Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 6

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) (مريم) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " يَرِثنِي " قَرَأَ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَالْحَسَن وَعَاصِم وَحَمْزَة " يَرِثنِي وَيَرِث " بِالرَّفْعِ فِيهِمَا . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن يَعْمَر وَأَبُو عَمْرو وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا , وَلَيْسَ هُمَا جَوَاب " هَبْ " عَلَى مَذْهَب سِيبَوَيْهِ , إِنَّمَا تَقْدِيره إِنْ تَهَبهُ يَرِثنِي وَيَرِث ; وَالْأَوَّل أَصْوَب فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ طَلَبَ وَارِثًا مَوْصُوفًا ; أَيْ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك الْوَلِيّ الَّذِي هَذِهِ حَاله وَصِفَته ; لِأَنَّ الْأَوْلِيَاء مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرِث ; فَقَالَ : هَبْ لِي الَّذِي يَكُون وَارِثِي ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْد ; وَرَدَّ قِرَاءَة الْجَزْم ; قَالَ : لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِنْ وَهَبْت وَرِثَ , وَكَيْفَ يُخْبِر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا وَهُوَ أَعْلَم بِهِ مِنْهُ ؟ ! النَّحَّاس : وَهَذِهِ حُجَّة مُتَقَصَّاة ; لِأَنَّ جَوَاب الْأَمْر عِنْد النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْط وَالْمُجَازَاة ; تَقُول : أَطِعْ اللَّه يُدْخِلك الْجَنَّة ; أَيْ إِنْ تُطِعْهُ يُدْخِلك الْجَنَّة .

الثَّانِيَة : قَالَ النَّحَّاس : فَأَمَّا مَعْنَى " يَرِثنِي وَيَرِث مِنْ آل يَعْقُوب " فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَة أَجْوِبَة ; قِيلَ : هِيَ وِرَاثَة نُبُوَّة . وَقِيلَ : وِرَاثَة حِكْمَة . وَقِيلَ : هِيَ وِرَاثَة مَال . فَأَمَّا قَوْلهمْ وِرَاثَة نُبُوَّة فَمُحَال ; لِأَنَّ النُّبُوَّة لَا تُورَث , وَلَوْ كَانَتْ تُورَث لَقَالَ قَائِل : النَّاس يَنْتَسِبُونَ إِلَى نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ نَبِيّ مُرْسَل . وَوِرَاثَة الْعِلْم وَالْحِكْمَة مَذْهَب حَسَن ; وَفِي الْحَدِيث ( الْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء ) . وَأَمَّا وِرَاثَة الْمَال فَلَا يَمْتَنِع , وَإِنْ كَانَ قَوْم قَدْ أَنْكَرُوهُ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) فَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ الْوَاحِد يُخْبِر عَنْ نَفْسه بِإِخْبَارِ الْجَمْع . وَقَدْ يُؤَوَّل هَذَا بِمَعْنَى : لَا نُورَث الَّذِي تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخَلِّف شَيْئًا يُورَث عَنْهُ ; وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُ فِي حَيَاته بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ اِسْمه : " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه وَلِلرَّسُولِ " [ الْأَنْفَال : 41 ] لِأَنَّ مَعْنَى " لِلَّهِ " لِسَبِيلِ اللَّه , وَمِنْ سَبِيل اللَّه مَا يَكُون فِي مَصْلَحَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَامَ حَيًّا ; فَإِنْ قِيلَ : فَفِي بَعْض الرِّوَايَات ( إِنَّا مَعَاشِر الْأَنْبِيَاء لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) فَفِيهِ التَّأْوِيلَانِ جَمِيعًا ; أَنْ يَكُون " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي . وَالْآخَر لَا يُورَث مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَاله . وَقَالَ أَبُو عُمَر : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَة ) عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : وَهُوَ الْأَكْثَر وَعَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورَث وَمَا تَرَكَ صَدَقَة . وَالْآخَر : أَنَّ نَبِيّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يُورَث ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَ مَاله كُلّه صَدَقَة زِيَادَة فِي فَضِيلَته , كَمَا خُصَّ فِي النِّكَاح بِأَشْيَاء أَبَاحَهَا لَهُ وَحَرَّمَهَا عَلَى غَيْره ; وَهَذَا الْقَوْل قَالَهُ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة مِنْهُمْ اِبْن عُلَيَّة , وَسَائِر عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل .

الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : " مِنْ آل يَعْقُوب " قِيلَ : هُوَ يَعْقُوب بْن إِسْرَائِيل , وَكَانَ زَكَرِيَّا مُتَزَوِّجًا بِأُخْتِ مَرْيَم بِنْت عِمْرَان , وَيَرْجِع نَسَبهَا إِلَى يَعْقُوب ; لِأَنَّهَا مِنْ وَلَد سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَهُوَ مِنْ وَلَد يهوذا بْن يَعْقُوب , وَزَكَرِيَّا مِنْ وَلَد هَارُون أَخِي مُوسَى , وَهَارُون وَمُوسَى مِنْ وَلَد لَاوِي بْن يَعْقُوب , وَكَانَتْ النُّبُوَّة فِي سِبْط يَعْقُوب بْن إِسْحَاق . وَقِيلَ : الْمَعْنِيّ بِيَعْقُوب هَاهُنَا ابْن يَعْقُوب بْن مَاثَان أَخُو عِمْرَان بْن مَاثَان أَبِي مَرْيَم أَخَوَانِ مِنْ نَسْل سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام ; لِأَنَّ يَعْقُوب وَعِمْرَان اِبْنَا مَاثَان , وَبَنُو مَاثَان رُؤَسَاء بَنِي إِسْرَائِيل ; قَالَهُ مُقَاتِل وَغَيْره . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : وَكَانَ آل يَعْقُوب أَخْوَاله , وَهُوَ يَعْقُوب بْن مَاثَان , وَكَانَ فِيهِمْ الْمُلْك , وَكَانَ زَكَرِيَّا مِنْ وَلَد هَارُون بْن عِمْرَان أَخِي مُوسَى . وَرَوَى قَتَادَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَرْحَم اللَّه - تَعَالَى - زَكَرِيَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَته ) . وَلَمْ يَنْصَرِف يَعْقُوب لِأَنَّهُ أَعْجَمِيّ .

الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا " أَيْ مَرْضِيًّا فِي أَخْلَاقه وَأَفْعَاله . وَقِيلَ : رَاضِيًا بِقَضَائِك وَقَدَرك . وَقِيلَ : رَجُلًا صَالِحًا تَرْضَى عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو صَالِح : نَبِيًّا كَمَا جَعَلْت أَبَاهُ نَبِيًّا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كيف تطيل عمرك الإنتاجي؟

    كيف تطيل عمرك الإنتاجي؟ : يتناول هذا الكتاب باختصار معظم الأعمال الصالحة التي ثوابها يضيف لك عمراً إضافياً، ليكون عمرك الإنتاجي من الحسنات أكبر من عمرك الزمني. والكتاب بمثابة مجهر يكشف لأنظارنا أهمية جديدة للعديد من الأحاديث التي نقرأها ونمر عليها أحياناً مروراً دون تدبر. جعل الكتاب في ثلاثة فصول: - الفصل الأول: ويشتمل على: أهمية إطالة العمر ومفهومها. - الفصل الثاني: الأعمال المطيلة للأعمار وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: إطالة العمر بالأخلاق الفاضلة. المبحث الثاني: إطالة العمر بالأعمال ذات الأجور المضاعفة. المبحث الثالث: إطالة العمر بالأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات. المبحث الرابع: إطالة العمر باستغلال الوقت. - الفصل الثالث: كيفية المحافظة على العمر الإنتاجي من الحسنات. وقد وثقت مسائل الكتاب بعزوها إلى مظانها من كتب العلم، وحرص عدم ذكر إلا الأحاديث الصحيحة أو الحسنة وتخريجها من مصادرها. تقديم: الشيخ صالح بن غانم السدلان - الشيخ عبد الرحيم بن إبراهيم الهاشم.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291304

    التحميل:

  • شرح نواقض الإسلام [ البراك ]

    اعلم أيها المسلم أن الله - سبحانه وتعالى - أوجب على جميع العباد الدخول في الإسلام والتمسك به والحذر مما يخالفه، وبعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - للدعوة إلى ذلك، وأخبر - عز وجل - أن من اتبعه فقد اهتدى، ومن أعرض عنه فقد ضل، وحذر في آيات كثيرات من أسباب الردة، وسائر أنواع الشرك والكفر، وذكر العلماء رحمهم الله في باب حكم المرتد أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله، ويكون بها خارجا من الإسلام، وقد قام فضيلة الشيخ البراك - حفظه الله - بشرح رسالة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - والتي بين فيها بعض هذه النواقض.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322168

    التحميل:

  • تفسير آيات من القرآن الكريم

    هذا الكتاب يتكون من 400 صفحة يحتوي على تفسير آيات من القرآن الكريم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264163

    التحميل:

  • المرأة فى الإسلام والمرأة فى العقيدة اليهودية والمسيحية بين الأسطورة والحقيقة

    المرأة فى الإسلام والمرأة فى العقيدة اليهودية والمسيحية بين الأسطورة والحقيقة : التحليل العادل والجواب الشافي عن الأسئلة التالية: هل اليهودية والمسيحية والإسلام يشتركون في نفس العقائد الخاصة بالمرأة؟ هل حقاً اليهودية والمسيحية أكرموا المرأة أكثر من الإسلام؟ ما الحقيقة؟

    الناشر: جمعية تبليغ الإسلام www.islamic-message.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191528

    التحميل:

  • حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

    حاشية على متن الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية للعلامة السفاريني - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70854

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة