Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) (مريم) mp3
اُخْتُلِفَ فِيهِ ; فَقِيلَ : هُوَ إِسْمَاعِيل بْن حزقيل , بَعَثَهُ اللَّه إِلَى قَوْمه فَسَلَخُوا جِلْدَة رَأْسه , فَخَيَّرَهُ اللَّه تَعَالَى فِيمَا شَاءَ مِنْ عَذَابهمْ , فَاسْتَعْفَاهُ وَرَضِيَ بِثَوَابِهِ , وَفَوَّضَ أَمْرهمْ إِلَيْهِ فِي عَفْوه وَعُقُوبَته . وَالْجُمْهُور أَنَّهُ إِسْمَاعِيل الذَّبِيح أَبُو الْعَرَب بْن إِبْرَاهِيم . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الذَّبِيح إِسْحَاق ; وَالْأَوَّل أَظْهَر عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي فِي " وَالصَّافَّات " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَخَصَّهُ اللَّه تَعَالَى بِصِدْقِ الْوَعْد وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء تَشْرِيفًا لَهُ وَإِكْرَامًا , كَالتَّقْلِيبِ بِنَحْوِ الْحَلِيم وَالْأَوَّاه وَالصِّدِّيق ; وَلِأَنَّهُ الْمَشْهُور الْمُتَوَاصِف مِنْ خِصَاله . صِدْق الْوَعْد مَحْمُود وَهُوَ مِنْ خُلُق النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ , وَضِدّه وَهُوَ الْخُلْف مَذْمُوم , وَذَلِكَ مِنْ أَخْلَاق الْفَاسِقِينَ وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " بَرَاءَة " . وَقَدْ أَثْنَى اللَّه تَعَالَى عَلَى نَبِيّه إِسْمَاعِيل فَوَصَفَهُ بِصِدْقِ الْوَعْد . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ; فَقِيلَ : إِنَّهُ وَعَدَ مِنْ نَفْسه بِالصَّبْرِ عَلَى الذَّبْح فَصَبَرَ حَتَّى فُدِيَ . هَذَا فِي قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّهُ الذَّبِيح . وَقِيلَ : وَعَدَ رَجُلًا أَنْ يَلْقَاهُ فِي مَوْضِع فَجَاءَ إِسْمَاعِيل وَانْتَظَرَ الرَّجُل يَوْمه وَلَيْلَته , فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الْآخَر جَاءَ ; فَقَالَ لَهُ : مَا زِلْت هَاهُنَا فِي اِنْتِظَارك مُنْذُ أَمْس . وَقِيلَ : اِنْتَظَرَهُ ثَلَاثَة أَيَّام . وَقِيلَ فَعَلَ مِثْله نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل بَعْثه ; ذَكَرَهُ النَّقَّاش وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَمْسَاء قَالَ : بَايَعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْل أَنْ يُبْعَث وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّة فَوَعَدْته أَنْ آتِيه بِهَا فِي مَكَانه فَنَسِيت , ثُمَّ ذَكَرْت بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام , فَجِئْت فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانه ; فَقَالَ : ( يَا فَتَى لَقَدْ شَقَقْت عَلَيَّ أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاث أَنْتَظِرك ) لَفْظ أَبِي دَاوُد . وَقَالَ يَزِيد الرَّقَاشِيّ : اِنْتَظَرَهُ إِسْمَاعِيل اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَفِي كِتَاب اِبْن سَلَّام أَنَّهُ اِنْتَظَرَهُ سَنَة . وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ وَعَدَ صَاحِبًا لَهُ أَنْ يَنْتَظِرهُ فِي مَكَان فَانْتَظَرَهُ سَنَة . وَذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ قَالَ : فَلَمْ يَبْرَح مِنْ مَكَانه سَنَة حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ إِنَّ التَّاجِر الَّذِي سَأَلَك أَنْ تَقْعُد لَهُ حَتَّى يَعُود هُوَ إِبْلِيس فَلَا تَقْعُد وَلَا كَرَامَة لَهُ . وَهَذَا بَعِيد وَلَا يَصِحّ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ إِسْمَاعِيل لَمْ يَعِد شَيْئًا إِلَّا وَفَّى بِهِ , وَهَذَا قَوْل صَحِيح , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِر الْآيَة ; وَاَللَّه أَعْلَم . مِنْ هَذَا الْبَاب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْعِدَةُ دَيْنٌ ) . وَفِي الْأَثَر ( وَأْيُ الْمُؤْمِن وَاجِبٌ ) أَيْ فِي أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو عُمَر أَنَّ مَنْ وَعَدَ بِمَالٍ مَا كَانَ لِيَضْرِب بِهِ مَعَ الْغُرَمَاء ; فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِيجَاب الْوَفَاء بِهِ حَسَن مَعَ الْمُرُوءَة , وَلَا يُقْضَى بِهِ وَالْعَرَب تَمْتَدِح بِالْوَفَاءِ , وَتَذُمّ بِالْخُلْفِ وَالْغَدْر , وَكَذَلِكَ سَائِر الْأُمَم , وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِل : مَتَى مَا يَقُلْ حُرّ لِصَاحِبِ حَاجَة نَعَمْ يَقْضِهَا وَالْحُرّ لِلْوَأْيِ ضَامِن وَلَا خِلَاف أَنَّ الْوَفَاء يَسْتَحِقّ صَاحِبه الْحَمْد وَالشُّكْر , وَعَلَى الْخُلْف الذَّمّ . وَقَدْ أَثْنَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مَنْ صَدَقَ وَعْدَهُ , وَوَفَى بِنَذْرِهِ ; وَكَفَى بِهَذَا مَدْحًا وَثَنَاء , وَبِمَا خَالَفَهُ ذَمًّا . قَالَ مَالِك : إِذَا سَأَلَ الرَّجُل الرَّجُل أَنْ يَهَب لَهُ الْهِبَة فَيَقُول لَهُ نَعَمْ , ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَلَّا يَفْعَل فَمَا أَرَى يَلْزَمهُ . قَالَ مَالِك : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي قَضَاء دَيْن فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيه عَنْهُ فَقَالَ نَعَمْ , وَثَمَّ رِجَال يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ فَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يَلْزَمهُ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ اِثْنَانِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَسَائِر الْفُقَهَاء : إِنَّ الْعِدَة لَا يَلْزَم مِنْهَا شَيْء لِأَنَّهَا مَنَافِع لَمْ يَقْبِضهَا فِي الْعَارِيَة لِأَنَّهَا طَارِئَة , وَفِي غَيْر الْعَارِيَة هِيَ أَشْخَاص وَأَعْيَان مَوْهُوبَة لَمْ تُقْبَض فَلِصَاحِبِهَا الرُّجُوع فِيهَا . وَفِي الْبُخَارِيّ " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب إِسْمَاعِيل إِنَّهُ كَانَ صَادِق الْوَعْد " ; وَقَضَى اِبْن أَشْوَع بِالْوَعْدِ وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب . قَالَ الْبُخَارِيّ : وَرَأَيْت إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم يَحْتَجّ بِحَدِيثِ اِبْن أَشْوَع .


قِيلَ : أُرْسِلَ إِسْمَاعِيل إِلَى جُرْهُم . وَكُلّ الْأَنْبِيَاء كَانُوا إِذَا وَعَدُوا صَدَقُوا , وَخَصَّ إِسْمَاعِيل بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة

    الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة: دراسة علمية لجهود الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - في توضيح وتأصيل العقيدة الإسلامية الصحيحة، من خلال كتبه ومؤلَّفاته الكثيرة في ذلك؛ ومنها: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان»، ومختصره: «تيسير اللطيف المنَّان»، وشرح كتاب التوحيد، وغير ذلك من كتبه ورسائله - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344682

    التحميل:

  • مصارف الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    مصارف الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «مصارف الزكاة في الإسلام» بيَّنت فيها مفهوم المصارف: لغة، واصطلاحًا، وأن الله حصر مصارف الزكاة بلا تعميم في العطاء، وذكرت أنواع المصارف الثمانية، وبيَّنت مفهوم كل مصرف: لغةً، واصطلاحًا، ونصيب كل نوع من المصارف، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، وفضل الدفع لكل مصرف، ثم ذكرت أصناف وأنواع من لا يصحّ دفع الزكاة إليهم بالأدلة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193657

    التحميل:

  • الأثر التربوي للمسجد

    الأثر التربوي للمسجد : إن دور المسجد في الواقع جزء متكامل مع أدوار المؤسسات الأخرى في المجتمع، فتنطلق منه لتمارس أنشطتها من خلاله مغزولة ومتداخلة في النسيج الذي يكون حياة المجتمع، وهذه المحاضرة توضح أثرًا من آثار المسجد المباركة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144873

    التحميل:

  • الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

    الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد أحببتُ أن يكون لي الفضلُ الكبير والشرفُ العظيمُ في تصنيفِ كتابٍ أُضمِّنُه دلائلَ نبوَّةِ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: مُعجزاته الحسيَّة، وأخلاقه الكريمة الفاضِلة، فصنَّفتُ كتابي هذا وجعلتُه تحت عنوان: «الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أخلاقه الكريمة الفاضِلة في ضوء الكتاب والسنة»، وقد رتَّبتُ موضوعاتِه حسب حروف الهِجاء ليسهُل الرجوعُ إليها عند اللزومِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384397

    التحميل:

  • نور البصائر والألباب في أحكام العبادات والمعاملات والحقوق والآداب

    نور البصائر والألباب في أحكام العبادات والمعاملات والحقوق والآداب : كتاب مختصر في أبواب الفقه عامة وفصولا مهمة في الآداب والحقوق صاغه بعبارة موجزة سهلة يشترك في فهمها الجميع مقتصرا على القول الراجح دون تعرض للخلاف، ويتميز أيضا بأنه يعد من أواخر ما صنف حيث فرغ منه قبل وفاته بعامين تقريبا. اعتنى به : الشيخ خالد بن عثمان السبت - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205538

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة