Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة مريم - الآية 11

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) (مريم) mp3
فِيهِ خَمْس مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه مِنْ الْمِحْرَاب " أَيْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُصَلَّى . وَالْمِحْرَاب أَرْفَع الْمَوَاضِع , وَأَشْرَف الْمَجَالِس , وَكَانُوا يَتَّخِذُونَ الْمَحَارِيب فِيمَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْأَرْض ; دَلِيله مِحْرَاب دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَا يَأْتِي . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي اِشْتِقَاقه ; فَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْحَرْب كَأَنَّ مُلَازِمه يُحَارِب الشَّيْطَان وَالشَّهَوَات . وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْحَرَب ( بِفَتْحِ الرَّاء ) كَأَنَّ مُلَازِمه يَلْقَى مِنْهُ حَرَبًا وَتَعَبًا وَنَصَبًا . الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِرْتِفَاع إِمَامهمْ عَلَى الْمَأْمُومِينَ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدهمْ فِي صَلَاتهمْ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فُقَهَاء الْأَمْصَار , فَأَجَازَ ذَلِكَ الْإِمَام أَحْمَد وَغَيْره مُتَمَسِّكًا بِقِصَّةِ الْمِنْبَر . وَمَنَعَ مَالِك ذَلِكَ فِي الِارْتِفَاع الْكَثِير دُون الْيَسِير , وَعَلَّلَ أَصْحَابه الْمَنْع بِخَوْفِ الْكِبْر عَلَى الْإِمَام . قُلْت : وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; وَأَحْسَن مَا فِيهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ هَمَّام أَنَّ حُذَيْفَة أَمَّ النَّاس بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّان , فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُود بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاته قَالَ : أَلَمْ تَعْلَم أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ هَذَا - أَوْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ! قَالَ : بَلَى قَدْ ذَكَرْت حِين مَدَدْتنِي وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت الْأَنْصَارِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُل أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّار بْن يَاسِر بِالْمَدَائِنِ , فَأُقْمِيَتْ الصَّلَاة فَتَقَدَّمَ عَمَّار بْن يَاسِر , وَقَامَ عَلَى دُكَّان يُصَلِّي وَالنَّاس أَسْفَل مِنْهُ , فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَة فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّار حَتَّى أَنْزَلَ حُذَيْفَة , فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّار مِنْ صَلَاته , قَالَ لَهُ حُذَيْفَة : أَلَمْ تَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِذَا أَمَّ الرَّجُل الْقَوْم فَلَا يَقُمْ فِي مَكَان أَرْفَع مِنْ مَقَامهمْ ) أَوْ نَحْو ذَلِكَ ; فَقَالَ عَمَّار : لِذَلِكَ اِتَّبَعْتُك حِين أَخَذْت عَلَى يَدِي . قُلْت : فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة قَدْ أَخْبَرُوا بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يَحْتَجّ أَحَد مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبه بِحَدِيثِ الْمِنْبَر فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى نَسْخه أَنَّ فِيهِ عَمَلًا زَائِدًا فِي الصَّلَاة , وَهُوَ النُّزُول وَالصُّعُود , فَنُسِخَ كَمَا نُسِخَ الْكَلَام وَالسَّلَام . وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا اِعْتَذَرَ بِهِ أَصْحَابنَا مِنْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ الْكِبْر ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَئِمَّة يُوجَد لَا كِبْر عِنْدهمْ , وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَهُ بِأَنَّ اِرْتِفَاع الْمِنْبَر كَانَ يَسِيرًا ; وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله تَعَالَى : " فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَة وَعَشِيًّا " قَالَ الْكَلْبِيّ وَقَتَادَة وَابْن مُنَبِّه : أَوْحَى إِلَيْهِمْ أَشَارَ . الْقُتَبِيّ : أَوْمَأَ . مُجَاهِد : كَتَبَ عَلَى الْأَرْض . عِكْرِمَة : كَتَبَ فِي كِتَاب . وَالْوَحْي فِي كَلَام الْعَرَب الْكِتَابَة ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : سِوَى الْأَرْبَع الدُّهْم اللَّوَاتِي كَأَنَّهَا بَقِيَّة وَحْي فِي بُطُون الصَّحَائِف وَقَالَ عَنْتَرَة : كَوَحْيِ صَحَائِف مِنْ عَهْد كِسْرَى فَأَهْدَاهَا لِأَعْجَم طِمْطِمِيّ و " بُكْرَة وَعَشِيًّا " ظَرْفَانِ . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الْعَشِيّ يُؤَنَّث وَيَجُوز تَذْكِيره إِذَا أَبْهَمْت ; قَالَ : وَقَدْ يَكُون الْعَشِيّ جَمْع عَشِيَّة . الرَّابِعَة : قَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْم فِي الْإِشَارَة فِي " آل عِمْرَان " وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّم إِنْسَانًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا , أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا ; فَقَالَ مَالِك : إِنَّهُ يَحْنَث إِلَّا أَنْ يَنْوِي مُشَافَهَته , ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا يُنْوَى فِي الْكِتَاب وَيَحْنَث إِلَّا أَنْ يَرْتَجِع الْكِتَاب قَبْل وُصُوله . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِذَا قَرَأَ كِتَابه حَنِثَ , وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَ الْحَالِف كِتَاب الْمَحْلُوف عَلَيْهِ . وَقَالَ أَشْهَب : لَا يَحْنَث إِذَا قَرَأَهُ الْحَالِف ; وَهَذَا بَيِّن ; لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمهُ وَلَا اِبْتَدَأَهُ بِكَلَامٍ إِلَّا أَنْ يُرِيد أَلَّا يَعْلَم مَعْنَى كَلَامه فَإِنَّهُ يَحْنَث وَعَلَيْهِ يَخْرُج قَوْل اِبْن الْقَاسِم . فَإِنْ حَلَفَ لَيُكَلِّمَنَّهُ لَمْ يَبَرّ إِلَّا بِمُشَافَهَتِهِ ; وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : وَإِنْ حَلَفَ لَئِنْ عَلِمَ كَذَا لَيُعْلِمَنَّهُ أَوْ لَيُخْبِرَنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا بَرَّ , وَلَوْ عَلِمَاهُ جَمِيعًا لَمْ يَبَرَّ , حَتَّى يُعْلِمهُ لِأَنَّ عِلْمهمَا مُخْتَلِف . الْخَامِسَة : وَاتَّفَقَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ أَنَّ الْأَخْرَس إِذَا كَتَبَ الطَّلَاق بِيَدِهِ لَزِمَهُ ; قَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِلَّا أَنْ يَكُون رَجُل أُصْمِتَ أَيَّامًا فَكَتَبَ لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ شَيْء . قَالَ الطَّحَاوِيّ : الْخَرَس مُخَالِف لِلصَّمْتِ الْعَارِض , كَمَا أَنَّ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع الْعَارِض لِمَرَضٍ وَنَحْوه يَوْمًا أَوْ نَحْوه مُخَالِف لِلْعَجْزِ الْمَيْئُوس مِنْهُ الْجِمَاع , نَحْو الْجُنُون فِي بَاب خِيَار الْمَرْأَة فِي الْفُرْقَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود

    وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307940

    التحميل:

  • التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير

    التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير: قال المؤلف: وأعني بهذه الدراسة البلاغية التحليلية أن تستقرأ جميع الآيات التي وردت فيها هذه المصطلحات، ودراستها كلها، ثم استنباط المعنى المراد من هذه المصطلحات كما قرره الذكر الحكيم في مختلف السياقات، ثم بيان الفروق الدلالية بينها بعد ذلك من واقع هذا التحليل البلاغي.

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332064

    التحميل:

  • دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة

    دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة: بسط لعقيدة أهل السنة و الجماعة، و بيان لموردهم في عقيدة الأسماء و الصفات، و الذب عن حياض أهل العلم، و خاصة بن باز رحمه الله الذي كال له الحاقدين صنوف الإتهام و الإفك، ليصدوا العامة عن علمه الصافي و عقيدته السليمه لأغراض كاسدة بائسة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76536

    التحميل:

  • نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة

    نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «نور التقوى وظلمات المعاصي» أوضحتُ فيها نور التقوى، ومفهومها، وأهميتها، وصفات المتقين، وثمرات التقوى، وبيّنت فيها: ظلمات المعاصي، ومفهومها، وأسبابها، ومداخلها، وأصولها، وأقسامها، وأنواعها وآثارها، على الفرد والمجتمع، وعلاج المعاصي وأصحابها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193646

    التحميل:

  • تذكير القوم بآداب النوم

    تذكير القوم بآداب النوم : في هذه الرسالة بيان آداب النوم وأحكامه والأذكار المشروعة قبله وبعده، وبيان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرته في نومه ويقظته فلنا فيه أسوة حسنة - صلوات الله وسلامه عليه -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209172

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة