّأْوِيل أَيْضًا سَهْل التَّنَاوُل وَالْكَاف فِي ( مِنْكُمْ ) رَاجِحَة إِلَى الْهَاء فِي ( لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِين . ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْل جَهَنَّم جِثِيًّا ) فَلَا يُنْكَر رُجُوع الْكَاف إِلَى الْهَاء ; فَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا " [ الْإِنْسَان : 21 - 22 ] مَعْنَاهُ كَانَ لَهُمْ فَرَجَعَتْ الْكَاف إِلَى الْهَاء . وَقَالَ الْأَكْثَر : الْمُخَاطَب الْعَالَم كُلّه وَلَا بُدّ مِنْ وُرُود الْجَمِيع وَعَلَيْهِ نَشَأَ الْخِلَاف فِي الْوُرُود وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهِ وَظَاهِر الْوُرُود الدُّخُول لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ( فَتَمَسّهُ النَّار ) لِأَنَّ الْمَسِيس حَقِيقَته فِي اللُّغَة الْمُمَاسَّة إِلَّا أَنَّهَا تَكُون بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْجُونَ مِنْهَا سَالِمِينَ قَالَ خَالِد بْن مَعْدَان : إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة قَالُوا أَلَمْ يَقُلْ رَبّنَا إِنَّا نَرِد النَّار ؟ فَيُقَال لَقَدْ وَرَدْتُمُوهَا فَأَلْفَيْتُمُوهَا رَمَادًا . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل يَجْمَع شَتَات الْأَقْوَال فَإِنَّ مَنْ وَرَدَهَا وَلَمْ تُؤْذِهِ بِلَهَبِهَا وَحَرّهَا فَقَدْ أُبْعِدَ عَنْهَا وَنُجِّيَ مِنْهَا نَجَّانَا اللَّه تَعَالَى مِنْهَا بِفَضْلِهِ وَكَرَمه وَجَعَلَنَا مِمَّنْ وَرَدَهَا فَدَخَلَهَا سَالِمًا وَخَرَجَ مِنْهَا غَانِمًا . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَدْخُل الْأَنْبِيَاء النَّار ؟ قُلْنَا لَا نُطْلِق هَذَا وَلَكِنْ نَقُول : إِنَّ الْخَلْق جَمِيعًا يَرِدُونَهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث جَابِر أَوَّل الْبَاب فَالْعُصَاة يَدْخُلُونَهَا بِجَرَائِمِهِمْ , وَالْأَوْلِيَاء وَالسُّعَدَاء لِشَفَاعَتِهِمْ فَبَيْن الدُّخُولَيْنِ بَوْن وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ مُحْتَجًّا لِمُصْحَفِ عُثْمَان وَقِرَاءَة الْعَامَّة جَائِز فِي اللُّغَة أَنْ يَرْجِع مِنْ خِطَاب الْغَيْبَة إِلَى لَفْظ الْمُوَاجَهَة بِالْخِطَابِ كَمَا قَالَ ( وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا ) [ الْإِنْسَان : 22 ] فَأَبْدَلَ الْكَاف مِنْ الْهَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي ( يُونُس )

الثَّالِثَة : الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا لَكِنْ تَحِلَّة الْقَسَم وَهَذَا مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب وَالْمَعْنَى أَلَّا تَمَسّهُ النَّار أَصْلًا وَتَمَّ الْكَلَام هُنَا ثُمَّ اِبْتَدَأَ ( إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم ) أَيْ لَكِنْ تَحِلَّة الْقَسَم لَا بُدّ مِنْهَا فِي قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " وَهُوَ الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط أَوْ الرُّؤْيَة أَوْ الدُّخُول دُخُول سَلَامَة , فَلَا يَكُون فِي ذَلِكَ شَيْء مِنْ مَسِيس لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ( لَا يَمُوت لِأَحَدِكُمْ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد فَيَحْتَسِبهُمْ إِلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّة مِنْ النَّار ) وَالْجُنَّة الْوِقَايَة وَالسَّتْر وَمَنْ وُقِيَ النَّار /و سُتِرَ عَنْهَا فَلَنْ تَمَسّهُ أَصْلًا وَلَوْ مَسَّتْهُ لَمَّا كَانَ مُوَقًّى

الرَّابِعَة : هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر الْأَوَّل لِأَنَّ فِيهِ ذِكْر الْحِسْبَة ; وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ مَالِك بِأَثَرِهِ مُفَسِّرًا لَهُ وَيُقَيِّد هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّار أَوْ دَخَلَ الْجَنَّة ) فَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث ) وَمَعْنَاهُ عِنْد أَهْل الْعِلْم لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم وَلَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يَلْزَمهُمْ حِنْث دَلِيل عَلَى أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَاَللَّه أَعْلَم لِأَنَّ الرَّحْمَة إِذَا نَزَلَتْ بِآبَائِهِمْ اِسْتَحَالَ أَنْ يُرْحَمُوا مِنْ أَجْل ( مَنْ ) لَيْسَ بِمَرْحُومٍ . وَهَذَا إِجْمَاع مِنْ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَلَمْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ إِلَّا فِرْقَة شَذَّتْ مِنْ الْجَبْرِيَّة فَجَعَلَتْهُمْ الْمَشِيئَة وَهُوَ قَوْل مَهْجُور مَرْدُود بِإِجْمَاعِ الْحُجَّة الَّذِينَ لَا تَجُوز مُخَالَفَتهمْ , وَلَا يَجُوز عَلَى مِثْلهمْ الْغَلَط إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَار الْآحَاد الثِّقَات الْعُدُول ; وَأَنَّ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ( الشَّقِيّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْن أُمّه وَالسَّعِيد مَنْ سَعِدَ فِي بَطْن أُمّه وَأَنَّ الْمَلَك يَنْزِل فَيَكْتُب أَجَله وَعَمَله وَرِزْقه ) الْحَدِيث مَخْصُوص , وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ قَبْل الِاكْتِسَاب فَهُوَ مِمَّنْ سَعِدَ فِي بَطْن أُمّه وَلَمْ يَشْقَ بِدَلِيلِ الْأَحَادِيث وَالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهَا : ( يَا عَائِشَة إِنَّ اللَّه خَلَقَ الْجَنَّة وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ وَخَلَقَ النَّار وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ ) سَاقِط ضَعِيف مَرْدُود بِالْإِجْمَاعِ وَالْآثَار وَطَلْحَة بْن يَحْيَى الَّذِي يَرْوِيه ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ فَلَا يُعَرَّج عَلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى شُعْبَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة بْن إِيَاس الْمُزَنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار مَاتَ لَهُ اِبْن صَغِير فَوَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَا يَسُرّك أَلَّا تَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة إِلَّا وَجَدْته يَسْتَفْتِح لَك ) فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه أَلَهُ خَاصَّة أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّة ؟ قَالَ ( بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّة ) قَالَ أَبُو عُمَر هَذَا حَدِيث ثَابِت صَحِيح يَعْنِي مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ إِجْمَاع الْجُمْهُور ; وَهُوَ يُعَارِض حَدِيث يَحْيَى وَيَدْفَعهُ قَالَ أَبُو عُمَر : الْوَجْه عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْآثَار أَنَّهَا لِمَنْ حَافَظَ عَلَى أَدَاء فَرَائِضه وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِر , وَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ فِي مُصِيبَته ; فَإِنَّ الْخِطَاب لَمْ يَتَوَجَّه فِي ذَلِكَ الْعَصْر إِلَّا إِلَى قَوْم الْأَغْلَب مِنْ أَمْرهمْ مَا وَصَفْنَا وَهُمْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَذَكَرَ النَّقَّاش عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَ قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " قَوْله " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] وَهَذَا ضَعِيف , وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِع نَسْخ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَمَسّهُ النَّار فَقَدْ أُبْعِدَ عَنْهَا وَفِي الْخَبَر : ( تَقُول النَّار لِلْمُؤْمِنِ يَوْم الْقِيَامَة جُزْ يَا مُؤْمِن فَقَدْ أَطْفَأَ نُورك لَهَبِي ) .

الْخَامِسَة : قَوْله تَعَالَى : " كَانَ عَلَى رَبّك حَتْمًا مَقْضِيًّا " الْحَتْم إِيجَاب الْقَضَاء أَيْ كَانَ ذَلِكَ حَتْمًا . " مَقْضِيًّا " أَيْ قَضَاهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْكُمْ وَقَالَ اِبْن مَسْعُود أَيْ قَسَمًا وَاجِبًا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

    الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع : بحث في بيان مدى مشروعية ما يفعله كثير من الناس ، من الاجتماع في البيوت والمساجد في أوقات معينة ، أو مناسبات معينة ، أو بعد الصلوات المكتوبة لذكر الله تعالى بشكل جماعي ، أو يردد أحدهم ويرددون خلفه هذه الأذكار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/46840

    التحميل:

  • الشيعة والمسجد الأقصى

    الشيعة والمسجد الأقصى : قال الكاتب: « لعل البعض يستهجن أن نكتب في مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين، وفي الشرع الإسلامي؛ حيث إنها من المسلمات التي لا جدال فيها، ومكانة لا تحتاج إلى مزيد بيان؛ فهي ثابتة بصريح كلام الله تعالى في كتابه الكريم، وبصحيح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبإجماع الأمة على فضله. ولكننا على يقين بأن من يقرأ الرسالة التي بين أيدينا سيعذرنا بعد أن تكشف له الحقائق... ويعي حجم الخداع الذي لبس علينا من أناس ادعوا نصرة المسجد الأقصى وأرض المسر￯... ورفعوا لواء الدفاع عن المستضعفين من أهل فلسطين ومقدساتهم!! لذا كان لزاما الدفاع عن مكانة المسجد الأقصى، والتنبيه على ما جاء في الكتب والمراجع المعتمدة لد￯ الشيعة وما أكثرها!! والتي خطوا فيها بأيديهم أن لا مكانة للمسجد الأقصى بموقعه الحالي، وإنما هو مسجد في السماء!! وأن عامة الناس قد توهموا أنه مسجد القدس!! وقد اجتهدنا ألا نترك تلك المزاعم من غير ردود تدحضها وتكشف خبثها وزيفها، وذلك إسهاماً منا بالكلمة والقلم بغية كشف الحقائق، وإزالة الغشاوة، ليعي الجميع حجم المؤامرة والخداع الذي يحاول أولئك الأفاكون تسطيره وإثباته في مؤلفاتهم. وأثبتنا كذلك من خلال البحث والتقصي أن كل من حاول التشكيك في مكانة المسجد الأقصى المبارك - ومن أولئك اليهود والمستشرقون - دلل على ذلك بمزاعم واهية استلها من مراجع الشيعة، لتكون سيفاً يضرب ثوابت أمتنا وعقيدتها، ويزعزع مكانة المسجد الأقصى في قلوبنا. ونود أن ننبه أننا نقصد في هذه الرسالة وحدة الأمة وجمع كلمة المسلمين والاتفاق على مقدساتنا، وحب من كتب الله على أيديهم فتحها، وقطع الطريق أمام جيش البروفسورات من اليهود والمستشرقين الذين وجدوا في كتب الشيعة مادة دسمة، وجعلوها ذريعة للتهوين من مكانة بيت المقدس عند المسلمين... فكان لا بد من تمحيص تلك الروايات المشككة في مكانة المسجد الأقصى وإثبات فضائل بيت المقدس بالحجة والدليل ».

    الناشر: موقع الحقيقة http://www.haqeeqa.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268683

    التحميل:

  • الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحها العديد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله -، وذلك في صورة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2565

    التحميل:

  • رسائل في الأديان والفرق والمذاهب

    رسائل في الأديان والفرق والمذاهب : هذا الكتاب يحتوي على دراسة لبعض الأديان، والفرق، والمذاهب؛ حيث اشتمل على أربع عشرة رسالة، وهي كما يلي: الرسالة الأولى: مقدمة في الفلسفة، الرسالة الثانية: أديان الهند وشرق آسيا، الرسالة الثالثة: اليهودية، الرسالة الرابعة: الصهيونية، الرسالة الخامسة: الماسونية، الرسالة السادسة: النصرانية، الرسالة السابعة: الاستشراق، والاحتلال العسكري، والتنصير، الرسالة الثامنة:النصيرية، الرسالة التاسعة: البابية، الرسالة العاشرة: البهائية. الرسالة الحادية عشرة: القاديانية. الرسالة الثانية عشرة: الوجودية. الرسالة الثالثة عشرة: الشيوعية. الرسالة الرابعة عشرة: العلمانية.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172589

    التحميل:

  • شرح ثلاثة الأصول [ المصلح ]

    شرح ثلاثة الأصول : سلسلة من الدروس المفرغة والتي ألقاها فضيلة الشيخ خالد بن عبد الله المصلح - أثابه الله - والثلاثة الأصول وأدلتها هي رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285589

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة