Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 25

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) (مريم) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَهُزِّي " أَمَرَهَا بِهَزِّ الْجِذْع الْيَابِس لِتَرَى آيَة أُخْرَى فِي إِحْيَاء مَوَات الْجِذْع . وَالْبَاء فِي قَوْله : " بِجِذْعِ " زَائِدَة مُؤَكِّدَة كَمَا يُقَال : خُذْ بِالزِّمَامِ , وَأَعْطِ بِيَدِك قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء " [ الْحَجّ : 15 ] أَيْ فَلْيُمْدِدْ سَبَبًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَهُزِّي إِلَيْك رُطَبًا عَلَى جِذْع النَّخْلَة . " وَتَسَّاقَط " أَيْ تَتَسَاقَط فَأَدْغَمَ التَّاء فِي السِّين . وَقَرَأَ حَمْزَة " تَسَاقَطْ " مُخَفَّفًا فَحَذَفَ الَّتِي أَدْغَمَهَا غَيْره . وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص " تُسَاقِط " بِضَمِّ التَّاء مُخَفَّفًا وَكَسْر الْقَاف . وَقُرِئَ " تَتَسَاقَط " بِإِظْهَارِ التَّاءَيْنِ و " يَسَّاقَط " بِالْيَاءِ وَإِدْغَام التَّاء " وَتُسْقِط " و " يُسْقِط " و " تَسْقُط " و " يَسْقُط " بِالتَّاءِ لِلنَّخْلَةِ وَبِالْيَاءِ لِلْجِذْعِ ; فَهَذِهِ تِسْع قِرَاءَات ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيّ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ . " رُطَبًا " نُصِبَ بِالْهَزِّ ; أَيْ إِذَا هَزَزْت الْجِذْع هَزَزْت بِهَزِّهِ " رُطَبًا جَنِيًّا " وَعَلَى الْجُمْلَة ف " رُطَبًا " يَخْتَلِف نَصْبه بِحَسَبِ مَعَانِي الْقِرَاءَات ; فَمَرَّة يَسْتَنِد الْفِعْل إِلَى الْجِذْع , وَمَرَّة إِلَى الْهَزّ , وَمَرَّة إِلَى النَّخْلَة . " وَجَنِيًّا " مَعْنَاهُ قَدْ طَابَتْ وَصَلُحَتْ لِلِاجْتِنَاءِ , وَهِيَ مِنْ جَنَيْت الثَّمَرَة . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن مَسْعُود - وَلَا يَصِحّ - أَنَّهُ قَرَأَ " تُسَاقِط عَلَيْك رُطَبًا جَنِيًّا بَرْنِيًّا " . وَقَالَ مُجَاهِد : " رُطَبًا جَنِيًّا " قَالَ : كَانَتْ عَجْوَة . وَقَالَ عَبَّاس بْن الْفَضْل : سَأَلْت أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء عَنْ قَوْله : " رُطَبًا جَنِيًّا " فَقَالَ : لَمْ يَذْوِ . قَالَ وَتَفْسِيره : لَمْ يَجِفّ وَلَمْ يَيْبَس وَلَمْ يَبْعُد عَنْ يَدَيْ مُجْتَنِيه ; وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح . قَالَ الْفَرَّاء : الْجَنِيّ وَالْمَجْنِيّ وَاحِد يَذْهَب إِلَى أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْقَتِيل وَالْمَقْتُول وَالْجَرِيح وَالْمَجْرُوح . وَقَالَ غَيْر الْفَرَّاء : الْجَنِيّ الْمَقْطُوع مِنْ نَخْلَة وَاحِدَة , وَالْمَأْخُوذ مِنْ مَكَان نَشْأَته ; وَأَنْشَدُوا : وَطِيب ثِمَار فِي رِيَاض أَرِيضَة وَأَغْصَان أَشْجَار جَنَاهَا عَلَى قُرْب يُرِيد بِالْجَنَى مَا يُجْنَى مِنْهَا أَيْ يُقْطَع وَيُؤْخَذ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ جِذْعًا نَخِرًا فَلَمَّا هَزَّتْ نَظَرَتْ إِلَى أَعْلَى الْجِذْع فَإِذَا السَّعَف قَدْ طَلَعَ , ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الطَّلْع قَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْن السَّعَف , ثُمَّ اخْضَرَّ فَصَارَ بَلَحًا ثُمَّ اِحْمَرَّ فَصَارَ زَهْوًا , ثُمَّ رُطَبًا ; كُلّ ذَلِكَ فِي طَرْفَة عَيْن , فَجَعَلَ الرُّطَب يَقَع بَيْن يَدَيْهَا لَا يَنْشَدِخ مِنْهُ شَيْء .

الثَّانِيَة : اِسْتَدَلَّ بَعْض النَّاس مِنْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الرِّزْق وَإِنْ كَانَ مَحْتُومًا ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ وَكَلَ اِبْن آدَم إِلَى سَعْي مَا فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ مَرْيَم بِهَزِّ النَّخْلَة لِتَرَى آيَة , وَكَانَتْ الْآيَة تَكُون بِأَلَّا تَهُزّ .

الثَّالِثَة : الْأَمْر بِتَكْلِيفِ الْكَسْب فِي الرِّزْق سُنَّة اللَّه تَعَالَى فِي عِبَاده , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل , خِلَافًا لِمَا تَقُولهُ جُهَّال الْمُتَزَهِّدَة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَالْخِلَاف فِيهِ . وَقَدْ كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ يَأْتِيهَا , رِزْقهَا مِنْ غَيْر تَكَسُّب كَمَا قَالَ : " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وَجَدَ عِنْدهَا رِزْقًا " الْآيَة [ آل عِمْرَان : 37 ] . فَلَمَّا وَلَدَتْ أُمِرَتْ بِهَزِّ الْجِذْع . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا كَانَ قَلْبهَا فَارِغًا فَرَّغَ اللَّه جَارِحَتهَا عَنْ النَّصَب , فَلَمَّا وَلَدَتْ عِيسَى وَتَعَلَّقَ قَلْبهَا بِحُبِّهِ , وَاشْتَغَلَ سِرّهَا بِحَدِيثِهِ وَأَمْره , وَكَلَهَا إِلَى كَسْبهَا , وَرَدَّهَا إِلَى الْعَادَة بِالتَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ فِي عِبَاده . وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن زَيْد أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : لَا تَحْزَنِي ; فَقَالَتْ لَهُ وَكَيْفَ لَا أَحْزَن وَأَنْتَ مَعِي ؟ ! لَا ذَات زَوْج وَلَا مَمْلُوكَة ! أَيّ شَيْء عُذْرِي عِنْد النَّاس ؟ ! ! " يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْل هَذَا وَكُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا " فَقَالَ لَهَا عِيسَى : أَنَا أَكْفِيك الْكَلَام .

الرَّابِعَة : قَالَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم : مَا لِلنُّفَسَاءِ عِنْدِي خَيْر مِنْ الرُّطَب لِهَذِهِ الْآيَة , وَلَوْ عَلِمَ اللَّه شَيْئًا هُوَ أَفْضَل مِنْ الرُّطَب لِلنُّفَسَاءِ لَأَطْعَمَهُ مَرْيَم وَلِذَلِكَ قَالُوا : التَّمْر عَادَة لِلنُّفَسَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْت وَكَذَلِكَ التَّحْنِيك . وَقِيلَ : إِذَا عَسِرَ وِلَادهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَيْر مِنْ الرُّطَب وَلَا لِلْمَرِيضِ خَيْر مِنْ الْعَسَل ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك قَالَ اللَّه تَعَالَى : " رُطَبًا جَنِيًّا " الْجَنِيّ مِنْ التَّمْر مَا طَابَ مِنْ غَيْر نَقْش وَلَا إِفْسَاد . وَالنَّقْش أَنْ يُنْقَش مِنْ أَسْفَل الْبُسْرَة حَتَّى تُرَطِّب ; فَهَذَا مَكْرُوه ; يَعْنِي مَالِك أَنَّ هَذَا تَعْجِيل لِلشَّيْءِ قَبْل وَقْته , فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلهُ , وَإِنْ فَعَلَهُ فَاعِل مَا كَانَ ذَلِكَ مُجَوِّزًا لِبَيْعِهِ ; وَلَا حُكْمًا بِطِيبِهِ . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْقَوْل فِي الْأَنْعَام . وَالْحَمْد لِلَّهِ . عَنْ طَلْحَة بْن سُلَيْمَان " جِنِيًّا " بِكَسْرِ الْجِيم لِلْإِتْبَاعِ ; أَيْ جَعَلْنَا لَك فِي السَّرِيّ وَالرُّطَب فَائِدَتَيْنِ : إِحَداهمَا الْأَكْل وَالشُّرْب , الثَّانِيَة سَلْوَة الصَّدْر لِكَوْنِهِمَا مُعْجِزَتَيْنِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المجمعات التجارية آداب وأحكام

    المجمعات التجارية آداب وأحكام: فالتسابق جارٍ على قدمٍ وساقٍ في استعراض آخر أخبار الأسواق والبضائع، وأحدث الصيحات والماركات العالمية .. إعلانات متتالية تبهِر الناس وتُثيرهم .. تخفيضات .. تنزيلات .. تصفية!! لذا كان لزامًا على الدعاة والمُصلِحين الوقوف على هذه الظاهرة وتجليتها للناس وفق كتاب الله وسنة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341880

    التحميل:

  • فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة

    فضل أهل البيت: مَن هم أهل البيت؟، مُجمل عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أهل البيت، فضائل أهل البيت في القرآن الكريم، فضائل أهل البيت في السنَّة المطهَّرة، علوُّ مكانة أهل البيت عند الصحابة وتابعيهم بإحسان، مقارنة بين عقيدة أهل السُّنَّة وعقيدة غيرهم في أهل البيت، تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2125

    التحميل:

  • تلخيص كتاب الصيام من الشرح الممتع

    يقول المؤلف: هذا ملخص في كتاب الصيام (( للشرح الممتع على زاد المستقنع )) للشيخ العلامه ابن عثيمين رحمه الله، وقد اقتصرت فيه على القول الراجح أو ما يشير إليه الشيخ رحمه الله أنه الراجح، مع ذكر اختيار شيخ الإسلام أو أحد المذاهب الأربعه، إذا كان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يرى ترجيحه، مع ذكر المتن وتوضيح ذلك إذا احتجنا لتوضيحه، ومع ذكر بعض المسائل والفوائد المكمله للباب للشيخ رحمه الله، وذكر استدراكاته على المتن إن كان هناك استدراكات.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/286177

    التحميل:

  • قصة كاملة لم يؤلفها بشر

    قصة كاملة لم يؤلفها بشر : في هذه الرسالة واقعة أغرب من القصص، ما ألفها أديب قصصي، ولا عمل فيها خيال روائي، بل ألَّفَتْها الحياة، فجاءت بأحداثها ومصادفاتها، وبداياتها وخواتيمها، أبلغ مما ألف القصاص من الأدباء.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265570

    التحميل:

  • هذه نصيحتي إلى كل شيعي

    هذه نصيحتي إلى كل شيعي: قال المؤلف - حفظه الله -:- « فإني كنت - والحق يقال - لا أعرف عن شيعة آل البيت إلا أنهم جماعة من المسلمين يغالون في حب آل البيت، وينتصرون لهم، وأنهم يخالفون أهل السنة في بعض الفروع الشرعية بتأولات قريبة أو بعيدة؛ ولذلك كنت امتعض كثيرا بل أتألم لتفسيق بعض الأخوان لهم، ورميهم أحيانا بما يخرجهم من دائرة الإسلام، غير أن الأمر لم يدم طويلا حتى أشار علي أحد الإخوان بالنظر في كتاب لهذه الجماعة لاستخلاص الحكم الصحيح عليها، ووقع الاختيار على كتاب (الكافي) وهو عمدة القوم في إثبات مذهبهم، وطالعته، وخرجت منه بحقائق علمية جعلتني أعذر من كان يخطئني في عطفي على القوم، و ينكر علي ميلي إلى مداراتهم رجاء زوال بعض الجفوة التي لاشك في وجودها بين أهل السنة وهذه الفئة التي تنتسب إلى الإسلام بحق أو بباطل، وهاأنذا أورد تلك الحقائق المستخلصة من أهم كتاب تعتمد عليه الشيعة في إثبات مذهبها وإني لأهيب بكل شيعي أن يتأمل هذه الحقائق بإخلاص، وإنصاف، وأن يصدر حكمه بعد ذلك على مذهبه، وعلى نسبته إليه ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2623

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة