Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الكهف - الآية 79

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) (الكهف) mp3
اِسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمِسْكِين أَحْسَن حَالًا مِنْ الْفَقِير , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى مِنْ سُورَة " بَرَاءَة " . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُسَافِرُونَ عَنْ قِلَّة فِي لُجَّة بَحْر , وَبِحَالِ ضَعْف عَنْ مُدَافَعَة خَطْب عَبَّرَ عَنْهُمْ بِمَسَاكِين ; إِذْ هُمْ فِي حَالَة يُشْفَق عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهَا , وَهَذَا كَمَا تَقُول لِرَجُلٍ غَنِيّ وَقَعَ فِي وَهْلَة أَوْ خَطْب : مِسْكِين . وَقَالَ كَعْب وَغَيْره : كَانَتْ لِعَشَرَةِ إِخْوَة مِنْ الْمَسَاكِين وَرِثُوهَا مِنْ أَبِيهِمْ خَمْسَة زَمْنَى , وَخَمْسَة يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر . وَقِيلَ : كَانُوا سَبْعَة لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ زَمَانَة لَيْسَتْ بِالْآخَرِ . وَقَدْ ذَكَرَ النَّقَّاش أَسْمَاءَهُمْ ; فَأَمَّا الْعُمَّال مِنْهُمْ فَأَحَدهمْ كَانَ مَجْذُومًا ; وَالثَّانِي أَعْوَر , وَالثَّالِث أَعْرَج , وَالرَّابِع آدَرّ , وَالْخَامِس مَحْمُومًا لَا تَنْقَطِع عَنْهُ الْحُمَّى الدَّهْر كُلّه وَهُوَ أَصْغَرهمْ ; وَالْخَمْسَة الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الْعَمَل : أَعْمَى وَأَصَمّ وَأَخْرَس وَمُقْعَد وَمَجْنُون , وَكَانَ الْبَحْر الَّذِي يَعْمَلُونَ فِيهِ مَا بَيْن فَارِس وَالرُّوم ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة : " لِمَسَّاكِينَ " بِتَشْدِيدِ السِّين , وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ : هُمْ مَلَّاحُو السَّفِينَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسَّاك هُوَ الَّذِي يَمْسِك رِجْل السَّفِينَة , وَكُلّ الْخَدَمَة تَصْلُح لِإِمْسَاكِهِ فَسُمِّيَ الْجَمِيع مَسَّاكِين . وَقَالَتْ فِرْقَة : أَرَادَ بِالْمَسَّاكِينَ دَبْغَة الْمُسُوك وَهِيَ الْجُلُود وَاحِدهَا مَسْك . وَالْأَظْهَر قِرَاءَة " مَسَاكِين " بِالتَّخْفِيفِ جَمْع مِسْكِين , وَأَنَّ مَعْنَاهَا : إِنَّ السَّفِينَة لِقَوْمٍ ضُعَفَاء يَنْبَغِي أَنْ يُشْفَق عَلَيْهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .



أَيْ أَجْعَلهَا ذَات عَيْب , يُقَال : عِبْت الشَّيْء فَعَابَ إِذَا صَارَ ذَا عَيْب , فَهُوَ مَعِيب وَعَائِب .


قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر ( صَحِيحَة ) وَقَرَأَ أَيْضًا اِبْن عَبَّاس وَعُثْمَان بْن عَفَّان ( صَالِحَة ) . و ( وَرَاء ) أَصْلهَا بِمَعْنَى خَلْف ; فَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّهُ كَانَ خَلْفه وَكَانَ رُجُوعهمْ عَلَيْهِ . وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ مَعْنَى ( وَرَاء ) هُنَا أَمَام ; يَعْضُدهُ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر " وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : " وَرَاءَهُمْ " هُوَ عِنْدِي عَلَى بَابه ; وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ إِنَّمَا تَجِيء مُرَاعًى بِهَا الزَّمَان وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَث الْمُقَدَّم الْمَوْجُود هُوَ الْأَمَام , وَاَلَّذِي يَأْتِي بَعْده هُوَ الْوَرَاء وَهُوَ مَا خُلِّفَ , وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَظْهَر بَادِيَ الرَّأْي , وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظ فِي مَوَاضِعهَا حَيْثُ وَرَدَتْ تَجِدهَا تَطَّرِد , فَهَذِهِ الْآيَة مَعْنَاهَا : إِنَّ هَؤُلَاءِ وَعَمَلهمْ وَسَعْيهمْ يَأْتِي بَعْده فِي الزَّمَان غَصْب هَذَا الْمَلِك ; وَمَنْ قَرَأَ " أَمَامهمْ " أَرَادَ فِي الْمَكَان , أَيْ كَأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ إِلَى بَلَد , وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( الصَّلَاة أَمَامك ) يُرِيد فِي الْمَكَان , وَإِلَّا فَكَوْنهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَانَ أَمَام الصَّلَاة فِي الزَّمَان ; وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَقَالَة فَإِنَّهَا مُرِيحَة مِنْ شَغَب هَذِهِ الْأَلْفَاظ ; وَوَقَعَ لِقَتَادَةَ فِي كِتَاب الطَّبَرِيّ " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك " قَالَ قَتَادَة : أَمَامهمْ أَلَا تَرَاهُ يَقُول : مِنْ " وَرَائِهِمْ جَهَنَّم " وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ ; وَهَذَا الْقَوْل غَيْر مُسْتَقِيم , وَهَذِهِ هِيَ الْعُجْمَة الَّتِي كَانَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن يَضِجّ مِنْهَا ; قَالَهُ الزَّجَّاج .

قُلْت : وَمَا اِخْتَارَهُ هَذَا الْإِمَام قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ اِبْن عَرَفَة ; قَالَ الْهَرَوِيّ قَالَ اِبْن عَرَفَة : يَقُول الْقَائِل كَيْفَ قَالَ " مِنْ وَرَائِهِ " وَهِيَ أَمَامه ؟ فَزَعَمَ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو عَلِيّ قُطْرُب أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَضْدَاد , وَأَنَّ وَرَاء فِي مَعْنَى قُدَّام , وَهَذَا غَيْر مُحَصَّل ; لِأَنَّ أَمَام ضِدّ وَرَاء , وَإِنَّمَا يَصْلُح هَذَا فِي الْأَوْقَات , كَقَوْلِك لِلرَّجُلِ إِذَا وَعَدَ وَعْدًا فِي رَجَب لِرَمَضَان ثُمَّ قَالَ : وَمِنْ وَرَائِك شَعْبَان لَجَازَ وَإِنْ كَانَ أَمَامه , لِأَنَّهُ يَخْلُفهُ إِلَى وَقْت وَعْده ; وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْقَوْل أَيْضًا الْقُشَيْرِيّ وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الْأَوْقَات , وَلَا يُقَال لِلرَّجُلِ أَمَامك إِنَّهُ وَرَاءَك ; قَالَ الْفَرَّاء : وَجَوَّزَهُ غَيْره ; وَالْقَوْم مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِخَبَرِ الْمَلِك , فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى الْخَضِر حَتَّى عَيْب السَّفِينَة ; وَذَكَرَهُ الزَّجَّاج . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي اِسْتِعْمَال وَرَاء مَوْضِع أَمَام عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : [ أَحَدهَا ] يَجُوز اِسْتِعْمَالهَا بِكُلِّ حَال وَفِي كُلّ مَكَان وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم " [ الْجَاثِيَة : 10 ] أَيْ مِنْ أَمَامهمْ : وَقَالَ الشَّاعِر : أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيم وَالْفَلَاة وَرَائِيَا يَعْنِي أَمَامِي . [ وَالثَّانِي ] أَنَّ وَرَاء تُسْتَعْمَل فِي مَوْضِع أَمَام فِي الْمَوَاقِيت وَالْأَزْمَان لِأَنَّ الْإِنْسَان يَجُوزهَا فَتَصِير وَرَاءَهُ وَلَا يَجُوز فِي غَيْرهَا . [ الثَّالِث ] أَنَّهُ يَجُوز فِي الْأَجْسَام الَّتِي لَا وَجْه لَهَا كَحَجَرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا وَرَاء الْآخَر وَلَا يَجُوز فِي غَيْرهمَا ; وَهَذَا قَوْل عَلِيّ بْن عِيسَى .

وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الْمَلِك فَقِيلَ : هُدَد بْن بُدَد . وَقِيلَ : الْجَلَنْدِيّ ; وَقَالَهُ السُّهَيْلِيّ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ اِسْم الْمَلِك الْآخِذ لِكُلِّ سَفِينَة غَصْبًا فَقَالَ : هُوَ ( هُدَد بْن بُدَد وَالْغُلَام الْمَقْتُول ) اِسْمه جيسور , وَهَكَذَا قَيَّدْنَاهُ فِي الْجَامِع مِنْ رِوَايَة يَزِيد الْمَرْوَزِيّ , وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة حيسور بِالْحَاءِ وَعِنْدِي فِي حَاشِيَة الْكِتَاب رِوَايَة ثَالِثَة : وَهِيَ حيسون وَكَانَ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة جَيِّدَة غَصْبًا فَلِذَلِكَ عَابَهَا الْخَضِر وَخَرَقَهَا ; فَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْه الْعَمَل بِالْمَصَالِحِ إِذَا تَحَقَّقَ وَجْههَا , وَجَوَاز إِصْلَاح كُلّ الْمَال بِإِفْسَادِ بَعْضه , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَجْه الْحِكْمَة بِخَرْقِ السَّفِينَة وَذَلِكَ قَوْله : ( فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَة فَتَجَاوَزَهَا , فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ . .. ) الْحَدِيث . وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْحَضّ عَلَى الصَّبْر فِي الشَّدَائِد , فَكَمْ فِي ضِمْن ذَلِكَ الْمَكْرُوه مِنْ الْفَوَائِد , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله : " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 216 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التذكرة بأسباب المغفرة

    في هذه الرسالة بيان بعض أسباب المغفرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209154

    التحميل:

  • حقوق الإنسان في الإسلام

    حقوق الإنسان في الإسلام : في هذا البحث بيان حقيقة حقوق الإنسان كما تثار في عالمنا المعاصر، مع وضع شعاراتها، ومفاهيمها، ونتائجها، في ميزان الإسلام.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144878

    التحميل:

  • الخشوع في الصلاة

    الخشوع في الصلاة : في هذه الرسالة بيان مظاهر الخشوع، ومراتبه، الأسباب المعينة عليه، ثم بيان أهميته وأثره وأسبابه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209181

    التحميل:

  • عيون الأثر في المغازي والسير

    عيون الأثر في المغازي والسير: كتاب يحتوي على بيان غزوات وسرايا النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141384

    التحميل:

  • عظمة القرآن الكريم وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة

    عظمة القرآن الكريم وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة : يحتوي هذا الكتاب على المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم القرآن العظيم. المبحث الثاني: القرآن العظيم أنزل في شهر رمضان. المبحث الثالث: عظمة القرآن الكريم وصفاته. المبحث الرابع: تأثير القرآن في النفوس والقلوب جاء على أنواع. المبحث الخامس: تدبر القرآن العظيم. المبحث السادس: فضل تلاوة القرآن اللفظية. المبحث السابع: فضل قراءة القرآن في الصلاة. المبحث الثامن: فضل تعلم القرآن وتعليمه، ومدارسته. المبحث التاسع: فضل حافظ القرآن العامل به. المبحث العاشر:فضائل سور معينة مخصصة. المبحث الحادي عشر:وجوب العمل بالقرآن وبيان فضله. المبحث الثاني عشر: الأمر بتعاهد القرآن ومراجعته. المبحث الثالث عشر: آداب تلاوة القرآن العظيم. المبحث الرابع عشر: أخلاق العامل لله بالقرآن: المبحث الخامس عشر: أخلاق العامل للدنيا بالقرآن. المبحث السادس عشر: أخلاق معلم القرآن.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193666

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة