Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) (مريم) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا قَالَ " وَبَرًّا بِوَالِدَتِي " وَلَمْ يَقُلْ بِوَالِدَيَّ عُلِمَ أَنَّهُ شَيْء مِنْ جِهَة اللَّه تَعَالَى .



أَيْ مُتَعَظِّمًا مُتَكَبِّرًا يَقْتُل وَيَضْرِب عَلَى الْغَضَب . وَقِيلَ : الْجَبَّار الَّذِي لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا قَطُّ .



أَيْ خَائِبًا مِنْ الْخَيْر . اِبْن عَبَّاس : عَاقًّا . وَقِيلَ : عَاصِيًا لِرَبِّهِ . وَقِيلَ : لَمْ يَجْعَلنِي تَارِكًا لِأَمْرِهِ فَأَشْقَى كَمَا شَقِيَ إِبْلِيس لَمَّا تَرَكَ أَمْره . قَالَ مَالِك بْن أَنَس رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة : مَا أَشَدّهَا عَلَى أَهْل الْقَدَر ! أَخْبَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا قُضِيَ مِنْ أَمْره , وَبِمَا هُوَ كَائِن إِلَى أَنْ يَمُوت . وَقَدْ رُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة عَنْ اِبْن زَيْد وَغَيْره أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا كَلَام عِيسَى أَذْعَنُوا وَقَالُوا : إِنَّ هَذَا لَأَمْر عَظِيم . وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي طُفُولَته بِهَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ عَادَ إِلَى حَالَة الْأَطْفَال , حَتَّى مَشَى عَلَى عَادَة الْبَشَر إِلَى أَنْ بَلَغَ مَبْلَغ الصِّبْيَان فَكَانَ نُطْقه إِظْهَار بَرَاءَة أُمّه لَا أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَعْقِل فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَهُوَ كَمَا يُنْطِق اللَّه تَعَالَى الْجَوَارِح يَوْم الْقِيَامَة . وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ دَامَ نُطْقه , وَلَا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ اِبْن يَوْم أَوْ شَهْر , وَلَوْ كَانَ يَدُوم نُطْقه وَتَسْبِيحه وَوَعْظه وَصَلَاته فِي صِغَره مِنْ وَقْت الْوِلَادَة لَكَانَ مِثْله مِمَّا لَا يَنْكَتِم , وَهَذَا كُلّه مِمَّا يَدُلّ عَلَى فَسَاد الْقَوْل الْأَوَّل , وَيُصَرِّح بِجَهَالَةِ قَائِله . وَيَدُلّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاع الْفِرَق عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُحَدّ . وَإِنَّمَا صَحَّ بَرَاءَتهَا مِنْ الزِّنَا بِكَلَامِهِ فِي الْمَهْد . وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَبِرّ الْوَالِدَيْنِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأُمَم السَّالِفَة , وَالْقُرُون الْخَالِيَة الْمَاضِيَة , فَهُوَ مِمَّا يَثْبُت حُكْمه وَلَمْ يُنْسَخ فِي شَرِيعَة أَمْره . وَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي غَايَة التَّوَاضُع ; يَأْكُل الشَّجَر , وَيَلْبَس الشَّعْر , وَيَجْلِس عَلَى التُّرَاب , وَيَأْوِي حَيْثُ جَنَّهُ اللَّيْل , لَا مَسْكَن لَهُ , صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْإِشَارَة بِمَنْزِلَةِ الْكَلَام , وَتُفْهِم مَا يُفْهِم الْقَوْل . كَيْفَ لَا وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ مَرْيَم فَقَالَ : " فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ " وَفَهِمَ مِنْهَا الْقَوْم مَقْصُودهَا وَغَرَضهَا فَقَالُوا : ( كَيْفَ نُكَلِّم ) وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " آل عِمْرَان " مُسْتَوْفًى . قَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَصِحّ قَذْف الْأَخْرَس وَلَا لِعَانه . وَرُوِيَ مِثْله عَنْ الشَّعْبِيّ , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَإِنَّمَا يَصِحّ الْقَذْف عِنْدهمْ بِصَرِيحِ الزِّنَا دُون مَعْنَاهُ , وَهَذَا لَا يَصِحّ مِنْ الْأَخْرَس ضَرُورَة , فَلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ; بِالْإِشَارَةِ بِالزِّنَا مِنْ الْوَطْء الْحَلَال وَالشُّبْهَة . قَالُوا : وَاللِّعَان عِنْدنَا شَهَادَات , وَشَهَادَة الْأَخْرَس لَا تُقْبَل بِالْإِجْمَاعِ . قَالَ اِبْن الْقَصَّار : قَوْلهمْ إِنَّ الْقَذْف لَا يَصِحّ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ فَهُوَ بَاطِل بِسَائِرِ الْأَلْسِنَة مَا عَدَا الْعَرَبِيَّة , فَكَذَلِكَ إِشَارَة الْأَخْرَس . وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِجْمَاع فِي شَهَادَة الْأَخْرَس فَغَلَط . وَقَدْ نَصَّ مَالِك أَنَّ شَهَادَته مَقْبُولَة إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَته , وَأَنَّهَا تَقُوم مَقَام اللَّفْظ بِالشَّهَادَةِ , وَأَمَّا مَعَ الْقُدْرَة بِاللَّفْظِ فَلَا تَقَع مِنْهُ إِلَّا بِاللَّفْظِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَالْمُخَالِفُونَ يُلْزِمُونَ الْأَخْرَس الطَّلَاق وَالْبُيُوع وَسَائِر الْأَحْكَام , فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْقَذْف مِثْل ذَلِكَ . قَالَ الْمُهَلِّب : وَقَدْ تَكُون الْإِشَارَة فِي كَثِير مِنْ أَبْوَاب الْفِقْه أَقْوَى مِنْ الْكَلَام مِثْل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) نَعْرِف قُرْب مَا بَيْنهمَا بِمِقْدَارِ زِيَادَة الْوُسْطَى عَلَى السِّبَابَة . وَفِي إِجْمَاع الْعُقُول عَلَى أَنَّ الْعِيَان أَقْوَى مِنْ الْخَبَر دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِشَارَة قَدْ تَكُون فِي بَعْض الْمَوَاضِع أَقْوَى مِنْ الْكَلَام .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مواقف العلماء عبر العصور في الدعوة إلى الله تعالى

    مواقف العلماء عبر العصور في الدعوة إلى الله تعالى: قال المصنف في المقدمة: «فهذه رسالة مختصرة في «مواقف العلماء في الدعوة إلى الله تعالى عبر العصور»، بيّنتُ فيها نماذج من المواقف المشرّفة في الدعوة إلى الله تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337980

    التحميل:

  • إقامة الحجة بذكر أدلة وجوب إعفاء اللحية ويليها فتاوى

    رسالة مختصرة في حكم اللحية في الإسلام وفي حكم إعفائها، وحكم حلقها وتقصيرها وحكم إطالة الشارب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335004

    التحميل:

  • أربح البضاعة في فوائد صلاة الجماعة

    فلأهمية أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المساجد عمومًا وصلاة الفجر خصوصًا وكثرة فوائدها وعظيم أجر وثواب من حافظ عليها وعقوبة من تخلف عنها بأنواع العقوبات وعظيم الخطر والأضرار المرتبة على من تخلف عنها في العاجل والآجل. ونظرًا لكثرة المتخلفين عنها والمتهاونين بها- هداهم الله وأخذ بنواصيهم إلى الحق-رأيت من واجبي تذكير إخواني المسلمين بهذه الفوائد وتلك الأضرار لعلهم يتذكرون ما ينفعهم فيعملوا به وما يضرهم فيجتنبوه طاعة لله ولرسوله وطمعًا في فضل الله ومغفرته ورحمته وخوفًا من عذابه وسخطه وليشهد لهم بالإيمان وينالوا ثواب المؤمنين في الدنيا والآخرة وليبتعدوا عن أوصاف المنافقين لئلا يصيبهم ما أصابهم من العذاب والخزي في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209168

    التحميل:

  • رحمة للعالمين: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    رحمة للعالمين: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتابٌ ألَّفه الشيخ القحطاني - حفظه الله - في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمه إلى ثلاثٍ وثلاثين مبحثًا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونشأته، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، ومعجزاته، ووفاته، وختم الكتاب بذكر حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2164

    التحميل:

  • الصبر وأثره في حياة المسلم

    الصبر وأثره في حياة المسلم : في هذه الرسالة بيان أصول نافعة جامعة في مسائل المصائب والمحن، ثم بيان منزلة الصبر وأسبابه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209120

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة