Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 23

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) (مريم) mp3
"أَجَاءَهَا " اِضْطَرَّهَا ; وَهُوَ تَعْدِيَة جَاءَ بِالْهَمْزِ . يُقَال : جَاءَ بِهِ وَأَجَاءَهُ إِلَى مَوْضِع كَذَا , كَمَا يُقَال : ذَهَبَ بِهِ وَأَذْهَبَهُ . وَقَرَأَ شُبَيْل وَرُوِيَتْ عَنْ عَاصِم " فَاجَأَهَا " مِنْ الْمُفَاجَأَة . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ " فَلَمَّا أَجَاءَهَا الْمَخَاض " . وَقَالَ زُهَيْر : وَجَارٍ سَارَ مُعْتَمِدًا إِلَيْنَا أَجَاءَتْهُ الْمَخَافَة وَالرَّجَاء وَقَرَأَ الْجُمْهُور " الْمَخَاض " بِفَتْحِ الْمِيم . و اِبْن كَثِير فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الطَّلْق وَشِدَّة الْوِلَادَة وَأَوْجَاعهَا . مَخِضَتْ الْمَرْأَة تَمْخَض مَخَاضًا وَمِخَاضًا . وَنَاقَة مَاخِض أَيْ دَنَا وِلَادهَا . " إِلَى جِذْع النَّخْلَة " كَأَنَّهَا طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِد إِلَيْهِ وَتَتَعَلَّق بِهِ , كَمَا تَتَعَلَّق الْحَامِل لِشِدَّةِ وَجَع الطَّلْق . وَالْجِذْع سَاق النَّخْلَة الْيَابِسَة فِي الصَّحْرَاء الَّذِي لَا سَعَف عَلَيْهِ وَلَا غُصْن ; وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ إِلَى النَّخْلَة .



تَمَنَّتْ مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام الْمَوْت مِنْ جِهَة الدِّين لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا خَافَتْ أَنْ يُظَنّ بِهَا الشَّرّ فِي دِينهَا وَتُعَيَّر فَيَفْتِنهَا ذَلِكَ . الثَّانِي : لِئَلَّا يَقَع قَوْم بِسَبَبِهَا فِي الْبُهْتَان وَالنِّسْبَة إِلَى الزِّنَا وَذَلِكَ مُهْلِك . وَعَلَى هَذَا الْحَدّ يَكُون تَمَنِّي الْمَوْت جَائِزًا , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُبَيَّنًا فِي سُورَة " يُوسُف " عَلَيْهِ السَّلَام وَالْحَمْد لِلَّهِ . قُلْت : وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام سَمِعَتْ نِدَاء مَنْ يَقُول : اُخْرُجْ يَا مَنْ يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه فَحَزِنَتْ لِذَلِكَ .



النَّسْي فِي كَلَام الْعَرَب الشَّيْء الْحَقِير الَّذِي شَأْنه أَنْ يُنْسَى وَلَا يُتَأَلَّم لِفَقْدِهِ كَالْوَتَدِ وَالْحَبْل لِلْمُسَافِرِ وَنَحْوه . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا الرَّحِيل عَنْ مَنْزِل قَالُوا : اِحْفَظُوا أَنْسَاءَكُمْ ; الْأَنْسَاء جَمْع نِسْي وَهُوَ الشَّيْء الْحَقِير يُغْفَل فَيُنْسَى . وَمِنْهُ قَوْل الْكُمَيْت رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ : أَتَجْعَلُنَا جِسْرًا لِكَلْبِ قُضَاعَة وَلَسْت بِنِسْيٍ فِي مَعَدّ وَلَا دَخَل وَقَالَ الْفَرَّاء : النِّسْي مَا تُلْقِيه الْمَرْأَة مِنْ خِرَق اِعْتِلَالهَا ; فَقَوْل مَرْيَم : " نَسْيًا " مَنْسِيًّا " أَيْ حَيْضَة مُلْقَاة . وَقُرِئَ " نَسْيًا " بِفَتْحِ النُّون وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل الْحِجْر وَالْحَجْر وَالْوِتْر وَالْوَتْر . وَقَرَأَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ بِالْهَمْزِ " نِسْئًا " بِكَسْرِ النُّون . وَقَرَأَ نَوْف الْبِكَالِيّ " نَسْئًا " بِفَتْحِ النُّون مِنْ نَسَأَ اللَّه تَعَالَى فِي أَجَله أَيْ أَخَّرَهُ . وَحَكَاهَا أَبُو الْفَتْح وَالدَّانِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب . وَقَرَأَ بَكْر بْن حَبِيب " نَسًّا " بِتَشْدِيدِ السِّين وَفَتْح النُّون دُون هَمْز . وَقَدْ حَكَى الطَّبَرِيّ فِي قَصَصهَا أَنَّهَا لَمَّا حَمَلَتْ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَمَلَتْ أَيْضًا أُخْتهَا بِيَحْيَى , فَجَاءَتْهَا أُخْتهَا زَائِرَة فَقَالَتْ : يَا مَرْيَم أَشَعُرْت أَنْتِ أَنِّي حَمَلْت ؟ فَقَالَتْ لَهَا : وَإِنِّي أَجِد مَا فِي بَطْنِي يَسْجُد لِمَا فِي بَطْنك ; فَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهَا أَحَسَّتْ بِجَنِينِهَا يَخِرّ بِرَأْسِهِ إِلَى نَاحِيَة بَطْن مَرْيَم ; قَالَ السُّدِّيّ فَذَلِكَ قَوْله : " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " [ آل عِمْرَان : 39 ] وَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ قَصَصهَا أَنَّهَا خَرَجَتْ فَارَّة مَعَ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يُقَال لَهُ يُوسُف النَّجَّار , كَانَ يَخْدُم مَعَهَا فِي الْمَسْجِد وَطَوَّلَ فِي ذَلِكَ . قَالَ الْكَلْبِيّ : قِيلَ لِيُوسُف - وَكَانَتْ سُمِّيَتْ لَهُ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَا - فَالْآن يَقْتُلهَا الْمَلِك , فَهَرَبَ بِهَا , فَهَمَّ فِي الطَّرِيق بِقَتْلِهَا , فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ مِنْ رُوح الْقُدُس ; قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا كُلّه ضَعِيف . وَهَذِهِ الْقِصَّة تَقْتَضِي أَنَّهَا حَمَلَتْ , وَاسْتَمَرَّتْ حَامِلًا عَلَى عُرْف النِّسَاء , وَتَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُر قَالَهُ عِكْرِمَة ; وَلِذَلِكَ قِيلَ : لَا يَعِيش اِبْن ثَمَانِيَة أَشْهُر حِفْظًا لِخَاصَّةِ عِيسَى . وَقِيلَ : وَلَدَتْهُ لِتِسْعَةٍ . وَقِيلَ : لِسِتَّةٍ . وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَصَحّ وَأَظْهَر . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة

    التحقيق والإيضاح في كثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة : منسك مختصر يشتمل على إيضاح وتحقيق لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2155

    التحميل:

  • التعليق المختصر على القصيدة النونية

    التعليق المختصر على القصيدة النونية المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية للعلامة ابن قيم الجوزية - رحمه الله -، وهي قصيدة انتصر فيها لعقيدة السلف الصالح، ورد فيها على مخالفيهم، ونقض حججهم وكشف شبهاتهم وتمويهاتهم. ولم يدع الناظم - رحمه الله - أصلاً من أصول عقيدة السلف إلا بينه، وأفاض في ذكره، ولم يترك بدعة كبرى أو مبتدعاً خطيراً إلا تناوله ورد عليه؛ فغدا هذا الكتاب - النظم - أشبه ما يكون - بالموسوعة الجامعة لعيون عقائد أهل السنة، والرد على أعدائها من جهال وضلال وأهل أهواء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205557

    التحميل:

  • من أخطاء الأزواج

    من أخطاء الأزواج : الحديث في هذا الكتاب يدور حول مظاهر التقصير والخطأ التي تقع من بعض الأزواج؛ تنبيهاً وتذكيراً، ومحاولة في العلاج، ورغبة في أن تكون بيوتنا محاضن تربية، ومستقر رحمة وسعادة.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172563

    التحميل:

  • التحفة السنية في الفوائد والقواعد الفقهية

    التحفة السنية في الفوائد والقواعد الفقهية : قال المؤلف - رحمه الله -: فقد كثر التسأول من طلبة العلم المعاصرين عن مصطلحات وتعريفات الفقهاء، في مذهب الإمام المبجل: أحمد بن محمد بن حنبل، ومما يطلقه الأصحاب في قولهم هذا الحكم، أو هذه المسألة من رواية الجماعة وما يطلقونه على المذهب عند المتقدمين والمتوسطين والمتأخرين. وحيث إن غالب هذه التعريفات والمصطلحات، وتنويع المذاهب، لا توجد إلا في الكتب الكبار ولاسيما المختصة بالأصول، وقد لا يهتدي الطالب إلى مكانها، ولا يستطيع استخراجها، وبالتالي معرفتها، ولأني لم أقف على رسالة خاصة في هذا الشأن أحببت أن أجمع ذلك، وأوضحه باختصار، فائدةً للطالب المبتدئ، وتذكرة للعالم المنتهي- وسأذكر من أعيان أصحابنا من اشتهر بالتصنيف، أو له قول، أو رأي في المذهب توبع عليه، سواء أكان متقدمًا، أو متوسطًا، أو متأخرًا، مع ذكر الوفاة.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265568

    التحميل:

  • الكنوز الملية في الفرائض الجلية

    الكنوز الملية في الفرائض الجلية: شرح لمسائل الفرائض - المواريث - على هيئة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2556

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة