Muslim Library

تفسير ابن كثر - سورة مريم - الآية 37

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) (مريم) mp3
وَقَوْله : " فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَاب مِنْ بَيْنهمْ " أَيْ اِخْتَلَفَ قَوْل أَهْل الْكِتَاب فِي عِيسَى بَعْد بَيَان أَمْره وَوُضُوح حَاله وَأَنَّهُ عَبْده وَرَسُوله وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ فَصَمَّمَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ وَهُمْ جُمْهُور الْيَهُود عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه عَلَى أَنَّهُ وَلَد زِنْيَة وَقَالُوا كَلَامه هَذَا سِحْر وَقَالَتْ طَائِفَة أُخْرَى إِنَّمَا تَكَلَّمَ اللَّه وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ اِبْن اللَّه وَقَالَ آخَرُونَ ثَالِث ثَلَاثَة وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَهَذَا هُوَ قَوْل الْحَقّ الَّذِي أَرْشَدَ اللَّه إِلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ رُوِيَ نَحْو هَذَا عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون وَابْن جُرَيْج وَقَتَادَة وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف . قَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله " ذَلِكَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَوْل الْحَقّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ " قَالَ اِجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيل فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَة نَفَر أَخْرَجَ كُلّ قَوْم عَالِمهمْ فَامْتَرَوْا فِي عِيسَى حِين رُفِعَ فَقَالَ بَعْضهمْ هُوَ اللَّه هَبَطَ إِلَى الْأَرْض فَأَحْيَا مَنْ أَحْيَا وَأَمَاتَ مَنْ أَمَاتَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاء وَهُمْ الْيَعْقُوبِيَّة فَقَالَ الثَّلَاثَة كَذَبْت ثُمَّ قَالَ اِثْنَانِ مِنْهُمْ لِلثَّالِثِ قُلْ أَنْتَ فِيهِ قَالَ هُوَ اِبْن اللَّه وَهُمْ النُّسْطُورِيَّة فَقَالَ الِاثْنَانِ كَذَبْت ثُمَّ قَالَ أَحَد الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ قُلْ فِيهِ فَقَالَ هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة اللَّه إِلَه وَهُوَ إِلَه وَأُمّه إِلَه وَهُمْ الْإِسْرَائِيلِيَّة مُلُوك النَّصَارَى عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه قَالَ الرَّابِع كَذَبْت بَلْ هُوَ عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَرُوحه وَكَلِمَته وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ . فَكَانَ لِكُلِّ رَجُل مِنْهُمْ أَتْبَاع عَلَى مَا قَالُوا فَاقْتَتَلُوا وَظَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس " قَالَ قَتَادَة وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه " فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَاب مِنْ بَيْنهمْ " قَالَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْر وَاحِد مِنْ عُلَمَاء التَّارِيخ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ أَنَّ قُسْطَنْطِين جَمَعَهُمْ فِي مَحْفِل كَبِير مِنْ مَجَامِعهمْ الثَّلَاثَة الْمَشْهُورَة عِنْدهمْ فَكَانَ جَمَاعَة الْأَسَاقِفَة مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَمِائَة وَسَبْعِينَ أُسْقُفًّا فَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام اِخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا جِدًّا فَقَالَتْ كُلّ شِرْذِمَة فِيهِ قَوْلًا فَمِائَة تَقُول فِيهِ شَيْئًا وَسَبْعُونَ تَقُول فِيهِ قَوْلًا آخَر وَخَمْسُونَ تَقُول شَيْئًا آخَر وَمِائَة وَسِتُّونَ تَقُول شَيْئًا وَلَمْ يَجْتَمِع عَلَى مَقَالَة وَاحِدَة أَكْثَر مِنْ ثَلَثمِائَةٍ وَثَمَانِيَة مِنْهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى قَوْل وَصَمَّمُوا عَلَيْهِ فَمَالَ إِلَيْهِمْ الْمَلِك وَكَانَ فَيْلَسُوفًا فَقَدَّمَهُمْ وَنَصَرَهُمْ وَطَرَدَ مَنْ عَدَاهُمْ فَوَضَعُوا لَهُ الْأَمَانَة الْكَبِيرَة بَلْ هِيَ الْخِيَانَة الْعَظِيمَة وَوَضَعُوا لَهُ كُتُب الْقَوَانِين وَشَرَعُوا لَهُ أَشْيَاء وَابْتَدَعُوا بِدَعًا كَثِيرَة وَحَرَّفُوا دِين الْمَسِيح وَغَيَّرُوهُ فَابْتَنَى لَهُمْ حِينَئِذٍ الْكَنَائِس الْكِبَار فِي مَمْلَكَته كُلّهَا بِلَاد الشَّام وَالْجَزِيرَة وَالرُّوم فَكَانَ مَبْلَغ الْكَنَائِس فِي أَيَّامه مَا يُقَارِب اِثْنَيْ عَشَر أَلْف كَنِيسَة وَبَنَتْ أُمّه هيلانة قُمَامَة عَلَى الْمَكَان الَّذِي صُلِبَ فِيهِ الْمَصْلُوب الَّذِي يَزْعُم الْيَهُود أَنَّهُ الْمَسِيح وَقَدْ كَذَبُوا بَلْ رَفَعَهُ اللَّه إِلَى السَّمَاء وَقَوْله " فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَد يَوْم عَظِيم " تَهْدِيد وَوَعِيد شَدِيد لِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه وَافْتَرَى وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَلَكِنْ أَنْظَرَهُمْ تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَجَّلَهُمْ حِلْمًا وَثِقَة بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ الَّذِي لَا يُعَجِّل عَلَى مَنْ عَصَاهُ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذه أَلِيم شَدِيد " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " لَا أَحَد أَصْبَر عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّه إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقهُمْ وَيُعَافِيهِمْ " وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْت لَهَا وَهِيَ ظَالِمَة ثُمَّ أَخَذْتهَا وَإِلَيَّ الْمَصِير " وَقَالَ تَعَالَى " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّه غَافِلًا عَمَّا يَعْمَل الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَص فِيهِ الْأَبْصَار " وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا " فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَد يَوْم عَظِيم " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّته عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله وَأَنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ وَأَنَّ الْجَنَّة حَقّ وَالنَّار حَقّ أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَل " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مفحمات الأقران في مبهمات القرآن

    مفحمات الأقران في مبهمات القرآن : فإن من علوم القرآن التي يجب الاعتناء بها معرفة مبهماته وقد هتف ابن العساكر بكتابه المسمى بـ ‏ « ‏التكميل والإتمام‏ »‏‏.‏ وجمع القاضي بينهما القاضي بدر الدين ابن جماعة في كتاب سماه ‏ « ‏التبيان في مبهمات القرآن ‏»‏‏.‏ وهذا كتاب يفوق الكتب الثلاثة بما حوى من الفوائد والزوائد وحسن الإيجاز وعزو كل القول إلى من قاله مخرجا من كتب الحديث والتفاسير المسندة فإن ذلك أدعى لقبوله وأقع في النفس‏، فإن لم أقف عليه مسندا عزوته إلى قائله من المفسرين والعلماء وقد سميته ‏ « ‏مفحمات الأقران في مبهمات القرآن ‏»‏‏.‏

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141392

    التحميل:

  • النور والظلمات في ضوء الكتاب والسنة

    النور والظلمات في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في (النور والظلمات في الكتاب والسُّنَّة)، ذكرت فيها بإيجاز الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي جاء فيها ذكر النور والظلمات، وفسرت الآيات، وشرحت الأحاديث وبنيت ذلك على كلام أئمة التفسير وشُرَّاح السنة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193643

    التحميل:

  • جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية

    جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية : كتيب في 77 صفحة متوسطة الحجم طبع عام 1419هـ سبب التأليف أن المؤلف لم ير من أفرد الكتابة عن هذا الجبل مع ما للكتابة عنه من أهمية لما علق به في قلوب العامة من البدع والضلالات فلابد من دلالتهم على الهدى وقد وضعه المؤلف في خمسة أبحاث هي: الأول: بيان صفة الجبل وتعيين موقعه وذرعه والمعالم الباقية لما أحدث فيه. الثاني: أسمائه. الثالث: أنه لا ذكر له في الرواية بعد التتبع ولا يتعلق به نسك. الرابع: تعيين موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات وحكمه للحجاج. الخامس: أنواع ما أُحدث في الجبل والموقف من الأبنية والأقوال والأفعال وتاريخها. ثم خاتمة فيها خلاصة ما تقدم من أنه ليس له اسم إلا جبل إلال بالكسر على وزن هلال وبالفتح على وزن سَحاب. وجبل عرفات وما سواها محدث وأقدم نص وقف عليه المؤلف في تسميته بجبل الرحمة هو في رحلة ناصر خسرو ت 444هـ المسماة (سفر نامه) وأنه لا ذكر له في الرواية ولا يتعلق به نسك وما ذكر بعض العلماء من استحباب صعوده لا يعول عليه وأنه يجب رفع وسائل الإغراء بالجبل من المحدثات وهي أربعة عشر محدثاً من الأبنية. واثنان وثلاثون محدثاً من الأقوال والأفعال المبتدعة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169191

    التحميل:

  • الطيرة

    الطيرة : في هذه الرسالة جمع لبعض ما تناثر في باب الطيرة؛ رغبة في إلقاء الضوء حول هذه المسلك، وتبيان ضرره، وعلاجه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172691

    التحميل:

  • فوائد من سورة يوسف عليه السلام

    رسالة مختصرة تبين بعض الفوائد من سورة يوسف عليه السلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233602

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة