Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الكهف - الآية 7

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) (الكهف) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " مَا " و " زِينَة " مَفْعُولَانِ . وَالزِّينَة كُلّ مَا عَلَى وَجْه الْأَرْض ; فَهُوَ عُمُوم لِأَنَّهُ دَالّ عَلَى بَارِئِهِ . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ بِالزِّينَةِ الرِّجَال ; قَالَ مُجَاهِد . وَرَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الزِّينَة الْخُلَفَاء وَالْأُمَرَاء . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا " قَالَ الْعُلَمَاء : زِينَة الْأَرْض . وَقَالَتْ فِرْقَة : أَرَادَ النِّعَم وَالْمَلَابِس وَالثِّمَار وَالْخُضْرَة وَالْمِيَاه , وَنَحْو هَذَا مِمَّا فِيهِ زِينَة ; وَلَمْ يَدْخُل فِيهِ الْجِبَال الصُّمّ وَكُلّ مَا لَا زِينَة فِيهِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِب . وَالْقَوْل بِالْعُمُومِ أَوْلَى , وَأَنَّ كُلّ مَا عَلَى الْأَرْض فِيهِ زِينَة مِنْ جِهَة خَلْقه وَصُنْعه وَإِحْكَامه . وَالْآيَة بَسْط فِي التَّسْلِيَة ; أَيْ لَا تَهْتَمّ يَا مُحَمَّد لِلدُّنْيَا وَأَهْلهَا فَإِنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَا ذَلِكَ اِمْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا لِأَهْلِهَا ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَدَبَّر وَيُؤْمِن , وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْفُر , ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة بَيْن أَيْدِيهمْ ; فَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْك كُفْرهمْ فَإِنَّا نُجَازِيهِمْ .

الثَّانِيَة : مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة يُنْظَر إِلَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَة حُلْوَة وَاَللَّه مُسْتَخْلِفكُمْ فِيهَا فَيَنْظُر كَيْف تَعْمَلُونَ ) . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِج اللَّه لَكُمْ مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا ) قَالَ : وَمَا زَهْرَة الدُّنْيَا ؟ قَالَ : ( بَرَكَات الْأَرْض ) خَرَّجَهُمَا مُسْلِم وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ . وَالْمَعْنَى : أَنَّ الدُّنْيَا مُسْتَطَابَة فِي ذَوْقهَا مُعْجِبَة فِي مَنْظَرهَا كَالثَّمَرِ الْمُسْتَحْلَى الْمُعْجِب الْمَرْأَى ; فَابْتَلَى اللَّه بِهَا عِبَاده لِيَنْظُر أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا . أَيْ مَنْ أَزْهَد فِيهَا وَأَتْرَك لَهَا ; وَلَا سَبِيل لِلْعِبَادِ إِلَى مَعْصِيَة مَا زَيَّنَهُ اللَّه إِلَّا [ أَنْ ] يُعِينهُ عَلَى ذَلِكَ . وَلِهَذَا كَانَ عُمَر يَقُول فِيمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ : اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيع إِلَّا أَنْ نَفْرَح بِمَا زَيَّنْته لَنَا , اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك أَنْ أُنْفِقهُ فِي حَقّه . فَدَعَا اللَّه أَنْ يُعِينهُ عَلَى إِنْفَاقه فِي حَقّه . وَهَذَا مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْس بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْس كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع ) . وَهَكَذَا هُوَ الْمُكْثِر مِنْ الدُّنْيَا لَا يَقْنَع بِمَا يَحْصُل لَهُ مِنْهَا بَلْ هِمَّته جَمْعهَا ; وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْفَهْم عَنْ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله ; فَإِنَّ الْفِتْنَة مَعَهَا حَاصِلَة وَعَدَم السَّلَامَة غَالِبَة , وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّه بِمَا آتَاهُ .



قَالَ اِبْن عَطِيَّة : كَانَ أَبِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول فِي قَوْله " أَحْسَن عَمَلًا " : أَحْسَن الْعَمَل أَخْذ بِحَقٍّ وَإِنْفَاق فِي حَقّ مَعَ الْإِيمَان وَأَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتِنَاب الْمَحَارِم وَالْإِكْثَار مِنْ الْمَنْدُوب إِلَيْهِ .

قُلْت : هَذَا قَوْل حَسَن , وَجِيز فِي أَلْفَاظه بَلِيغ فِي مَعْنَاهُ , وَقَدْ جَمَعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَفْظ وَاحِد وَهُوَ قَوْله لِسُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ لَمَّا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , قُلْ لِي فِي الْإِسْلَام قَوْلًا لَا أَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا بَعْدك - فِي رِوَايَة : غَيْرك . قَالَ : ( قُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اِسْتَقِمْ ) خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : " أَحْسَن عَمَلًا " أَزْهَدهمْ فِيهَا . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عِصَام الْعَسْقَلَانِيّ : " أَحْسَن عَمَلًا " أَتْرَك لَهَا . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات الْعُلَمَاء فِي الزُّهْد ; فَقَالَ قَوْم : قِصَر الْأَمَل وَلَيْسَ بِأَكْلِ الْخَشِن وَلُبْس الْعَبَاء ; قَالَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَصَدَقَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّ مَنْ قَصُرَ أَمَله لَمْ يَتَأَنَّق فِي الْمَطْعُومَات وَلَا يَتَفَنَّن فِي الْمَلْبُوسَات , وَأَخَذَ مِنْ الدُّنْيَا مَا تَيَسَّرَ , وَاجْتَزَأَ مِنْهَا بِمَا يَبْلُغ . وَقَالَ قَوْم : بُغْض الْمَحْمَدَة وَحُبّ الثَّنَاء . وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيّ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ . وَقَالَ قَوْم : تَرْك الدُّنْيَا كُلّهَا هُوَ الزُّهْد ; أَحَبّ تَرْكهَا أَمْ كَرِهَ . وَهُوَ قَوْل فُضَيْل . وَعَنْ بِشْر بْن الْحَارِث قَالَ : حُبّ الدُّنْيَا حُبّ لِقَاء النَّاس , وَالزُّهْد فِي الدُّنْيَا الزُّهْد فِي لِقَاء النَّاس . وَعَنْ الْفُضَيْل أَيْضًا : عَلَامَة الزُّهْد فِي الدُّنْيَا الزُّهْد فِي النَّاس . وَقَالَ قَوْم : لَا يَكُون الزَّاهِد زَاهِدًا حَتَّى يَكُون تَرْك الدُّنْيَا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَخْذهَا ; قَالَهُ إِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم . وَقَالَ قَوْم : الزُّهْد أَنْ تَزْهَد فِي الدُّنْيَا بِقَلْبِك ; قَالَهُ اِبْن الْمُبَارَك . وَقَالَتْ فِرْقَة : الزُّهْد حُبّ الْمَوْت . وَالْقَوْل الْأَوَّل يَعُمّ هَذِهِ الْأَقْوَال بِالْمَعْنَى فَهُوَ أَوْلَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نهاية العالم

    نهاية العالم: في هذا الرابط نسخة pdf من كتاب نهاية العالم للشيخ العريفي، وهو كتاب يتناول أشراط الساعة الصغرى والكبرى متضمناً صور وخرائط وتوضيحات.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/275250

    التحميل:

  • ثوابت الأمة في ظل المتغيرات الدولية

    ثوابت الأمة في ظل المتغيرات الدولية: مدخل في معرفة الثوابت، وهو ضمن فعاليات مؤتمر الآفاق المستقبلية للعمل الخيري بدولة الكويت، تحت إشراف مبرة الأعمال الخيرية. وهذا الموضوع من أهم الموضوعات وأعظمها لا سيما في هذه الآونة المتأخرة؛ مع تجمُّع الأعداء على المسلمين وثوابتهم ورموزهم.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337586

    التحميل:

  • عيسى الحقيقي وعيسى المزيف في العهد الجديد

    عيسى الحقيقي وعيسى المزيف في العهد الجديد: كتاب جديد ومهم يتناول صورة عيسى الحقيقية والمزيفة بالإنجيل من تأليف الشيخ صالح السبيل وهو متخصص بالمقارنة بين الأديان وقد أمضى أكثر من عشرين سنة في دراسة الأنجيل و الأديان الأخرى وقد تم تأليف الكتاب باللغة الإنجليزية مباشرة ثم ترجم إلى العربية.

    الناشر: موقع التصور الصحيح للمسيح http://www.jesusdepictions.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385680

    التحميل:

  • الكواشف الجلية عن معاني الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحها العديد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2561

    التحميل:

  • دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد

    دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد : عبارة عن رسالة حصل بها المؤلف على العالمية - الماجستير - وقد ناقشها عام 1407هـ. لجنة المناقشة: المشرف د/ محمد حرب، د/ عبد ا لعزيز آل الشيخ، د/ عبد الوهاب جعفر. - اشتمل هذا الكتاب على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة: - الباب الأول: في المفتريات التي ألصقت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. - الباب الثاني: في الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. - الباب الثالث: في اعتراضات على دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في طريقها في الدعوة وإنكار المنكر، وفيه ثلاثة فصول:

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172279

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة