Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 26

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) (مريم) mp3
أَيْ فَكُلِي مِنْ الْجَنِيّ , وَاشْرَبِي مِنْ السَّرِيّ , وَقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الْوَلَد النَّبِيّ . وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْقَاف وَهِيَ قِرَاءَة الْجُمْهُور . وَحَكَى الطَّبَرِيّ قِرَاءَة " وَقِرِّي " بِكَسْرِ الْقَاف وَهِيَ لُغَة نَجْد . يُقَال : قَرَّ عَيْنًا يَقُرّ وَيَقِرّ بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْرهَا وَأَقَرَّ اللَّه عَيْنه فَقَرَّتْ . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْقُرّ وَالْقِرَّة وَهُمَا الْبَرْد . وَدَمْعَة السُّرُور بَارِدَة وَدَمْعَة الْحُزْن حَارَّة . وَضَعَّفَتْ فِرْقَة هَذَا وَقَالَتْ : الدَّمْع كُلّه حَارّ , فَمَعْنَى أَقَرَّ اللَّه عَيْنه أَيْ سَكَّنَ اللَّه عَيْنه بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ يُحِبّهُ حَتَّى تَقِرّ وَتَسْكُن ; وَفُلَان قُرَّة عَيْنِي ; أَيْ نَفْسِي تَسْكُن بِقُرْبِهِ . وَقَالَ الشَّيْبَانِيّ : " وَقَرِّي عَيْنًا " مَعْنَاهُ نَامِي حَضَّهَا عَلَى الْأَكْل وَالشُّرْب وَالنَّوْم . قَالَ أَبُو عَمْرو : أَقَرَّ اللَّه عَيْنه أَيْ أَنَامَ عَيْنه , وَأَذْهَبَ سَهَره . و " عَيْنًا " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز ; كَقَوْلِك : طِبْ نَفْسًا . وَالْفِعْل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ لِلْعَيْنِ فَنُقِلَ ذَلِكَ إِلَى ذِي الْعَيْن ; وَيُنْصَب الَّذِي كَانَ فَاعِلًا فِي الْحَقِيقَة عَلَى التَّفْسِير . وَمِثْله طِبْت نَفْسًا , وَتَفَقَّأْت شَحْمًا , وَتَصَبَّبْت عَرَقًا , وَمِثْله كَثِير .



" فَإِمَّا تَرَيِنَّ " الْأَصْل فِي تَرَيِنَّ تَرْأَيِين فَحُذِفَتْ الْهَمْزَة كَمَا حُذِفَتْ مِنْ تَرَى وَنُقِلَتْ فَتَحْتهَا إِلَى الرَّاء فَصَارَ " تَرَيِينَ " ثُمَّ قُلِبَتْ الْيَاء الْأُولَى أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاح مَا قَبْلهَا , فَاجْتَمَعَ سَاكِنَانِ الْأَلِف الْمُنْقَلِبَة عَنْ الْيَاء وَيَاء التَّأْنِيث , فَحُذِفَتْ الْأَلِف لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , فَصَارَ تَرَيْنَ , ثُمَّ حُذِفَتْ النُّون عَلَامَة لِلْجَزْمِ لِأَنَّ إِنْ حَرْف شَرْط وَمَا صِلَة فَبَقِيَ تَرَيْ , ثُمَّ دَخَلَهُ نُون التَّوْكِيد وَهِيَ مُثَقَّلَة , فَكُسِرَ يَاء التَّأْنِيث لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ النُّون الْمُثَقَّلَة بِمَنْزِلَةِ نُونَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَة فَصَارَ تَرَيِنَّ وَعَلَى هَذَا النَّحْو قَوْل اِبْن دُرَيْد : إِمَّا تَرَيْ رَأْسِي حَاكَى لَوْنه وَقَوْل الْأَفْوَه : إِمَّا تَرَيْ رَأْسِي أَزْرَى بِهِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ النُّون هُنَا بِتَوْطِئَةِ " مَا " كَمَا يُوَطِّئ لِدُخُولِهَا أَيْضًا لَام الْقَسَم . وَقَرَأَ طَلْحَة وَأَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة " تَرَيْنَ " بِسُكُونِ الْيَاء وَفَتْح النُّون خَفِيفَة ; قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَهِيَ شَاذَّة . " فَقُولِي إِنِّي نَذَرْت " هَذَا جَوَاب الشَّرْط وَفِيهِ إِضْمَار ; أَيْ فَسَأَلَك عَنْ وَلَدك " فَقُولِي إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا " أَيْ صَمْتًا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَأَنَس بْن مَالِك . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب " إِنَى نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا " وَرُوِيَ عَنْ أَنَس . وَعَنْهُ أَيْضًا " وَصَمْتًا " بِوَاوٍ , وَاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَرْف ذُكِرَ تَفْسِيرًا لَا قُرْآنًا ; فَإِذَا أَتَتْ مَعَهُ وَاو فَمُمْكِن أَنْ يَكُون غَيْر الصَّوْم . وَاَلَّذِي تَتَابَعَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ أَهْل الْحَدِيث وَرُوَاة اللُّغَة أَنَّ الصَّوْم هُوَ الصَّمْت ; لِأَنَّ الصَّوْم إِمْسَاك وَالصَّمْت إِمْسَاك عَنْ الْكَلَام /و وَقِيلَ : هُوَ الصَّوْم الْمَعْرُوف , وَكَانَ يَلْزَمهُمْ الصَّمْت يَوْم الصَّوْم إِلَّا بِالْإِشَارَةِ . وَعَلَى هَذَا تُخَرَّج قِرَاءَة أَنَس " وَصَمْتًا " بِوَاوٍ , وَأَنَّ الصَّمْت كَانَ عِنْدهمْ فِي الصَّوْم مُلْتَزَمًا بِالنَّذْرِ , كَمَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ مِنَّا الْمَشْي إِلَى الْبَيْت اِقْتَضَى ذَلِكَ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَة . وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهَا عَلَى لِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام - أَوْ اِبْنهَا عَلَى الْخِلَاف الْمُتَقَدِّم - بِأَنْ تُمْسِك عَنْ مُخَاطَبَة الْبَشَر , وَتُحِيل عَلَى اِبْنهَا فِي ذَلِكَ لِيَرْتَفِع عَنْهَا خَجَلهَا , وَتَتَبَيَّنَ الْآيَة فَيَقُوم عُذْرهَا . وَظَاهِر الْآيَة أَنَّهَا أُبِيحَ لَهَا أَنْ تَقُول هَذِهِ الْأَلْفَاظ الَّتِي فِي الْآيَة , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور . وَقَالَتْ فِرْقَة : مَعْنَى " قُولِي " بِالْإِشَارَةِ لَا بِالْكَلَامِ . الزَّمَخْشَرِيّ : وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوت عَنْ السَّفِيه وَاجِب , وَمِنْ أَذَلّ النَّاس سَفِيه لَمْ يَجِد مُسَافِهًا . مَنْ اِلْتَزَمَ بِالنَّذْرِ أَلَّا يُكَلِّم أَحَدًا مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّهُ قُرْبَة فَيَلْزَم بِالنَّذْرِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي شَرْعنَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيق وَتَعْذِيب النَّفْس ; كَنَذْرِ الْقِيَام فِي الشَّمْس وَنَحْوه . وَعَلَى هَذَا كَانَ نَذْر الصَّمْت فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة لَا فِي شَرِيعَتنَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَدْ أَمَرَ اِبْن مَسْعُود مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ بِالْكَلَامِ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِحَدِيثِ أَبِي إِسْرَائِيل , خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَالسُّدِّيّ : كَانَتْ سُنَّة الصِّيَام عِنْدهمْ الْإِمْسَاك عَنْ الْأَكْل وَالْكَلَام . قُلْت : وَمِنْ سُنَّتنَا نَحْنُ فِي الصِّيَام الْإِمْسَاك عَنْ الْكَلَام الْقَبِيح ; قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( إِذَا كَانَ أَحَدكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُث وَلَا يَجْهَل فَإِنْ اِمْرُؤُ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِم ) . وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه ) .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها

    وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها: هذه الرسالة تبين وجوب العمل بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكفر من أنكرها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102358

    التحميل:

  • حد الثوب والأزرة وتحريم الإسبال ولباس الشهرة

    حد الثوب والأزرة : رسالة قيمة مفيدة وافية في موضوعها، وقد جاءت في وقت تمس الحاجة إليها فيه، حيث برزت مظاهر غريبة في اللباس بين إفراط وتفريط في شأن اللباس إسبالاً وتقصيراً. - قدم لها فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - أثابه الله -.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169018

    التحميل:

  • مختصر الفقه الإسلامي

    مختصر الفقه الإسلامي [ الطبعة الثالثة عشرة ]: مختصر سهل الأسلوب، حوى بين جنبيه شرائع الإسلام، وروعي فيه إلقاء النفع على البيت المسلم على وجه الخصوص. - قد جمع ورتب من كتب متعددة، في التوحيد والإيمان والأخلاق والآداب والأذكار والأدعية والأحكام، فينتهل منه العابد والواعظ والمعلم والتاجر والمفتي والقاضي والداعي إلى الله تعالى. - وضع بحيث يتناول المسائل التي تهم كل مسلم، ثم يذكر الحكم الراجح من أقوال أهل العلم - إذ ظهر دليل الترجيح - مع ذكره إن كان في الكتاب العزيز أو صحيح السنة أو كليهما. - وهو تعريف عام بدين الإسلام، عقيدة وأحكاماً، وأخلاقاً وآداباً، ودعوة إلى الله تعالى على بصيرة. - ملحوظة مهمة: ترتيب المرفقات كالآتي: 1- طبعة مصورة وهي الطبعة العاشرة من الكتاب. 2- نسخة نصية ومحولة وهي للطبعة الحادية عشر. 3- نسخة نصية ومنسقة وهي للطبعة الحادية عشر. 4- نسخة نصية في ملف مضغوط ومقسمة إلى أبواب للطبعة الحادية عشر. وننبه الزوار الكرام، إلى أن أننا ترجمنا الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية، وهي موجودة على موقعنا - ولله الحمد -. 5- نسخة نصية ومحولة وهي للطبعة الثالثة عشر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/202905

    التحميل:

  • الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب

    الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب: قال المُؤلِّفان: «فإن لآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مكانةً عظيمةً، ومنزلةً سامِقةً رفيعةً، وشرفًا عاليًا، وقدرًا كبيرًا. لقد حباهم الله هذه المكانة البالغة الشرف، فجعل الصلاةَ عليهم مقرونةً بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في التشهُّد، وأوجبَ لهم حقًّا في الخمس والفَيْء، وحرَّم عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، فلا تصلُح لأمثالهم ... وقد جمعتُ في هذه الأوراق مواقف متنوعة، وقصصًا مُشرقة للآل والأصحاب - رضي الله عنهم -، ورتَّبتُها على أبوابٍ مختلفة، وتركتُها قفلاً من غير تعليق لأنها ناطقة بما فيها، واعتمدتُ في جمع هذه المواقف على مراجع متنوعة، وقد أنقلُ - أحيانًا - جزءًا كبيرًا من كتابٍ واحدٍ لحصول المقصود به؛ ككتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي - رحمه الله -، و«حياة الصحابة» للكاندهلوي - رحمه الله -، و«صلاح الأمة في علوِّ الهمَّة» لسيد عفاني - وفقه الله -».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380429

    التحميل:

  • موضوعات صالحة للخطب والوعظ

    يحتوي هذا الكتاب على 37 خطبة استفادها المصنف من كتب العلامة ابن القيم - رحمه الله -. والخطب منها ما يتعلق بمعرفة الله - سبحانه وتعالى - بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإنسان وميزانه ومصيره، إلى غير ذلك

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70856

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة