Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 47

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) (مريم) mp3
لَمْ يُعَارِضهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بِسُوءِ الرَّدّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَر بِقِتَالِهِ عَلَى كُفْره . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِسَلَامِهِ الْمُسَالَمَة الَّتِي هِيَ الْمُتَارَكَة لَا التَّحِيَّة ; قَالَ الطَّبَرِيّ : مَعْنَاهُ أَمَنَة مِنِّي لَك . وَعَلَى هَذَا لَا يُبْدَأ الْكَافِر بِالسَّلَامِ . وَقَالَ النَّقَّاش : حَلِيم خَاطَبَ سَفِيهًا ; كَمَا قَالَ : " وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " [ الْفُرْقَان : 63 ] . وَقَالَ بَعْضهمْ فِي مَعْنَى تَسْلِيمه : هُوَ تَحِيَّة مُفَارِق ; وَجُوِّزَ تَحِيَّة الْكَافِر وَأَنْ يَبْدَأ بِهَا . قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَة : هَلْ يَجُوز السَّلَام عَلَى الْكَافِر ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ " [ الْمُمْتَحَنَة : 8 ] . وَقَالَ " قَدْ كَانَتْ " لَكُمْ أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم " [ الْمُمْتَحَنَة : 4 ] الْآيَة ; وَقَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ " سَلَام عَلَيْك " . قُلْت : الْأَظْهَر مِنْ الْآيَة مَا قَالَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة ; وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ : رَوَى أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدهمْ فِي الطَّرِيق فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقه ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَاف تَحْته قَطِيفَة فَدَكِيَّة , وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَة بْن زَيْد ; وَهُوَ يَعُود سَعْد بْن عُبَادَة فِي بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج , وَذَلِكَ قَبْل وَقْعَة بَدْر , حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِس فِيهِ أَخْلَاط مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْيَهُود , وَفِيهِمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول , وَفِي الْمَجْلِس عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِس عَجَاجَة الدَّابَّة , خَمَّرَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ أَنْفه بِرِدَائِهِ , ثُمَّ قَالَ : لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا , فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; الْحَدِيث . فَالْأَوَّل يُفِيد تَرْك السَّلَام عَلَيْهِمْ اِبْتِدَاء لِأَنَّ ذَلِكَ إِكْرَام , وَالْكَافِر لَيْسَ أَهْله . وَالْحَدِيث الثَّانِي يُجَوِّز ذَلِكَ . قَالَ الطَّبَرِيّ : وَلَا يُعَارِض مَا رَوَاهُ أُسَامَة بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدهمَا خِلَاف لِلْآخَرِ وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَخْرَجه الْعُمُوم , وَخَبَر أُسَامَة يُبَيِّن أَنَّ مَعْنَاهُ الْخُصُوص . وَقَالَ النَّخَعِيّ : إِذَا كَانَتْ لَك حَاجَة عِنْد يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ فَابْدَأْهُ بِالسَّلَامِ فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ ) إِذَا كَانَ لِغَيْرِ سَبَب يَدْعُوكُمْ إِلَى أَنْ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ , مِنْ قَضَاء ذِمَام أَوْ حَاجَة تَعْرِض لَكُمْ قِبَلهمْ , أَوْ حَقّ صُحْبَة أَوْ جِوَار أَوْ سَفَر . قَالَ الطَّبَرِيّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السَّلَف أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَى أَهْل الْكِتَاب . وَفَعَلَهُ اِبْن مَسْعُود بِدِهْقَانٍ صَحِبَهُ فِي طَرِيقه ; قَالَ عَلْقَمَة : فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن أَلَيْسَ يُكْرَه أَنْ يُبْدَءُوا بِالسَّلَامِ ؟ ! قَالَ نَعَمْ , وَلَكِنْ حَقّ الصُّحْبَة . وَكَانَ أَبُو أُسَامَة إِذَا اِنْصَرَفَ إِلَى بَيْته لَا يَمُرّ بِمُسْلِمٍ وَلَا نَصْرَانِيّ وَلَا صَغِير وَلَا كَبِير إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ ; قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : أُمِرْنَا أَنْ نُفْشِي السَّلَام . وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ مُسْلِم مَرَّ بِكَافِرٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ : إِنْ سَلَّمْت فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ قَبْلك , وَإِنْ تَرَكْت فَقَدْ تَرَكَ الصَّالِحُونَ قَبْلك . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا مَرَرْت بِمَجْلِسٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَكُفَّار فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ . قُلْت : وَقَدْ اِحْتَجَّ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِأَنَّ السَّلَام الَّذِي مَعْنَاهُ التَّحِيَّة إِنَّمَا خُصَّ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّة ; لِحَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْطَى أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ أَحَدًا قَبْلهمْ السَّلَام وَهِيَ تَحِيَّة أَهْل الْجَنَّة ) الْحَدِيث ; ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم ; وَقَدْ مَضَى فِي الْفَاتِحَة بِسَنَدِهِ . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي مَعْنَى قَوْله : " سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي " وَارْتَفَعَ السَّلَام بِالِابْتِدَاءِ ; وَجَازَ ذَلِكَ مَعَ نَكِرَته لِأَنَّهُ نَكِرَة مُخَصِّصَة فَقَرَنَتْ الْمَعْرِفَة .



الْحَفِيّ الْمُبَالِغ فِي الْبِرّ وَالْإِلْطَاف ; يُقَال : حَفِيَ بِهِ وَتَحَفَّى إِذَا بَرَّهُ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ يُقَال : حَفِيَ بِي حَفَاوَة وَحِفْوَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : " إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " أَيْ عَالِمًا لَطِيفًا يُجِيبنِي إِذَا دَعَوْته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أوضح المسالك إلى أحكام المناسك

    قال المؤلف - رحمه الله -: « فهذا منسك جامع لكثير من أحكام الحج والعمرة ومحتويًا على كثير من آداب السفر من حين يريد السفر إلى أن يرجع إلى محله موضحًا فيه ما يقوله ويفعله ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2562

    التحميل:

  • المشروع والممنوع في المسجد

    المشروع والممنوع في المسجد : المسجد مدرسة الرجال، ومحضن الأبطال، وبقدر الاهتمام به وتفعيل دوره يوجد الرجال، وفي هذه الرسالة بيان أهمية المساجد في حياة المسلم، مع بيان المشروع والممنوع في المسجد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66732

    التحميل:

  • بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية والحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة

    بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية : كتيب مختصر قال عنه مصنفه في مقدمته « ... ومما لا يخفى، أن جانب العقيدة الإسلامية هو الأساس الذي إذا صلح؛ صلح عمل العبد، وإذا فسد؛ فسد ما انبنى عليه، وبإلقاء نظرة على واقع المسلمين اليوم؛ نجد أن المخالفات العقائدية منتشرة فيهم انتشار النار في الهشيم، مما دعاني إلى التفكير جدياً في اختيار هذا الموضوع، وبعد التفكير الطويل، استقر رأيي على ذلك، مما لاحظته في بعض البلاد الإسلامية، من الانحرافات الكثيرة في العقيدة، فاخترت بعضاً منها، مستعيناً بالله ثم بمن يمكن أن يقدم إلي نصحاً، و عنوان البحث (بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية والحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة) ..».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63381

    التحميل:

  • مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى الله تعالى

    مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى الله تعالى: قال المصنف في مقدمة الكتاب: «فهذه رسالة مختصرة في «مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى اللَّه تعالى»، بيَّنتُ فيها نماذج من المواقف المشرفة في الدعوة إلى اللَّه سبحانه وتعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337971

    التحميل:

  • توحيد الألوهية

    في هذه الرسالة سيكون الحديث عن توحيد الألوهية، وذلك من خلال المباحث التالية: تعريف توحيد الألوهية. أسماؤه الأخرى. أهمية توحيد الألوهية. أدلته. أركانه. تعريف العبادة لغةً، واصطلاحاً. الفرق بين العبادة وتوحيد العبادة. متى تقبل العبادة؟ أهمية الإخلاص والمتابعة. أركان العبادة. أيُّهما يغلب، الرجاء أو الخوف؟. الخوف الواجب والخوف المستحب. أنواع العبادة. عبودية الخلق لله عز وجل. فضائل توحيد الألوهية. أسباب نمو التوحيد في القلب. طرق الدعوة إلى توحيد الألوهية في القرآن الكريم. علاقة توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية في القرآن الكريم. ما ضد توحيد الألوهية؟. الفرق التي أشركت في توحيد الألوهية.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172696

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة