Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 57

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) (مريم) mp3
قَالَ أَنَس بْن مَالِك وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ وَغَيْرهمَا : يَعْنِي السَّمَاء الرَّابِعَة . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك : يَعْنِي السَّمَاء السَّادِسَة ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . قُلْت : وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَمِر قَالَ سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول : لَيْلَة أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِد الْكَعْبَة , الْحَدِيث وَفِيهِ : كُلّ سَمَاء فِيهَا أَنْبِيَاء - قَدْ سَمَّاهُمْ - مِنْهُمْ إِدْرِيس فِي الثَّانِيَة . وَهُوَ وَهْم , وَالصَّحِيح أَنَّهُ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة ; كَذَلِكَ رَوَاهُ ثَابِت الْبُنَانِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيح . وَرَوَى مَالِك بْن صَعْصَعَة قَالَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاء أَتَيْت عَلَى إِدْرِيس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم أَيْضًا . وَكَانَ سَبَب رَفْعه عَلَى مَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَكَعْب وَغَيْرهمَا : أَنَّهُ سَارَ ذَات يَوْم فِي حَاجَة فَأَصَابَهُ وَهَج الشَّمْس , فَقَالَ : ( يَا رَبّ أَنَا مَشَيْت يَوْمًا فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْمِلهَا خَمْسمِائَةِ عَام فِي يَوْم وَاحِد ! اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ مِنْ ثِقَلهَا . يَعْنِي الْمَلَك الْمُوَكَّل بِفَلَكِ الشَّمْس ) ; يَقُول إِدْرِيس : اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ مِنْ ثِقَلهَا وَاحْمِلْ عَنْهُ مِنْ حَرّهَا . فَلَمَّا أَصْبَحَ الْمَلَك وَجَدَ مِنْ خِفَّة الشَّمْس وَالظِّلّ مَا لَا يَعْرِف فَقَالَ : يَا رَبّ خَلَقْتنِي لِحَمْلِ الشَّمْس فَمَا الَّذِي قَضَيْت فِيهِ ؟ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَمَا إِنَّ عَبْدِي إِدْرِيس سَأَلَنِي أَنْ أُخَفِّف عَنْك حَمْلهَا وَحَرّهَا فَأَجَبْته " فَقَالَ : يَا رَبّ اِجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنه , وَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنه خُلَّة . فَأَذِنَ اللَّه لَهُ حَتَّى أَتَى إِدْرِيس , وَكَانَ إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام يَسْأَلهُ . فَقَالَ أُخْبِرْت أَنَّك أَكْرَم الْمَلَائِكَة وَأَمْكَنهمْ عِنْد مَلَك الْمَوْت , فَاشْفَعْ لِي إِلَيْهِ لِيُؤَخِّر أَجَلِي , فَأَزْدَاد شُكْرًا وَعِبَادَة . فَقَالَ الْمَلَك : لَا يُؤَخِّر اللَّه نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلهَا فَقَالَ لِلْمَلَكِ : قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَطْيَب لِنَفْسِي . قَالَ نَعَمْ . ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى جَنَاحه فَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاء وَوَضَعَهُ عِنْد مَطْلَع الشَّمْس , ثُمَّ قَالَ لِمَلَكِ الْمَوْت : لِي صَدِيق مِنْ بَنِي آدَم تَشَفَّعَ بِي إِلَيْك لِتُؤَخِّر أَجَله . فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ وَلَكِنْ إِنْ أَحْبَبْت عِلْمه أَعْلَمْته مَتَى يَمُوت . قَالَ : " نَعَمْ " ثُمَّ نَظَرَ فِي دِيوَانه , فَقَالَ : إِنَّك تَسْأَلنِي عَنْ إِنْسَان مَا أَرَاهُ يَمُوت أَبَدًا . قَالَ " وَكَيْفَ " ؟ قَالَ : لَا أَجِدهُ يَمُوت إِلَّا عِنْد مَطْلَع الشَّمْس . قَالَ : فَإِنِّي أَتَيْتُك وَتَرَكْته هُنَاكَ ; قَالَ : اِنْطَلِقْ فَمَا أَرَاك تَجِدهُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فَوَاَللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَل إِدْرِيس شَيْء . فَرَجَعَ الْمَلَك فَوَجَدَهُ مَيِّتًا . وَقَالَ السُّدِّيّ : إِنَّهُ نَامَ ذَات يَوْم , وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَرّ الشَّمْس , فَقَامَ وَهُوَ مِنْهَا فِي كَرْب ; فَقَالَ : اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْ مَلَك الشَّمْس حَرّهَا , وَأَعْنِهِ عَلَى ثِقَلهَا , فَإِنَّهُ يُمَارِس نَارًا حَامِيَة . فَأَصْبَحَ مَلَك الشَّمْس وَقَدْ نُصِبَ لَهُ كُرْسِيّ مِنْ نُور عِنْده سَبْعُونَ أَلْف مَلَك عَنْ يَمِينه , وَمِثْلهَا عَنْ يَسَاره يَخْدُمُونَهُ , وَيَتَوَلَّوْنَ أَمْره وَعَمَله مِنْ تَحْت حُكْمه ; فَقَالَ مَلَك الشَّمْس : يَا رَبّ مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا ؟ . قَالَ " دَعَا لَك رَجُل مِنْ بَنِي آدَم يُقَال لَهُ إِدْرِيس " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث كَعْب قَالَ فَقَالَ لَهُ مَلَك الشَّمْس : أَتُرِيدُ حَاجَة ؟ قَالَ : نَعَمْ وَدِدْت أَنِّي لَوْ رَأَيْت الْجَنَّة . قَالَ : فَرَفَعَهُ عَلَى جَنَاحه , ثُمَّ طَارَ بِهِ , فَبَيْنَمَا هُوَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة اِلْتَقَى بِمَلَكِ الْمَوْت يَنْظُر فِي السَّمَاء , يَنْظُر يَمِينًا وَشِمَالًا , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مَلَك الشَّمْس , وَقَالَ : يَا إِدْرِيس هَذَا مَلَك الْمَوْت فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَقَالَ مَلَك الْمَوْت : سُبْحَان اللَّه ! وَلِأَيِّ مَعْنًى رَفَعْته هُنَا ؟ قَالَ : رَفَعْته لِأُرِيَهُ الْجَنَّة . قَالَ : فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أَقْبِض رُوح إِدْرِيس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة . قُلْت : يَا رَبّ وَأَيْنَ إِدْرِيس مِنْ السَّمَاء الرَّابِعَة , فَنَزَلْت فَإِذَا هُوَ مَعَك ; فَقَبَضَ رُوحه فَرَفَعَهَا إِلَى الْجَنَّة , وَدَفَنَتْ الْمَلَائِكَة جُثَّته فِي السَّمَاء الرَّابِعَة , فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا " قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ يُرْفَع لِإِدْرِيس كُلّ يَوْم مِنْ الْعِبَادَة مِثْل مَا يُرْفَع لِأَهْلِ الْأَرْض فِي زَمَانه , فَعَجِبَ مِنْهُ الْمَلَائِكَة وَاشْتَاقَ إِلَيْهِ مَلَك الْمَوْت , فَاسْتَأْذَنَ رَبّه فِي زِيَارَته فَأَذِنَ لَهُ , فَأَتَاهُ فِي صُورَة آدَمِيّ , وَكَانَ إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام يَصُوم النَّهَار ; فَلَمَّا كَانَ وَقْت إِفْطَاره دَعَاهُ إِلَى طَعَامه فَأَبَى أَنْ يَأْكُل . فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ثَلَاث لَيَالٍ فَأَنْكَرَهُ إِدْرِيس ; وَقَالَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ! قَالَ أَنَا مَلَك الْمَوْت ; اِسْتَأْذَنْت رَبِّي أَنْ أَصْحَبَك فَأَذِنَ لِي ; فَقَالَ : إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة . قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : أَنْ تَقْبِض رُوحِي . فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ اِقْبِضْ رُوحه ; فَقَبَضَهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ بَعْد سَاعَة , وَقَالَ لَهُ مَلَك الْمَوْت : مَا الْفَائِدَة فِي قَبْض رُوحك ؟ قَالَ : لِأَذُوقَ كُرَب الْمَوْت فَأَكُون لَهُ أَشَدّ اِسْتِعْدَادًا . ثُمَّ قَالَ لَهُ إِدْرِيس بَعْد سَاعَة : إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة أُخْرَى . قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ أَنْ تَرْفَعنِي إِلَى السَّمَاء فَأَنْظُر إِلَى الْجَنَّة وَالنَّار ; فَأَذِنَ اللَّه تَعَالَى لَهُ فِي رَفْعه إِلَى السَّمَوَات , فَرَأَى النَّار فَصَعِقَ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَرِنِي الْجَنَّة ; فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّة , ثُمَّ قَالَ لَهُ مَلَك الْمَوْت : اخْرُجْ لِتَعُودَ إِلَى مَقَرّك . فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ وَقَالَ : لَا أَخْرُج مِنْهَا . فَبَعَثَ اللَّه تَعَالَى بَيْنهمَا مَلَكًا حَكَمًا , فَقَالَ مَا لَك لَا تَخْرُج ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ " كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت " [ آل عِمْرَان : 185 ] وَأَنَا ذُقْته , وَقَالَ : " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " [ مَرْيَم : 71 ] وَقَدْ وَرَدْتهَا ; وَقَالَ : " وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " [ الْحِجْر : 48 ] فَكَيْفَ أَخْرُج ؟ قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَلَكِ الْمَوْت : " بِإِذْنِي دَخَلَ الْجَنَّة وَبِأَمْرِي يَخْرُج " فَهُوَ حَيّ هُنَالِكَ فَذَلِكَ قَوْله " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا " قَالَ النَّحَّاس : قَوْل إِدْرِيس " وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " يَجُوز أَنْ يَكُون اللَّه أَعْلَمَ هَذَا إِدْرِيس , ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآن بِهِ . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : فَإِدْرِيس تَارَة يَرْتَع فِي الْجَنَّة , وَتَارَة يَعْبُد اللَّه تَعَالَى مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المنتقى من بطون الكتب

    المنتقى من بطون الكتب : قام الكاتب بتدوين ما أستحسنه أثناء مامر به وهو يقرأ في بعض الكتب، سواء كانت حكمة بالغة أو موعظة حسنة، أو نظرة ثاقبة، أو فكرة سامية، أو تجربة ناضجة، أو عبارة رائعة رائقة، أو تحرير عال، أو أسلوب بارع، أو معنى لطيف، أو نحو ذلك وماجرى مجراه مما يبهج النفس، ويوسع المدارك، ويرقي الهمة، ويزيد في الإيمان، ويدعو إلى لزوم الفضيلة.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172258

    التحميل:

  • زاد الحجَّاج والمُعتمرين من فقه وآداب ذينِك النسكين

    زاد الحجَّاج والمُعتمرين من فقه وآداب ذينِك النسكين: قال المؤلف: «فهذه رسالة جمعتُ فيها مهمات من أحكام المناسك; وآدابًا وتنبيهات للناسك; جمعتُها لنفسي من مصنَّفات أهل العلم قبلي; وأحببتُ أن ينتفع بها غيري; وقد حرصتُ أن تكون مقترنة بالدليل; وأسأل الله تعالى أن تكون نافعة وهادية إلى سواء السبيل».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330470

    التحميل:

  • الصحيح المسند من أسباب النزول

    الصحيح المسند من أسباب النزول: بحثٌ مُقدَّم للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد نفع الله به وأصبحَ مرجعًا في علم أسباب النزول، قال الشيخ - رحمه الله -: «وكنتُ في حالة تأليفه قد ذكرتُ بعضَ الأحاديث التابعة لحديث الباب بدون سندٍ، فأحببتُ في هذه الطبعة أن أذكر أسانيد ما تيسَّر لي، وكان هناك أحاديث ربما ذكرتُ الشاهدَ منها، فعزمتُ على ذكر الحديث بتمامه. أما ذكرُ الحديث بتمامه فلما فيه من الفوائد، وأما ذكرُ السند فإن علماءَنا - رحمهم الله تعالى - كانوا لا يقبَلون الحديثَ إلا بسنده ...».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380507

    التحميل:

  • فقه اللغة [ مفهومه - موضوعاته - قضاياه ]

    فقه اللغة : يحتوي هذا الكتاب على مدخل، وأربعة أبواب، وخاتمة، وذلك على النحو التالي: - مدخل: ويحتوي على قبس من التنزيل في التنويه بشأن العربية، وعلى بعض أقوال السلف، والعلماء والشعراء في تعظيم شأن العربية. - الباب الأول: دراسة عامة للغة وفقه اللغة. - الباب الثاني: دراسات عامة لبعض موضوعات فقه اللغة. - الباب الثالث: دراسات في المعاجم العربية. - الباب الرابع: مشكلات تواجه العربية. وتحت كل باب من الأبواب السابقة عدد من الفصول، وتحت كل فصل عدد من المباحث. - الخاتمة: وتتضمن ملخصاً يجمع أطراف ما ورد في هذا الكتاب.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172587

    التحميل:

  • التحذير من البدع

    التحذير من البدع: كتيب لطيف للشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - ويحتوي على 4 رسائل، وهي: حكم الاحتفال بالمولد، حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان، تنبيه على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102352

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة